الروائي الأميركي جون غريشام:
المدن الصغيرة تشكل نسيج رواياتي
أعتقد أنني قرأت جميع رواياتك تقريباً، حيث يظهر الأشخاص شديدو الضراوة طوال الوقت. ويتعرض الشخص البسيط للمتاعب إلى أن يظهر أحد أبطالك لتولي القضية. ولكنك تصف ما يجري في إطار عدالة المدن الأميركية الصغيرة.
نعم، فذلك هو ما أعرفه، حيث كنت هناك، ولكنني أدرسه أيضاً، أراقبه، من خلال القراءة عن القضايا.
وقد كان كتاب «البريء» النموذج الأحدث الذي يعكس اهتمامي بهذا الشأن، وأنا لم أرد قط تأليف كتب غير روائية، فأنا أحظى بمتعة كبيرة للغاية في غمار تأليف الروايات. وكتابتها أكثر إمتاعاً بكثير، وأسهل كثيراً من حيث إبداع المادة، وليس المضي لإجراء أبحاث حول مجموعة من الحقائق والقيام بالعمل الصعب. وأنا أحاول تجنب العمل الصعب بقدر الإمكان، ولكن تعين علي القيام بكثير من البحث.
كان «البريء» كتابك الأول في فئة الكتب غير الروائية، فهو تحقيق معمق بحثاً عن أسباب إدانة رون وليامسون ورجل آخر في جريمة قتل بطريق الخطأ وقعت في عام 1982. وبعد أحد عشر عاماً برهن الحمض الريبي على براءة الرجلين وأطلق سراح وليامسون بعد أن كان في انتظار تنفيذ الحكم بالإعدام فيه.
لقد أرسلنا 130 رجلاً إلى صفوف انتظار حكم الإعدام في القرن الحالي، على الأقل 130 رجلاً بقدر ما أعلم، والذين تمت تبرئتهم إما لأنهم أبرياء أو لم يتعرضوا لمحاكمة عادلة، أي 130 رجلاً أودعناهم السجن في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بهم، وأمضوا سنوات هناك، بمن فيهم رون وليامسون، الذي كتبت عنه. ورد فعلك الأول حيال هذا هو التساؤل: كيف كان من الممكن لأحد أن يصمد هناك؟ كيف كان من الممكن أن تحيا؟
فأنت في زنزانة صغيرة للغاية طولها عدة أقدام وعرضها كذلك، وأنت هنالك عادة مع رفيق زنزانة سيئ، على امتداد 23 ساعة في اليوم. فكيف تبقى على عقلك؟ إن معظمهم يقومون بذلك ويصمدون، في ظل ظروف بالغة الصعوبة.
ولست أقول إن السجن ينبغي أن يكون مكاناً سهلاً، ولكن تخيل الأمر. إنه مكان شاق إذا كنت مذنباً، إذا كنت قاتلاً مودعاً هناك. إنه مكان شاق بما فيه الكفاية. ولكن فكر ماذا إذا كنت بريئاً؟ إنك مودع في السجن وما من أحد يصغى إليك.
إنني أعرف أن الكتاب لا يعرفون غالباً المصادر التي أثرت في أعمالهم، ولا يحبون غالباً أن توجه إليهم أسئلة عنها. ولكن هل تعتقد أن نزعتك الدينية كانت مسؤولة عن تشكيل هذا الشعور بالظلم الذي يظهر غالباً في أعمالك؟
نعم، في الكتب الأخيرة. أما في الأعمال المبكرة فالأمر مختلف. إنني أكتب نوعين أو ثلاثة أنواع مختلفة من الكتب. أولاً، هناك كتب الإثارة القانونية، أي الكتب المبكرة، مثل «الشركة» و«مذكرة البليكان» و«العميل»، وقد كانت هذه الكتب جديدة ومفعمة بالإثارة وشديدة الرواح.
وكانت تسلية خالصة، ولم تكن هناك رسالة. لم تكن هناك قضية: لم يكن هناك شيء جاد في هذه الكتب، وإنما كانت تسلية خالصة فحسب، وقد أدت الغرض منها بشكل جميل. ولكن مع مرور الأعوام وجدت نفسي بصورة متزايدة التقط قضايا جادة، حيث يمكنني التقاط قضايا سواء أكانت الحكم بالإعدام، أو التشرد، أو شركات التبغ الكبرى، أو إساءة التأمين أو غير ذلك.
ولكن عندما التقط قضية وأدير رواية حولها وأجعلها رواية قوية، وأجعل الصفحات تتوالى وتمتلئ بعناصر الإثارة والجذب وأشد القارئ إلى الكتاب وأجعل القارئ يفكر، ربما للمرة الأولى، في المشكلة من منظور مختلف، فإن هذه الكتب تغدو هي الأفضل.
وكلما أوغلت في الكتابة ازددت استغراقاً في التفكير في الظلم والقصص التي أعدها للكتب التي سأقوم بتأليفها مستقبلاً، وهناك الكثير من الأفكار المتعلقة بالجوانب الخاطئة في النظام الأميركي وربما كيفية تدارك هذه الجوانب وإصلاحها، وإن لم يكن ذلك راجعاً إلى أنني أعرف كيف أصلحها، ولكنني بالتأكيد يمكنني إيضاح ما هو خاطئ فيها.
تقوم في رواياتك برسم صورة قاتمة لما يعنيه أن يكون المرء فقيراً، أو يكون مهمشاً، أو منتمياً إلى أقلية. من أين ينبع ذلك؟
حسناً، إنني لم أعش ذلك بنفسي، ولكنك عندما تنشأ في ميسيسيبي أو أركانساس فإنك تراه. ولايزال يمكنك أن تراه الآن في الجنوب ومناطق أخرى.
