أجابت المرأة بأنها لم تسمع على الاطلاق أحداً أتى على ذكره. لكنها قبل أن ترحل نبّهت الشاب إلى عدم حقه في التوجه بالحديث إلى نساء يتّشحن بالسواد، لأنهن نساء متزوّجات، وهذا من التقاليد التي يجب احترامها، ثم انصرفت في الحال.



أحس الانكليزي بخيبة أمل حادة، هكذا يكون قد قام بكل هذه الرحلة من أجل لاشيء ! رفيقه أحس بالأسف أيضاً، فالانكليزي مثله كان يجري وراء اسطورته الشخصية، وعندما يكون المرء في هذا الصدد، فإن العالم بأسره يتضافر ليجعله يحصل على مبتغاه، هكذا كان قد قال الملك العجوز، ولايمكن له أن يُخطئ.


- لم أكن قد سمعت قط أحداً يتكلّم عن خيميائيين أمامي ـ قال الشاب ـ وإلا لكنتُ حاولت مساعدتك.
بريق من الأمل شع من نظرة الانكليزي وهتف قائلاً:
- لكن هذا مؤكد، فربما ليس هنا من يعرف ماهو الخيميائي ... استعلم عن الرجل الذي يعالج أمراض القرية كلها.
عدة نساء يرتدين السواد، جئن إلى البئر لإحضار الماء، لكن الشاب لم يتحدّث إليهن على الرغم من إلحاح الانكليزي، أخيراً اقترب رجل منهما، فسأله الشاب:
- هل تعرف أحداً يعالج الأمراض في القرية؟
- إن الله هو الذي يعالج الأمراض كلها، أجاب الرجل وقد بدا عليه الخوف من هذين الغريبين، انتما تبحثان عن سحرة، أنتما الإثنين ! ..
ومضي في طريقه بعد أن تلا عدة آيات من القرآن.


ظهر رجل آخر، كان أكبر عمراً من سابقه يحمل دلواً صغيراً، فطرح الشاب عليه السؤال نفسه.
- إن كان هناك وجود لهذا الرجل، فهو لابد أنه على درجة كبيرة من القوة ـ أجاب الرجل العجوز بعد قليل من التفكير ثم تابع ـ حتى أن شيوخ العشائر لايستطيعون رؤيته على هواهم عند الحاجة. يجب أن يقرر هو ذلك، انتظرا بالأحرى نهاية الحرب، وارحلا مع القافلة، ولاتسعيا أبداً إلى التوغل في حياة الواحة، ختم قوله مبتعداً.
عندئذٍ بدت شابة ترتدي ثياباً مختلفة، فابتهج الانكليزي، لقد كان على الطريق الصحيح، كانت تحمل جرّة على كتفها، وتضع خماراً حول رأسها، لكنها كانت سافرة الوجه. اقترب الشاب ليسألها عن موضوع الخيميائي.


أحس الشاب كما لو أن الزمن كان يتوقف، وكما لو أن النفس الكليّة كانت تنبعث بكل قوّتها أمامه.
وعندما رأى عينيها السوداوين، وشفتيها المترددتين بين الصمت والابتسام فهم الجزء الرئيسي من اللغة التي يتحدّثها العالم، والتي باستطاعة كائنات الأرض كلها أن تفهمها عبر القلوب.


كان هذا هو مايدعى بالحب، شيء أقدم من وجود البشر، ووجود الصحراء، والذي كان ومايزال ينبثق دائماً وبقوة، وفي كل مكان عندما تلتقي نظرتان كما تلتقي الآن هاتان النظرتان قرب البئر. انفرجت الشفتان عندئذٍ عن ابتسامة، إنها علامة، علامة كان قد انتظرها دون أن يعلم خلال فترة طويلة من حياته، ولطالما قد بحث عنها في الكتب، وقرب نعاجه، وفي الزجاجيّات، وفي صمت الصحراء.


