- أنا رئيس القافلة ـ قال رجل ذو لحية طويلة وعينين سوداوين ـ وإن حياة أو موت هؤلاء الذين أقودهم منوط بي، لأن الصحراء امرأة متقلّبة الأهواء، فهي تجعل الرجال مجانين أحياناً.
كانت القافلة تضم مايقارب المائتي شخصاً، وكثيراً من الحيوانات: جمالاً، خيولاً، بغالاً، وطيوراً. وإلى جانب الرجال الذين كان بعضهم يحمل سيفاً في حزامه، أو بندقية على كتفه كان هناك نسوة وأطفال، كان في حوزة الأنكليزي عدة حقائب سفر، مليئة بالكتبة، جلبة كبيرة كانت تهيمن على الساحة، وقد توجب على الرئيس أن يكرر خطابه عدة مرات كي يفهمه الجميع.
- يوجد هنا أنواع مختلفة من الناس، في قلوبهم مختلف أنواع الآلهة، أما أنا فإلهي الوحيد هو الله، وأقسم بالله أنني سأفعل مابوسعي، وسأبذل قصارى جهدي كي أقهر الصحراء ثانية، لكنني أريد أن يقسم كل منكم بالإله الذي يؤمن به من أعماق قلبه، بأن يمتثل لقيادتي في كل الظروف، لأن التمرّد في الصحراء يعني الموت.
ارتفع ضجيج يصمّ الآذان من الحشد الذي أخذ كل فرد من أفراده يقسم متخذاً إلهه شاهداً لقسمه.

