سعاد الصباح .. تكسر القيود وتخرج من شرنقة الصمت
رغم الانتقادات الكثيرة التي تعرضت لها الشاعرةسعاد الصباح من النقاد ودارسي الشعر ،ورغم ما قيل عنها بأنها ارتدت عباءة نزار قباني
ولم تخرج منها يظل شعرها بدفقاته الابداعية ثورة الأنثى المتأججة على الأعراف والتقاليد الاجتماعية البالية التي تطوق عنق المرأة وتخنقها وتقتل طموحاتها 00 لذلك فإن كسرها لحاجز الصمت وتحريكها للبركان الخامد في داخلها هو خير ما فعلته في قصائدها التي تناولت فيه موضوع الذكورة والأنوثة 00 موضوع الرجل والمرأة في مجتمع يجيّر بأكمله لصالح الرجل 00 وتحارب فيها المرأة خصوصاً عندما تعلن ثورة غضبها على من يقيد حريتها ،ويضع الأغلال بيديها ففي قصيدة لها بعنوان « حق الحياة » تتوضح الصورة جلية واضحة عندما تتحقق حالة استبداد الرجل بالمرأة فهي للتسلية وللشهوة : ويل النساء من الرجال إذا استبدت بالنساء يبغونهن أداة تسلية ،ومسألة اشتهاء ومرواحاً في صيفهم 000 ومدافئاً عبر الشتاء هذا الوعي الاجتماعي الذي تجلى في إبداع الشاعرة كان نتيجة المعايشة الحقيقية لهموم المرأة وأحزانها ، وانكساراتها وتوقها إلى تحقيق عالم أفضل 00. عالم تفرد فيه أجنحتها لتطير مع العصافير بحثاً عن بلاد أكثر دفئاً 00 وحضن لا يغدر بها في سبيل شهوات قادمة0 ولأنها الأنثى الثائرة في أعماقها تخاطب الرجل ، وتؤكد له أنّ هدوء الأنثى لا يعنى الرضوخ 00 بل هو هدوء ما قبل العاصفة 00 لأنّ المرأة قادرة على تمزيق أقنعة الصمت وتبديد ظلام الليل: يا صديقي لا يغرنّك هدوئي فلقد يولد الإعصار من تحت قناعي إنني مثل البحيرات صفاء وأنا النار بعصفي واندلاعي وهي رغم كل هذه الثورة الغاضبة تعرف ما يسببه الفراق في داخل الأنثى من أحزان 00 فهي مقهورة عبر التاريخ ، ومجروحة ، ومشروخة وكثيرة هي تصرفات الرجال التي تجرح كبرياءها فيكون الافتراق بصمت و الشوق بصمت والدموع أيضاً بصمت : وافترقنا ، وأنا أدمن في الصمت نزوعي وأداري حرّ أشواقي وأنّات ولوعي وأداري نار وجدي ، خلف جسر من دموعي بعد أن حطم كبري ، طول صبري وخضوعي وإذا القلب كعصفور جريح في الضلوع وكأن قدر المرأة أن تصبر ..
أن تتوجع .. أن تبكي بعد أن يسدل الليل ستائر ظلمته ... أن تعيش من أجل الرجل الذي يتنقل من عش إلى عش أكثر دفئاً غير عابئ بأحاسيس المرأة التي ارتبطت معه بحبلها السري لذلك تتدفق الأسئلة في شعرها 00 الأسئلة الحائرة 00 الباحثة عن جواب ولو كان ضبابياً أو غائماً ، لأنها تحلم أن تمسك بخيوط الضوء التي توصلها إلى فسحة النهار 00 وهذه الأسئلة تؤرقها 00 بل كثيراً ما تكون أسئلة طفولية فيها من السذاجة والبساطة الكثير: طالما طرحت على نفسي أسئلة طفولية لا جواب لها : هل أنا حبيبتك هل أنا أمك هل أنا مليكتك أم أنا مملوكتك هل أنا أنا ؟ هل أنا أنت ؟! لكنها تصل في النهاية إلى سؤال محير تعيش مدّه وجزره في داخلها 00 سؤال تختلط فيه الإجابات ، وتضيع فيه الحقيقة ما بين الواقع والحلم : هل أنا أنا ؟ أم أنا أنت؟! وهي تعترف أحياناً بتصرفات المرأة التي تصل حد الجنون ، والحماقات التي تصل أيضاً إلى حدالجنون ، وتطرف أفكارها التي تغضب الرجل ، لكنها تعود لتؤكد للرجل الذي يبحث دائماً عن واحة ظليلة يلجأ إليها لتقول له من الذي يغضب من تطرف الورد 00 لأنّ الورد لا يمكن أن يخبئ شذاه ولا عطره ولا جماله عن أحد : ما لجنوني أبداً حدود ولا لعقلي أبداً حدود ولا حماقاتي على كثرتها تحدها حدود يا رجلاً يغضبه تطرفي من الذي يغضب من تطرّف الورود وتعود من جديد إلى نقد الرجل الذي يدعي الحداثة والمعاصرة لكن ما إن يوضع أمام مشكلة حتى نكتشف أنه لم يبارح خيمته : مشكلتك الكبرى إنك رغم كلامك عن الحداثة لست حديثاً ورغم كلامك عن المعاصرة لست معاصراً ورغم كثرة أسفارك فإنك لم تبارح خيمتك هذه النهايات المكثفة التي تختم بها سعاد الصباح مقطوعاتها الشعرية تجعل المتلقي في حالة تفاعل مع الحالة الإبداعية للشاعرة التي تحاول دائماً أن تصل إلى هدفها بأقصر الطرق الممكنة لكن بحزمة جميلة من أحاسيس المرأة الدافئة التي رغم ثورتها وبراكينها لا تستطيع إلا أن تكون وردة تتفتح في حدائق الرجل آلاف المرات دون أن تموت 0
نجاح حلاس
* نقلا عن العروبــة السوريــة