هاهي ذي لغة الكون الخالصة، مفهومة دون أدنى شرح، لأن الكون ليس بحاجة إلى أي تفسير كي يتابع دورانه في الفضاء اللامتناهي.
إن مافهمه في تلك اللحظة هو انه أمام امرأة حياته، وعليها أن تعلم ذلك دونما أية ضرورة للكلام، كان متأكداً من هذا أكثر من تأكده من أي شيء آخر في العالم، على الرغم من أن آبائه وآباء آبائه كانوا قد قالوا إن على الانسان أن يحب أولاً، ثم يخطب، أن يعرف الآخر، وأن يملك المال قبل أن يتزوج. من كان يقول ذلك، لم يكن يعرف مطلقاً اللغة الكونية، لأن المرء عندما يغوص في هذه اللغة يسهل عليه أن يدرك أن في هذا العالم يوجد شخص ينتظر شخصاً آخر، سواء أكان هذا في وسط الصحراء أو في قلب المدن الكبرى، وعندما يلتقي هؤلاء الشخصان، وتتقاطع نظرتاهما، فإن الماضي والمستقبل لا أهميّة، ولحظة الحاضر وحدها هي التي تبقى.


وهذا اليقين العجيب بأن كل شيء يوجد تحت قبة السماء قد خطّته اليد نفسها، اليد التي أنجحت الحب، وخلقت لكل كائن روح شقيقة، وهذا الكائن يعمل، ويستريح، ويبحث عن الكنوز في وضح النهار، ولو أن الأمر لم يكن كذلك، لما وجد أي معنى لأحلام الجنس البشري.


- مكتوب ـ قال في نفسه.
نهض الانكليزي الذي كان جالساً، وحرّك صاحبه قائلاً:
- هيا اذهب واسألها.
اقترب الشاب من الفتاة التي ابتسمت من جديد، فابتسم وسألها:
- ماذا تدعين؟
- فاطمة ـ أجابت وهي تغض من طرفها.
- إنه اسم تحمله بعض النسوة في البلد الذي جئتُ منه.

- إنه اسم ابنة النبي ـ قالت فاطمة ـ ومجاهدونا قد نقلوه إلى هناك.

كانت الشابة الحلوة تتحدث بفخر عن المجاهدين، والانكليزي يقف جانباً يلح، فسألها الشاب إن كانت تعرف شيئاً عن الرجل الذي يشفي الأمراض.


أجابت:
- إنه رجل يعرف أسرار العالم، وهو يتكلّم مع جن الصحراء، والجن هم جن الخير وجن الشر.
وأشارت الشابة بإصبعها باتجاه الجنوب، حيث تسكن هذه الشخصية الغريبة، ثم ملأت جرّتها ورحلت، وانصرف الانكليزي أيضاً للبحث عن الخيميائي، وبقي الشاب جالساً بجانب البئر لوقتٍ طويل، وقد أدرك أن ريح الشرق التي كانت قد حملت إليه ذات يوم عطر هذه المرأة، وأنه أحبها قبل أن يعلم إن كانت موجودة فعلاً، وأن الحب الذي يكنّه لها سوف يدفعه إلى اكتشاف أسرار الكون كلّها.


وفي الغد عاد الفتى إلى البئر لينتظر فتاته هناك، لكنه تفاجأ بوجود الانكليزي يتأمل الصحراء للمرة الأولى.


قال الانكليزي:
- لقد انتظرت طوال مابعد الظهر والمساء، لقد وصل عندما ظهرت أولى النجوم في السماء، أخبرته عن الشيء الذي أبحث عنه، وسألني إن كنت قد حوّلت الرصاص إلى ذهب، فأجبته بأن هذا ما أتمنى فعله على وجه التحديد، طلب مني عندئذٍ أن أحاول، ولم يقل شيئاً آخر سوى هاتين الكلمتين: " إذهب وجرّب ".


مكث الشاب صامتاً، وهكذا فإن الانكليزي قد قطع كل هذه المسافة ليسمع ماعرفه من قبل، وتذكّر الشاب أنه هو نفسه قد أعطى ست نعاج إلى الملك العجوز مقابل نتيجة مشابهة.
- حسن ! حاول ـ قال للإنكليزي.

- هذا فعلاً ما سأفعله، وسأباشر حالاً.
بعد انصرافه بقليل، وصلت فاطمة إلى البئر كي تملأ قربتها.

- أتيت لأقول لك شيئاً واحداً ـ قال الشاب ـ أريد أن تكوني زوجتي، فإنني قد أحببتك.