أقسم الشاب بالسيد المسيح، أما الإنكليزي فقد احتفظ بصمته، وقد استمرت التمتمة وقتاً يتجاوز أداء القسم، فقد كان الناس يرجون عناية السماء أيضاً.
انطلق رنين بوق يؤذن بالانطلاق، وامتطى كل واحد سرج دابته. الإنكليزي والشاب كانا قد اشتريا جملين، وواجها صعوبة بارتقاء ظهري مطيتيهما، وقد عبّر الشاب عن شفقته على مطية الانكليزي المحمّلة بأكياس ثقيلة مليئة بالكتب.
- ليس هناك مصادفات ـ قال الانكليزي محاولاً متابعة المحادثة التي بدأت في المرفأ ـ إنه واحد من أصدقائي من دفعي إلى المجيء إلى هناك لأنه كان يعرف عربياً يـ ...
لكن القافلة انطلقت وصار من المستحيل أن يسمع ماكان يرويه، لكن الشاب فهم في الحال ماكان يرمي إليه، فهذه السلسلة الغامضة التي تربط شيئاً بآخر والتي قادته ليصبح راعياً، وأن يحلم مرات عديدة بالحلم نفسه، وإلى تواجده في مدينة قريبة من إفريقية، وأن يلتقي ملكاً في ساحة، وليُسرق، وليتعّرف على تاجر الزجاجيّات و ...
- كلّما اقتربنا من تحقيق أحلامنا ، أصبحت الأسطورة الشخصيّة دافعاً حقيقياً للحياة ـ استنتج الشاب محدّثاً نفسه.
اتّخذت القافلة في سيرها وجهة المشرق، فكانوا يجدّون في المسير في الصباح ويتوقفون للإستراحة عندما تصبح الشمس حارقة ، ثم يواصلون السفر عندما تبدأ بالانخفاض، لم يكن الشاب يتكلّم كثيراً مع الانكليزي، الذي كان يمضي معظم وقته غارقاً في كتبه.
بدأ يرقب بصمت مسير الحيوانات والناس عبر الصحراء، حيث صار كل شيء مختلفاً عما كان عليه يوم الانطلاق، ففي ذلك اليوم عمّت الفوضى، وعلا الصراخ، وبكاء الاطفال، وحمحمة الدواب، وفي وسط هذه المعمعة كان هناك أوامر الادلاء والتجار اللجوجة.
أما في الصحراء، فلم يكن هناك سوى الريح الأزليّة، والصمت الذي لا يبدده إلا وقع حوافر الدواب، حتى الأدلاء لم يتحدّثوا فيما بينهم إطلاقاً.
- لقد اجتزت مرات عديدة امتدادات من الرمال كهذه ـ قال أحد الجمّالة ذات مساء ـ لكن الصحراء واسعة والآفاق بعيدة بحيث يشعر الإنسان بأنه صغير جداً أمامها، ويُجبر على أن يلوذ بالصمت.
فهم الشاب ماكان يريد الجمّال قوله على الرغم من أنه لم يكن قد طرق الصحراء من قبل، ولكن في كل مرة كان ينظر فيها إلى البحر أو النار ، كان بمقدوره أن يقضي ساعات عديدة دون أن ينطق بكلمة، غارقاً في قلب البعد الهائل والقدرة العجيبة لهذه العناصر.
- لقد تتلمذت من معاشرة أغنامي، وتعلّمت وأنا أبيع الزجاجيّات، أستطيع أيضاً أن أتعلم من الصحراء، فهي تبدو لي أكثر شيخوخة وأكثر حكمة.
كانت الريح نفسها في " طريفه " عندما كان جالساً على الأسوار، ربما تداعب هذه الريح صوف نعاجه الآن، وهي تطوف أرياف الأندلس سعياً وراء الماء والكلأ.
- لم تعد أغنامي ـ قال لنفسه دون أن يشعر بحنين حقيقي إلى مسقط رأسه ـ ولعلّها تعودت على راعٍ آخر ونسيتني بالتأكيد، فالوضع أفضل فكذا، فمن اعتاد على الترحال، كالأغنام يعرف أنه لا بد أن يأتي وقت يكون فيه الرحيل أمراً لامفر منه.
تذكّر من ذلك ابنة التاجر، وشعر كأنه متأكد من انها قد تزوجت، ربما من بائع بوشار، أو من راع يجيد القراءة، يقص عليها عجائب الحكايات فهو ليس الوحيد الذي يستطيع أن يفعل ذلك، لكن هنا الاحساس الباطني ولّد عنده شيئاً من الاضطراب: هل كان يتعلّم بدوره هذه اللغة الكونية الشهيرة التي تعرف ماضي وحاضر الناس قاطبة؟ إنها هواجس ـ كانت أمه تقول ذلك باستمرار.