عملت محامياً على امتداد ثماني سنوات. أليس كذلك؟ في مسيسيبي قبل أن تؤلف رواية «وقت للقتل»؟
مارست المحاماة في مدينة صغيرة في ميسيسيبي طوال عشر سنوات تقريباً، وكان زبائني من العمال والفقراء والضحايا. كانوا أناساً متهمين، فقدوا وظائفهم وتأمينهم، ولكنهم كذلك على الجانب الإجرامي كانوا أناساً متهمين بارتكاب جرائم، وقد شكل ذلك حياتي، لأنني كنت أناضل على الدوام من أجل هؤلاء الناس ضد شيء أكبر. وكانت التجربة القانونية عنصر تشكيل بالنسبة لي.
وما كنت لأقوم بتأليف كتابي الأول لو لم أكن محامياً. ولم أحلم بالكتابة. وعندما كنت أقرأ شتاينبك في المدرسة الثانوية كنت أفكر في أنني سأصبح رياضياً محترفاً. ولم تكن لدي موهبة، وإنما كان لديّ الكثير من الأحلام. ولم يسفر ذلك عن نتيجة، وإنما حدث ذلك في وقت لاحق بعد أن مارست المحاماة عدة سنوات.
عندما تعود بنظرك إلى الوراء نصف قرن من الزمان، فكيف تفكر في أكثر اللحظات حسماً في حياتك وفي أعمالك؟
حسناً، عندما يحسم المرء اختياره باتخاذ توجه معين في حياته، فإنه بعد ذلك سيظل إنساناً مختلفاً. لا أستطيع القول إن هذه اللحظة قد أثرت على ما اخترت كتابته، ولكنها بالتأكيد أثرت في كيفية كتابتي له. وهذا هو السر الكبير الذي لا يدركه الناس في أعمال مثل رواية «الشركة».
إنه كتابك الثاني. أليس كذلك؟
الكتاب الثاني، وكانت أول طبعة تضم خمسين ألف نسخة، هو رقم شديد التواضع. وقد قرأ الناس ذلك الكتاب، وعندما كانوا يفرغون منه كانوا يدركون أن بمقدورهم أن يعطونه لأبنائهم الذين لا يتجاوزون من العمر خمسة عشر عاماً، أو لأمهاتهم اللواتي يوغلن في عامهن الثمانين من دون شعور بالإحراج.
وبسبب ذلك بيعت منه ملايين النسخ. وكتبي نظيفة على نحو استثنائي بمعايير كتب اليوم. وهناك أشياء لا أريد كتابتها، ولا يمكنني كتابتها. لقد كتبت ذات مرة مشهداً جنسياً، وأطلعت زوجتي عليه، فانفجرت ضاحكة.
إنك تتحدث من منطلق التزامك الديني والأخلاقي.
اللغة، المحتوى، اللغة، حتى العنف هو أمر يسهل احتماله. وأنا لا أكتب بطريقة أخرى غير التي أكتب بها، وذلك بسبب التزامي الديني والأخلاقي كيف تفسر الحقيقة القائلة ان الكثيرين من أبناء الجنوب الأميركيين يصبحون رواة قصص جيدين وسياسيين جيدين أيضاً؟
أعتقد أنه في أي وقت يكون لديك موقع جغرافي، أقليم، توجد فيه معاناة كبيرة والكثير من الصراع، فإنه ستكون لديك قصص جيدة. وسيكون لديك كتاب عظام، لأن هناك الكثير من المواد، فأنت تتأمل تاريخ الجنوب الأميركي المفعم بالعذاب والقسوة والحرب والفقر، وكل العنف الموجود في تاريخ الجنوب، ويتيح هذا كله المحال لبروز قصص عظيمة.
تنتمي هذه المقابلة التي أجراها موقع «بيل مويرز جورنال» الالكتروني إلى قلة محدودة من المقابلات التي أجريت مع الروائي الأميركي جون غريشام، الذي عرف بعزوفه عن اللقاءات والمقابلات العامة، وهي تتخذ أهمية استثنائية مع صدور روايته «الشريك» أخيراً، حيث أشار إلى أن عدالة المدن الصغيرة الأميركية تشكل نسيج رواياته، وقال إنه كلما أوغل في الكتابة ازداد إلحاح التفكير في الظلم عليه، وأعرب عن اعتقاده بأن كتبه تعتبر نظيفة بمعايير ما يشهده عالم الكتابة في الولايات المتحدة اليوم. وفيما يلي نص الحوار:
منى مدكور
المؤلف في سطور
نشأ الروائي الأميركي جون غريشام في أركانساس حيث كان يحلم باحتراف لعبة البيسبول، وانتقلت عائلته إلى مسيسيبي في عام 1967، حيث نال درجته في الحقوق من جامعة أولى ميس وعمل بالمحاماة. وفي عام 1983 انتخب نائباً في برلمان الولاية وبقي كذلك حتى عام 1990.
وأتاح له اشتغاله بالمحاماة أن يصنع يده على نسيج هائل مستمد من صراعات الحياة الأميركية، وهو النسيج الذي ألهمه كتبه الاثنين والعشرين، المؤلفة من إحدى وعشرين رواية بالإضافة إلى كتاب «البريء» الذي يدور حول الحكم بالاعدام في الولايات المتحدة.
ومن أبرز رواياته وأكثرها شهرة «وقت للقتل» الصادرة عام 1988 و«الشركة» الصادرة عام 1991، وقد كتب بنفسه سيناريو فيلمين اقتبسا عن رواياته هما «ميكي» و«رجل الزنجبيل». وأحدث رواياته هي «الشريك» التي يعتبرها البعض بمثابة جزء ثان لروايته «الشركة».