تركت الشابة آنيتها تطفح بالماء، وتابع الشاب:
- سأنتظرك هنا كل يوم، فقد عبرت الصحراء باحثاً عن كنز موجود قرب الأهرامات، كانت الحرب بالنسبة لي نقمة، والآن اعتبرها نعمة لأنها تبقيني هنا قربك.


- لابد للحرب أن تنتهي يوماً ما ـ قالت الفتاة.
تأمل أشجار النخيل، لقد كان راعياً وكان يملك قطيعاً من الغنم، أما فاطمة فهي بالنسبة له أهم من الكنز بكثير.


- المقاتلون يبحثون عن كنوزهم ـ قالت فاطمة، كما لو أنها كانت تقرأ أفكاره ـ ونساء الصحراء فخورات بمقاتليهم، ثم ملأت جرّتها من جديد وانصرفت.


صار الشاب يأتي كل يوم إلى البئر ينتظر قدوم فاطمة، يحدّثها عن حياته كراع، عن لقائه بالملك، وعن مخزن الأواني الزجاجيّة.
صارا صديقين، وصار يجد الوقت طويلاً جداً بقيّة النهار ماعدا الخمس عشرة دقيقة التي كان يقضيها بصحبتها.


كان قد مضى على وجوده في الواحة شهر تقريباً، عندما دعا رئيس القافلة الناس كلّهم إلى الاجتماع، وقال لهم:
- نحن لانعرف أبداً متى ستنتهي الحرب ولن نستطيع استئناف السفر، فالمعارك ستستمر دون شك وقتاً طويلاً، وربما سنوات... وفي كل جانب يوجد مقاتلون شجعان وأشدّاء، وكلٌ من الجيشين يعتز بالقتال، ليس هناك حرب بين الأخيار والأشرار، إنها حرب بين قوى تتصارع للوصول إلى السلطة نفسها، وعندما تنشب معركة من هذا النوع، فإنها تستمر أكثر لأنه في مثل هذه الحالة يكون الله مع الجانبين في آنٍ واحد.


تفرّق الناس، وفي ذلك المساء رأى الشاب فاطمة من جديد ونقل لها مادار في الاجتماع.


- في مقابلتك الثانية ـ قالت الشابة ـ حدّثتني عن حبك، ثم علّمتني الكثير من الأشياء الجميلة كلغة النفس الكليّة مثلاً، وكل هذا قد جعل مني شيئاً فشيئاً جزءاً منك.


كان الشاب يصغي إلى صوتها فيجده أجمل من حفيف سعف النخيل، ثم تابعت:
- منذ زمن طويل وأنا أجيء إلى هنا، قرب البئر لانتظارك، إنني لم أتوصّل لأتذكر ماضيَّ والتقاليد، ولا للطريقة التي يرغب بها الرجال أن تسلكها نساء الصحراء، منذ صغري كنتُ أحلم بأن تمنحني الصحراء يوماً ما أجمل حاضر في حياتي، وهاهي ذي تمنحني هذا الحاضر الذي هو أنت.


أراد الشاب أن يمسك بيدها، لكن فاطمة كانت تمسك بعروتي الجرّة. ثم أردفت:
- لقد حدّثتني عن أحلامك، عن الملك العجوز، عن الكنز، حدّثتني عن العلامات، ذاك مايجعلني لا أخشى شيئاً، لأن العلامات هي التي قادتك إليَّ، وصرتُ جزءاً من حلمك ومن أسطورتك الشخصيّة، مثلما تقول باستمرار، ولهذا السبب بالذات، أريد لك أن تتابع طريقك نحو ماجئت من أجله، إن كان يتوجّب عليك الانتظار حتى تنتهي الحرب فهذا عظيم، أما إذا كان عليك أن تسافر، فانطلق إذن نحو أسطورتك الشخصيّة، فإن الكثبات تتغير بفعل الرياح، لكن الصحراء تبقى دائماً نفسها، وهذا ماسيكون عليها حبنا، إنه لقدرٌ مكتوب، ولو كنتُ حقاً أمثّل جزءاً من أسطورتك الشخصيّة فإنكَ ستعود يوماً ما.


لقد أحس بالحزن حين غادرها، كان يفكّر بالناس الذي عرفهم، فالرعاة كانوا يعانون كثيراً لإقناع زوجاتهم بالضرورة التي تفرض عليهم التجوال في الأرياف، لكن الحب يتطلّب البقاء قرب المحبوب.