وقد بدأ يدرك أن هذه الأحاسيس عبارة عن غطسات سريعة للروح في التيار الكوني للحياة، والذي في رحمه تاريخ كل الناس مُتحِد بتاريخ واحد : بطريقة نتمكّن معها أن نعرف كل شيء، لأن كل شيء مكتوب.
- " مكتوب " ـ قال وهو يفكّر بتاجر الزجاجيّات.
كانت الصحراء من رمل ومن حجارة، فلمّا كانت القافلة تصل أما حجر كبير كانت تلف حولها، وإن كانت كتلة صخرية فإنها كانت ترسم لتجاوزها منعطفاً واسعاً، وعندما يكون الرمل ناعماً جداً بالنسبة لخف الجمال، فقد كانوا يبحثون عن ممر يكون فيه الرمل أكثر مقاومة، وأحياناً تكون الأرض مغطاة بالملح وذلك في موقع بحيرة قديمة، وعندما كانت الحيوانات تعاني من التعب، كان الجمّالة ينزلون الأحمال عن ظهورها ويساعدونها بحمل الامتعة على ظهورهم، وهكذا كانوا يعبون المرر الصعب، ثم يعيدون تلك الأمتعة من جديد إلى ظهور الدواب، وإذا مرض أو مات أحد الأدلاّء، فإنهم كانوا يقترعون ليختاروا بديلاً عنه.
لم يكن لكل هذا إلا سبب واحد: فقيام القافلة بكل هذه الأنعطافات لا يهم كثيراً ، طالما أن القافلة تيمم شطر هدف واحد.
وبعد أن تغلّبت على كل العقبات لمحت أماها النجم الذي كانت تهتدي به إلى الوجهة التي توجد فيها الواحة، وعندما رأى الناس أمامهم عند الفجر بريق هذا النجم في السماء أدركوا أنه يدلّهم على مكان فيه الماء والنساء والنخيل والتمر.
كان الانكليزي الشخص الوحيد الذي لم يلاحظ البتة شيئاً من كل هذا، لقد كان منهمكاً بقراءة كتبه.
والشاب أيضاً كان معه كتاب، وقد حاول قراءته منذ الأيام الأولى من السفر ولكنه وجد في مراقبة القافلة والاصغاء إلى الريح أمراً أهم من القراءة بكثير.
فمنذ أن تآلف مع جمله، وتعلّق به، ألقى كتابه، واستراح من عبئه، ومع ذلك فإنه في كل مرة كان يفتح فيها هذا الكتاب كان يتخيّل أنه سيلقى أحداً ذا أهميّة.
صداقة وثيقة قامت بينه وبين الجمّال الذي كان يتواجد باستمرار إلى جانبه، وعند استراحة المساء، أثناء السهرة حول النار، كان يروي له مغامراته عندما كان راعياً.
وخلال إحدى تلك المحادثات، أخذ الجمّال يحدّثه أيضاً عن حياته، وقال له:
- كنت أسكن في بلدةٍ قرب القاهرة، كان لدي بستاني، وأطفالي، وحياة من الممكن ألا تتغير حتى مماتي، وفي إحدى السنوات أعطى البستان محصولاً أفضل بكثير من المعتاد، فسافرنا جميعاً إلى مكة لأداء الفرض الوحيد الذي لم أكن قد أديته حتى ذلك الحين، فأحسست بعد ذلك بالطمأنينة والراحة، وباستعدادي للقاء الموت بسلام. وفي يوم من الأيام أخذت الأرض تهتز، وأخذ نهر النيل الفائض يخرج من مجراه، والذي كنت أعتقد أنه لن يحصل إلا للآخرين، حصل لي أيضاً، خاف جيراني من فقد بساتين الزيتون بسبب الفيضان، وخافت زوجتي أن ترى الأطفال يغرقون، وخفت أنا من رؤية ماقد جنيته طيلة عمري ينهار.
وبعد لحظة تابع:
- لم يكن في اليد حيلة، ولم يكن هناك مايمكن الحصول عليه من الأرض، فصرت مضطراً لإيجاد وسيلة أخرى للعيش، فها أنذا اليوم جمّال. لكنني تمكّنت أن استجيب لكلام الله، يجب على الانسان ألا يخاف من المجهول، لأن كل انساء قادر على اكتساب مايريد، وماهو ضروري له. فكل مانخشاه هو أن نخسر مانملك، سواء مايتعلّق بحياتنا أو بزروعنا، لكن هذا الخوف يتلاشي عندما نفهم ان صيرورتنا وصيرورة العالم قد خطّتها يد واحدة .


× × ×


كانت القوافل تتلاقى في محطة المساء، لدى كل واحدة مايلزم للأخرى، كم لو أن كل شيء كان فعلاً قد كتب بيد واحدة.
كان الجمّالة يتبادلون المعلومات عن العواصف الرملية، ويجتمعون حول المواقد ليسردوا حكايات الصحراء، وفي أوقات أخرى يزورهم رجال مثلثّمون، كانوا من البدو الذين يراقبون الطريق التي تسلكها القوافل، ويقدّمون المعلومات عن قطّاع الطرق أو عن القبائل المتمردة، يصلون بصمت، ويرحلون بصمت ملفحين بجلابياتهم ذات اللون القاتم، ومثلثّمين بطريقة لا تظهر منها إلا عيونهم.
وفي إحدى السهرات التي عقدت حول النار، انضم الجمّال إلى الشاب والانكليزي اللذين كانا يجلسان قرب النار، فقال الجمّال:
- تنتشر إشاعات بأن حرباً ستقوم بين القبائل.
ظل الرجال الثلاثة صامتين، لاحظ الشاب الأسباني أن نوعاً من الخوف الغامض يسري بينهم، علماً بأن أحداً منهم لم يتفوه بكلمة، لمرة أخرى ميّز لغة دون كلمات، إنها اللغة الكونية.
بعد فترة من الوقت سأل الانكليزي إن كان هناك ثمّة خطر.
أجاب الجمّال:
- إن من يتوغل في الصحراء لايستطيع العودة على اعقابه، وعندما لانستطيع الرجوع إلى الخلف، فلن يكون أمامنا سوى التفكير بالطريقة الأفضل للمضي إلى الأمام، والباقي على الله، بما في ذلك الخطر.
وختم قوله وهو يلفظ هذه الكلمة الغامضة : " مكتوب " !
- عليك أن تعطي انتباهك أكثر إلى القوافل ـ قال الشاب للانكليزي بعد رحيل الجمّال ـ فهي تلف وتدور كثيراً، لكنها تتوجه دائماً نحو النقطة نفسها.
- وأنت عليكَ أن تقرأ أكثر عن العالَم ـ علّق الانكليزي ـ فالكتب هي تماماً كالقوافل.
ذلك الرتل الكبير من الرجال والحيوانات، أخذ مذ ذلك الحين يتقدّم متسارعاً أكثر، لم يعد الصمت يخيّم في النهار وحسب، وإنما بدأ يحل شيئاً فشيئاً في المساء أيضاً، حتى في اللحظة التي اعتاد فيها الناس على الثرثرة وهم مجتمعون حول النار، كما أن رئيس القافلة قرر ذات يوم عدم إشعال النار ليلاً كي لايلفتوا الانتباه، صار المسافرون عندئذٍ ينامون ضمن حلقة مكوّنة من الحيوانات كي يحموا أنفسهم من برد الليل.
كذلك عيّن الرئيس خفراء مسلّحين لحماية المخيّم.
وفي إحدى الليالي، لم يستطع الانكليزي النوم، فذهب إلى الشاب الأسباني يثم تمشيا معاً بين الكثبان القريبة، كان القمر بدراً وروى الشاب للإنكليزي كل شيء عن حياته، بدا الانكليزي مهتماً بشكل خاص لما رواه الشاب عن فترة عمله في متجر الزجاجيّات الذي ازدهر يوماً عن يوم منذ أن بدأ الشاب يعمل به.
- هنا يكمن المبدأ الذي يؤثر في كل شي ـ قال ، هذا مايسمّونه في الخيمياء بـ " النفس الكليّة "، فعندما تمتلك الرغبة في شيء ما بكلّ جوارحنا نكون أكثر قرباً من النفس الكلّية، إنها لقوة إيجابيّة دائماً.
ثم قال أيضاً بأن هذا ليس من امتيازات البشر فقط: فكل ماهو موجود على سطح الأرض له روح أيضاً سواء كان معدناً ، او نباتاً ، أو حيواناً ، أو فكرة.
وكل ماهو موجود تحت أو فوق سطح الأرض لا يتوقف عن التحوّل، لأن الأرض كائن حي ولها روح، ونحن جزء من هذه الروح التي نادراً ماندرك أنها تعمل في مصلحتنا، وحتى في متجر الزجاجيّات عليك أن تعلم أن المزهريات نفسها كانت تتعاون لمساعدتك على النجاح.
احتفظ الشاب بالصمت لبعض الوقت متأملاً القمر والرمل الأبيض، ثم قال أخيراً :
- من خلال مراقبتي للقافلة التي كانت تسير عبر الصحراء، أدركت أنها هي والصحراء تتكلّمان اللغة نفسها، ولهذا السبب سمحت لها بعبورها، ولم تتوقف الصحراء عن مراقبة كل خطوة من خطواتها لتتحقق إن كانت على ائتلاف كامل معها، وإن كان الأمر كذلك، فإن القافلة ستصل حتى الواحة، ولو أن الواحد منا وعلى الرغم من الشجاعة التي يملكها، لم يفهم هذه اللغة لهلك من اليوم الأول.
ثم تابعا معاً مراقبة القمر الوضّاء.
- هذا هو سحر العلامات ـ أردف الشاب ـ لقد رأيت كيف يقرأ الأدلاّء علامات الصحراء، وكيف أن روح القافلة تتحاور مع روح الصحراء.
وبعد فترة وجيرة من الزمن جاء دور الانكليزي في الحديث، فقال:
- عليّ في الواقع أن أمنح القافلة انتباهاً أكثر.
فأردف الشاب:
- وأنا عليّ أن أقرأ كتبك.