وفي الغد حدّث فاطمة عن كل هذه الأشياء، فقالت:
- الصحراء تأخذ منا رجالنا، ولاتعيدهم في بعض الأحيان، ينبغي علينا أن نعتاد على ذلك، وعندئذٍ نراهم حاضرين في السحب التي تمرّ دون أن تمطر، وفي الحيوانات التي تختبئ وسط الحجارة، والماء الفيّاض الذي ينبجس من الأرض، فهم ساعتها يشكّلون جزءاً من كل شيء ويصبحون النفس الكليّة، البعض يعود، وحينذاك تلقى النساء الأخريات سعيدات لأن الرجال الذين ينتظرنهم يمكن ان يعودوا ذات يوم. سابقاً، كنتُ أرى تلك النسوة، وأحسدهن على سعادتهن، وها أنذا الآن مثلهن، وسيكون لي من انتظر عودته، فأنا إحدى نساء الصحراء وأنا فخورة بذلك. أريد لزوجي أيضاً أن يسير حرّاً كالريح التي تحرّك الكثبان، أريد أن أحظى برؤيته في السحب، وفي الحيوانات، وفي الماء.


ذهب الشاب للقاء الانكليزي ليحدّثه عن فاطمة وقد تفاجأ عندما لاحظ أنه قد بنى فرناً صغيراً بجانب خيمته، كان فرناً غريباً، وُضعت فوته قارورة شفّافة، وكان الانكليزي يلقم النار بالحطب، ويتأمل الصحراء.


عيناه كانتا تبدوان أكثر لمعاناً مما كانت عليه عندما كان يمضي كامل وقته غارقاً بين الكتب.
بادر الانكليزي قائلاً:
- هذه أولى مراحل العمل، عليَّ أن أفصل الكبريت الشائب، وحتى أتوصّل إلى ذلك ينبغي عليّ ألا أخشى الاخفاق، لأن خوفي هو الذي منعني من اكتشاف هذا الانجاز العظيم، ها أنذا الآن أبدأ ماكان يجب ان أقوم به منذ عشرات السنوات، لكنني مع ذلك سعيد، لأنني لم انتظر عشرين سنه أخرى. وتابع إذكاء النار وهو يرقب الصحراء، بقي الشاب قربه بعض الوقت، حتى الساعة التي تلوّنت بها الصحراء بلون غروب الشمس الوردي، عندئذٍ شعر برغبة عارمة بالذهاب إلى هناك لعلّ بمقدور الصمت الإجابة على أسئلته.


مشى لبعض الوقت دون هدف، دون أن تغيب عن ناظريه نخلات الواحة، مصغياً إلى الريح، متحسساً الحصى تحت أقدامه، كان يجد بعض الأصداف، وكان يعلم أن هذه الصحراء كانت منذ عهد بعيد بحراً واسعاً، جلس على حجر كبيرة، وتركنفسه يسحر بالأفق الذي كان قبالته. لم يكن يستطيع أن يتصوّر الحب مجرّداً من فكرة التملّك، لكن فاطمة كانت واحدة من نساء الصحراء، ولعل أهم شيء بمقدوره أن يعينها على الإدراك هو الصحراء.


مكث هكذا دون أن يفكّر بشيء، إلى أن احسَّ بشيء يتحرّك فوق رأسه، نظر في الجو فرأى صقرين يحلّقان عالياً في السماء.


راقب الطيرين الجارحين والأشكال التي كانا يرسمانها في طيرانهما، كانت في الظاهر خطوطاً غير منتظمة، لكنها مع ذلك كانت بالنسبة له ذات معنى، إلا أنه لم يستطع تحليل معناها، قرر أن يتابع حركات الطائرين بنظره علّه يكتشف رسالة ما، ربما يمكن للصحراء أن تفسّر له الحب دون تملّك.


أحس بالنعاس يتلسلل إليه، لكن قلبه كان يأبى عليه ذلك، وبالعكس تماماً ينبغي عليه أن يستسلم ـ ها أنذا من يدخل صميم لغة الكون، فكل شيء في الأرض صار له معنى حتى طيران الصقور نفسه.