× × ×


كانت كتباً غريبة فعلاً ، إذ أنها تتحدث عن الزئبق، عن الملح، عن التنبؤات، عن الملوك، لكنه لم يكن ليفهم منها شيئاً على الاطلاق، مع ذلك كانت هناك فكرة تُذكر دوماً في كل الكتب تقريباً، وهي أن الاشياء كلها ليست إلا تجليّات لشيء واحد وفريد.
واكتشف في أحد الكتب أن النص الأكثر أهمية هو عن الخيمياء ويشتمل على بضعة أسطر فقط، وكانت مكتوبة على زمرّدة بسيطة.
- هذا هو لوح الزمرّد ـ قال له الانكليزي بكل فخر، فقد استطاع أن يعلّم رفيقه شيئاً.
- ولكن لماذا هذا العدد الكبير من الكتب؟
- لكي أتمكّن من فهم هذه السطور القلائل ـ اجاب الانكليزي دون أن يكون هو نفسه مقتنعاً تماماً بهذا الجواب.
أما الكاتب الذي أثار اهتمام الشاب أكثر من بقيّة الكتب كلها، فقد كان يروي تاريخ مشاهير الخيميائيين، لقد كانوا رجالاً نذروا حياتهم كلها في تنقية المعادن في مختبراتهم. وكانوا يعتقدون بأنه لدى تسخين معدن ما لسنوات وسنوات، فإنه يتحرر من كل خواصه النوعيّة، فعندئذٍ لن يبقى في مكانه إلا النفس الكليّة، وهذا الشيء الفريد سيمكّن الكيميائيين من فهم كل مايوجد على الأرض، لأنه اللغة التي بفضلها كانت الأشياء تتواصل مع بعضها بعضاً، هذا هو الاكتشاف الذي سمّوه بـ
" الانجاز العظيم " والذي يتآلف من جزء سائل وجزء صلب.
سأل الشاب:
- ألا تكفي مراقبة البشر والعلامات لاكتشاف هذه اللغة؟
أجاب الانكليزي بانزعاج:
- لديك هوَس مفرط في تبسيط الأشياء، فالخيمياء عمل جاد ودؤوب، ومن المحتّم متابعة كل طور من السيرورة كما علّمها المعلّمون.
اكتشف الشاب أن الجزء السائل من الانجاز العظيم هو المادة التي كانت تدعى " إكسير الحياة المديد "، وهذا الإكسير لم يكن يشفي الأمراض فحسب، بل يحمي الخيميائي من الشيخوخة أيضاً. أما الجزء الصلب فهو ماكان يُدعى " حجر الفلاسفة " .
قال الانكليزي:
- ليس من السهل أبداً اكتشاف " حجر الفلاسفة "، فالخيميائيون كانوا يمضون سنوات عديدة في مختبراتهم لمراقبة النار التي تنقّي المعادن، وطوال مراقبتهم للنار، كانوا يتخلّصون من ضمائرهم شيئاً فشيئاً من كل أباطيل العالم، إلى أن لاحظوا ذات يوم أن تنقية المعادة كانت تطهّر نفوسهم أيضاً.
تذكّر الشاب حينذاك بائع الزجاجيّات الذي قال أن عليهما تنظيف أوانيهما الزجاجيّة لأنهما سيجدان نفسيهما أيضاً قد تخلّصا من الأفكار السيئة، ولقد اقتنع أكثر فأكثر بأنه يمكن تعلّم الخيمياء في الحياة اليومية أيضاً.
- بالإضافة إلى ذلك ـ تابع الانكليزي ـ فإن حجر الفلاسفة يمتلك خاصيّة خارقة للمألوف تماماً، فيكفي جزء صغير منها لتحويل كميّات كبيرة من معدنٍ بخس إلى ذهب.
انطلاقاً من هذا، فإن اهتمام الشاب بالخيمياء صار أكبر بكثير، فقد فكّر بأنه بقليل من الصبر سوف يستطيع تحويل كل شي إلى ذهب.
لقد قرأ سير الحياة لشخصيات مختلفة، كانوا قد وفقوا إلى ذلك، هيلفيتيوس، إيلي، فولكانولي، جابر، وكانت سيرهم جذّابة، فكلّهم عاشوا أساطيرهم الشخصية حتى النهاية، كانوا يسافرون، يتلقون العلماء ويصنعون المعجزات على مرأى من عيون المشككين، وكانوا يملكون حجر الفلاسفة وإكسير الحياة المديدة.
لكنه عندما كان يريد أن يتعلّم بدوره كيفية استخلاص هذا الانجاز العظيم، فقد كان يجد نفسه محتاراً، فلم يكن يجد في تلك الكتب إلا رسوماً، وتعليمات مرمّزة ونصوص غامضة.
- لماذا يستعملون لغة يصعب فهمها جداً ؟ سأل الانكليزي ذات مساء.
بالاضافة إلى ذلك لاحظ ـ وفي هذه المناسبة ـ أن الانكليزي لم يكن صافي المزاج، كما لو انه كان يفتقد كتبه.
- كي لايكون هذا مفهوماً إلا من قِبل هؤلاء القلّة الذين لديهم المسؤولية الكافية للقدرة على الفهم _ أجابه _ تصوّر لو أن كل الناس أخذوا يحوّلون الرصاص إلى ذهب، عندئذٍ وخلال زمن قصير جداً، فإن الذهب سيفقد قيمته ولن يساوي شيئاً أبداً. وحدهم فقط أصحاب العقول العنيدة من الباحثين المثابرين هم الذين يتوصلّون إلى الإنجاز العظيم. هذا هو سبب وجودي في وسط الصحراء، وبالتحديد كي ألتقي خيميائياً حقيقياً يعينني على فك الرموز.
سأل الشاب:
- في أي وقت كُتبت هذه الكتب؟
- منذ عدة قرون، زفي ذلك الزمن لم تكن المطبعة قد اختُرعت بعد، فلم يكن يتسنّى لكل الناس التوصّل إلى معرفة الخيمياء.
- لماذا إذن هذه اللغة الغريبة؟ وكل هذه الرسوم والأشكال؟
على الرغم من هذا الإلحاح، فإن الانكليزي لم يجب على هذا السؤال، بل اكتفى بأنه قال أنه منذ عدة أيام يراقب القافلة دون أن يكتشف شيئاً جديداً، وأنه لم يلاحظ إلا شيئاً واحداً، إنهم يتحدّثون أكثر فأكثر عن الحرب.


× × ×


أعاد الشاب الكتب إلى الانكليزي ذات يوم.
- حسن، هل تعلّمت الكثير؟ ـ سأل الانكليزي بفضول لجوج، فقد كان بحاجة إلى من يثرثر معه لينسى الخوف من الحرب.
- تعلّمت أن للعالم روحاً، وأن من يستطيع إدراك هذه الروح سيكون مقدوره إدراك لغة الأشياء، علمت أن خيميائيين عديدين قد عاشوا أساطيرهم الشخصية، وتوصلوا إلى اكتشاف النفس الكليّة وحجر الفلاسفة وإكسير الحياة المديدة. لكنني تعلّمت على الأخص أن هذه الأشياء على درجة من البساطة بحيث يمكن أن تُنقش على زمرّدة.
شعر الانكليزي بالخيبة لدى رؤيته أن حصيلة سنوات الدراسة والرمزو الغامضة، والكلمات المتعذّرة الفهم، وأجهزة المختبرات، لاشيء من كل هذا قد جذب انتباه الشاب.
- لابد أن نفسه فظّة وغير مصقولة لتحسس هذه الأشياء ـ قال في نفسه، ثم تناول كتبه وأعادها إلى الأكياس المعلّقة بسرج الجمل.
- عد إلى قافلتك، هي أيضاً لم تعلّمني شيئاً يُذكر.
عاد الشاب إلى تأمّل اتساع الصحراء الصامت والرمال التي تثيرها الحيوانات في سيرها.


- لكل طريقته في التعلّم ـ كرر الشاب في سرّه ـ فنهجه ليس نهجي، ونهجي ليس نهجه، ولكن كل واحد منا يسعى وراء اسطورته الشخصية، ولهذا فإنني احترمه.
صارت القافلة تسير ليلاً نهاراً، وفي كل لحظة كان يظهر لهم الرسل ذوو الوجوه الملثّمة، والجمّال الذي غدا صديقاً للشاب، نبأ بأن الحرب بين القبائل قد شبّت، وانهم سيكونون محظوظين لو نجحوا في الوصول إلى الواحة، فلقد أنهكت الحيوانات، والناس سادهم الصمت أكثر فاكثر، وأصبح رغاء جمل ما يخيف كل الناس، والذي لم يكن سابقاً سوى جمل يرغي، لعلّ في ذلك مؤشر لبدى هجومٍ ما ؟
ومع ذلك فإن الجمّال، لايبدو مضطرباً جداً من خطر اندلاع الحرب.
- أنا حي ـ قال الشاب وهو يلتهم حفنة من البلح في ليلة غاب فيها القمر وخمدت النار.
- عندما آكل فإنني لا أفعل شيئاً آخر سوى الأكل، وعندما أمشي، فإنني أمشي، هذا كل شيء، وإذا اضطررت يوماً للقتال، فكل الأيام تتساوى عند الموت، فأنا لا أحيا في ماضيَّ ولا في مستقبلي، فليس لي سوى الحاضر لأعيشه، وهو وحده الذي يهمّني، وإن كنت تستطيع ان تعيش الحاضر دوماً، فأنتَ إذاً رجل سعيد. ستدرك أن في الصحراء حياة، وفي السماء نجوم، وأن المتقاتلين يتحاربون لأن هذا جزءٌ من الحياة الإنسانية، والحياة ستصبح عندئذٍ احتفالاً كبيراً لأنها تمثّل دائماً اللحظة التي تعيشها فقط.
بعد انتقضاء ليلتين، وبينما كان الشاب على وشك النوم، نظر الفتى إلى السماء، نحو النجم الذي كان يرشدهم إلى وجهة سيرهم، تراءى له أن الأفق أكثر انخفاضاً بقليل من المعهود، لأن مئات النجوم كانت تعلو الصحراء.
- إنها الواحة ـ قال له الجمّال .
- لماذا إذن لانذهب إليها حالاً ؟
- لأننا بحاجة للنوم.


× × ×




فتح عينيه عندما كانت الشمس تنبثق من الأفق وأمامه، هناك حيث كانت النجوم الصغيرة تتلألأ في الليل، كان يمتد صف لانهاية له من أشجار النخيل ويحتلّ كل اتساع الصحراء.
- وصلنا إليها ـ هتف الانكليزي الذي أفاق لتوّه فرحاً.
ظلّ الشاب صامتاً، فقد تعلّم الصمت من الصحراء، واكتفى بمشاهدة أشجار النخيل تنتصب أمامه، كان مايزال عليه أن يقطع درباً طويلة كي يصل إلى الأهرامات، وفي يوم ما لن يكون هذا الصباح سوى ذكرى، أما الآن، إنها لحظة الحاضر، العيد الذي تكلّم الجمّال عنه، وكان يحاول أن يعيش هذه اللخظة مع العِبر التي استقاها من ماضيه، والأحلام التي يرسمها من أجل مستقبله، ويوماً ما لن تكون رؤية هذه الآلاف من أشجار النخيل سوى ذكرى، لكنها الآن تعني بالنسبة إليه الظل والماء وملاذاً من الحرب.
بالطريقة نفسها التي يبدو فيها جمل يرغي علامة للخطر، والشيء نفسه عندما يمكن لصف من أشجار النخيل أن يمثّل معجزة.
- العالم يتكلّم بأكثر من لغة ـ قال لنفسه.


× × ×


عندما يتسارع مرور الزمن، فإن القوافل أيضاً تَغُذّ بالمسير ـ فكّر الخيميائي وهو يرى مئات الأشخاص والحيوانات يصلون إلى الواحة، وسكّانها الذين يندفعون للقاء القادمين الجدد، والغبار المتصاعد الذي كان يحجب شمس الصحراء والأطفال يقفزون مبتهجين لدى رؤية الغرباء.
لاحظ الخيميائي أن شيوخ القبائل كانوا يتجمّعون من أجل لقاء رئيس القافلة، وان اجتماعهم معه قد طال، لكن هذا لم يثر اهتمامه بشيء، لقد استطاع أن يرى من قبل الكثير من الناس يصلون ويرحلون، ومع ذلك كانت الواحة والصحراء ثابتتين لا تتغيران، كان قد رأي ملوكاً، ومتسوّلين يجوبون هذه المساحات المديدة والرمال التي يتغير شكلها بفعل الرياح، لكنها كانت هي نفسها تلك التي عرفها مذ كان صغيراً، وعلى الرغم من ذلك فإنه لم يكن يستطيع أن يخمد في أعماق قلبه شيئاً من ذلك الحبور الذي يشعر به كل مسافر، وذلك عندما رأى اخضرار النخيل يحلّ محلّ صفرة الأرض وزرقة السماء.
- ربما قد خلق الله الصحراء كي يبتهج الإنسان عند مشهد أشجار النخيل ـ فكّر ـ عزم إذن أن يفكّر بمسائل أكثر عملية، كان يعلم أن مع هذه القافلة سيصل الانسان الذي يتوجب عليه أن يعلّمه جزءاً من أسراره، أخبرته العلامات بذلك. لم يكن يعرف بعد هذا الإنسان، لكن عينيه الخبيرتين ستتعرفان عليه لمجرّد رؤيته، كان يأمل أن يكون موهوباً كتلميذه السابق.
- لستُ أدري لماذا ينبغي لهذه الأشياء ألا تُنقل إلا بالسر فقط ـ فّكر الخيميائي ـ هذا ليس إلا لأن الأمر يعني تماماً أسراراً حقيقية، فالله قد كشف أسراره بحريّة إلى كل المخلوقات.
لم يكن يرى لهذا إلا تفسيراً واحداً، هو أن هذه الأشياء قد توجّب عليها الانتقال بهذه الطريقة، لأنها دون شك قد استخلصت من حياة طاهرة. وأنه من الصعب لهذا النموذج من الحياة أن يُحَدَّ على شكل رسوم أو كلمات، لأن الناس يستسلمون لإغراء الرسوم والكلمات، واخيراً ينسون اللغة الكونية.


× × ×


اقتيد القادمون الجدد في الحال إلى حضرة شيوخ قبائل واحة الفيّوم، لم يكن الفتى ليستطيع أن يصدّق ماتراه عيناه: فبدل أن يرى يئراً محاطة ببعض أشجار النخيل (حسب الوصف الذي كان قد قرأه مرة في أحد كتب التاريخ).
لاحظ أن الواحة أكبر بكثير من العديد من قرى في إسبانية، فهي تحتوي على ثلاثمائة بئراً، وخمسين ألف نخلة، وعدد كبير من الخيام الملوّنة تنتشر بين أشجار النخيل.
- كأننا نعيش حكاية ألف ليلة وليلة ـ قال الانكليزي المستعجل لمقابلة الخيميائي.
وخلال لحظات أُحيطوا بأطفال ينظرون بفضول إلى المطيات والجمال والناس القادمين، كان الرجال يريدون أن يستعلموا عن علامات معركة، والنساء كنَّ يتنازعن على الاقمشة والأحجار الكريمة التي أحضرها الباعة، حينئذٍ بدا صمت الصحراء حلماً بعيداً، فالجيمع يتكلّمون دون انقطاع، يضحكون، ويهزجون ويغنّون بأعلى أصواتهم، وكأنهم خرجوا من عالم الروح، ليجدوا أنفسهم في عالم البشر، كان الناس فرحين وراضين، على الرغم من الحفظّات التي اتُخذت أمس، فإن الجمّال قد شرح للشاب أن الواحات في الصحراء، تُعتبر دائماً أرضاً حياديّة، لأن معظم من يعيش بها هم من الأطفال والنساء، وهناك واحات في هذا الجانب كما في الجانب الآخر، بحيث أن المتحاربين كانوا يذهبون ليتعاركوا وسط رمال الصحراء تاركين الواحات بسلام كأماكن ملاذ.
جمع رئيس القافلة كل أفرادها، ولم يكن هذا ليتم بسهولة، واعلمهم أنهم سيحلّون ضيوفاً لدى سكّان الواحات الذين سيستقبلونهم في خيامهم وسيقدّمون لهم صدر المكان طالما أن الحرب قائمة بين العشائر، فهذا هو قانون الضيافة التقليدي. ثم طلب من الجميع بما فيهم حرّاسه، بتسليم أسلحتهم إلى الرجال الذي عيّنهم رؤساء العشائر.
- هذه هي قواعد الحرب ـ وضّح ـ فالواحة لايمكن أن تكون ملاذاً للمتحاربين.
ولشدّ ما ذهل الفتى عندكا رأي الانكليزي يخرج من جيبه مسدساً مطلياً بمعدن الكرون ويسلّمه للرجل المكلّف بجمع الأسحلة.
- لماذا تحمل مسدساً؟ سأل الشاب.
- كي يساعدني على الثقة بالناس ـ أجاب الانكليزي الذي كان سعيداً لتوصّله إلى غاية هدفه.
من جهته كان الشاب يحلم بكنزه، وكلّما اقترب منه أكثر بدت الأمور تبدو أكثر صعوبة، ولم يعد يتجلى ماسماء الملك العجوز " بحظ المبتدئ "، والآن كان يعرف ذلك، يبدأ البرهان على الإصرار والشجاعة لمن يبحث عن أسطورته الشخصية، كما أن عليه ألا يُظهر أي تعجّل أو نفوذ صبر، كل لا يجازف بعدم رؤية العلامات التي وضعها الله في طريقه.
- إن الله من وضعها في دربي ـ فكّر مندهشاً، فهو نفسه حتى الآن يعتبر العلامات كشيء ينتمي إلى العالم، شيء ما كالأكل، أو النوم، كالرحيل بحثاً عن الحب أو عن العمل، لكنه لم يخطر بباله أبداً، أن يكون لغة يخاطب الله بها عبده ليرشده إلى ماعليه أن يفعل.
- لاتكن لجوجاً ـ كرّر في ذهنه ـ ومثلما قال الجمّال: " كل عندما يحين وقت الطعام، وسِر عندما تزف ساعة السير ".
في اليوم الأول كان الجميع نائمين تحت تأثير التعب، بما فيهم الإنكليزي، ألفى الشاب نفسه بعيداً في خيمة يشعلها خمسة فتيان آخرين من أقرانه.
كانوا من سكان الصحراء، ويتوقون إلى سماع قصص عن المدن الكبرى، تحدّث الشاب عن حياته كراع، وكان أن يأتي على ذكر تجربته في مخزن الزجاجيّات عندما تخل الانكليزي وقطع عليه ذلك.
- لقد بحثتُ عنك طوال فترة الصيف ـ قال الانكليزي وهو يصحب رفيقه إلى الخارج ـ يجب أن تساعدني على معرفة أين يسكن الخيميائي.
حاولا إيجاده بوسائلهما الخاصة، فلابد للخيميائي أن يعيش بنمط مختلف عن باقي سكان الواحة، ومن المُحتمل كثيراً وجود فرن مشتعل على الدوام في خيمته، وبعد طول مسير، انتهيا إلى إدراك شيء واضح وهو أن الواحة أكثر اتساعاً مما كانا يتصوّران، وأن فيها مئات ومئات من الخيام.
- لقد أضعنا نهاراً كاملاً ـ قال الانكليزي، وهو يجلس مع رفيقه قرب أحد آبار الواحة.
- ربما كان من الأفضل لو سألنا عنه ـ قال الشاب.

- لم يكن الانكليزي يرغب في أن يفصح عن سبب وجوده في الفيّوم، وبدا متردداً، لكنه وافق في النهاية وطلب من الشاب الذي يفوقه في تكلّم العربية، أن يأخذ الأمر على عاتقه.
تقدّم الشاب عندئذٍ من امرأة وصلت لتوّها كي تملأ قربتها ماءً وسألها:
- مساء الخير ياسيّدتي ! أودُّ لو أعرف أين يقيم خيميائي يعيش في هذه الواحة.