لقد أحسَّ بنفسه مكنّاً بالعرفان لهذا الحب الذي يحمله لإمرأة، فقال لنفسه:
- عندما نحب يصبح للأشياء معنى أكبر.
وفجأة انتفض أحد الصقرين لمهاجمة الآخر، في هذه اللحظة بالتحديد لاحت للشاب رؤيا مفاجئة ووجيزة: زمرة مسلّحة كانت تجتاح الواحة، والسويف كانت مسلولة، وامَّحت الرؤيا في الحال تاركة فيه انطباعاً حاداً. كان قد سمع من قبل عن السراب، وكان قد رأي بعضها، إنها رغبات تتجسد على رمال الصحراء، ومع ذلك لم يكن يرغب بالتأكيد رؤية جيس يستولي على الواحة.


أراد أن ينسى هذا ويعود إلى تأمله، وهو يحاول من جديد أن يركّز على الصحراء الوردية وعلى الحجارة، لكن شيئاً ما في داخله كان يخطف السكينة من قلبه.


تذكّر قول العجوز: " اتبع العلامات دائماً " .
فكّر بفاطمة، ثم تذكّر الرؤيا التي تجلّت له، وحدس بأنها قريباً سوف تتحوّل إلى واقع، بصعوبة استطاع أن يتغلّب على الضيق الذي يختنقه. نهض ثانية وبدأ يمشي صوب أشجار النخيل، ومن جديد أدركَ لغة الأشياء الجديدة: أصبحت الصحراء الآن موطن الأمان، طالما أن الواحة قد غدت موطن الخطر.
كان الجمّال جالساً قرب إحدى النخلات، يرقب أيضاً غروب الشمس، عندما رأى الشاب قادماً من وراء الكثبان، فبادر الشاب قائلاً:
- هناك جيس يتقدّم، فقد حصلت لديّ رؤيا.
- الصحراء توحي إلى قلوب الناس بالكثير من الرؤى ـ أجاب الجمّال.
لكن الشاب حدّثه عن الصقرين، لقد كان يراقب طيرانهما، عندما غاص فجأة في النفس الكليّة.
لم يجب الجمّال بشيء لقد فهم ماكان محاوره يقول، كان يعلم أن أي شيء على وجه الأرض يمكن له أن يحطي قصة الأشياء كلّها وعندما نفتح كتاباً على صفحة ما لا على التعيين، أو عندما نتفحصّ كفّ انسان ما، أو نراقب طيران الطيور، أو ننظر في ورق اللعب، أو أي شيء آخر كائناً ماكان، فإن كل واحد منا سيستطيع اكتشاف تلك الرابطة بين كل ماهو حي. وفي الحقيقة ليست الأشياء هي التي تكشف أي شي بذاتها، وإنما هم البشر الذين يراقبون هذه الأشياء ويكتشفون الطريقة التي تمكّنهم من دخول النفس الكلية.


الصحراء آهلة برجال يكسبون معيشتهم لأن باستطاعتهم اقتحام النفس الكليّة بسهولة، وقد عُرفوا باسم " العرّافين "، وكان المسنّون والنساء يهابونهم، ولم يكن المحاربون ليستشيرونهم إلا فيما ندر، لأنه لاداعي للذهاب إلى المعركة عندما تعرف مسبقاً اللحظة التي تموت فيها. كان المقاتلون يفضّلون نكهة القتال، وركوب المخاطر، ولمس المجهول، فالمستقبل قدر كتبه الله، وأيّاً كان هذا المكتوب، فإنه دائماً لخير الناس. إذن، فالمحاربون يعيشون الحاضر فقط لأن الحاضر يعجّ بالمفاجآت، وعليهم أن يكونون متيقظّين للكثير من الأشياء: أين يوجد سيف العدو، أين فرسه وأين عليه أن يضرب ليتحاشى الموت.
لم يكن الجمّال مقاتلاً، وكان قد استشار العرّافين، الكثيرون منهم ذكروا أشياء حقيقية وأخبره آخرون بأشياء خاطئة إلى أن ٍاله أحدهم ذات يوم وهو الأكبر سناً والأكثر هيبة عن سرّ اهتمامه بمعرفة المستقبل.
أجاب الجمّال:
- كي أستطيع القيام بأشياء عدة، ولكي أغيّر مجرى مالا أحب أن يقع لي.
- عندئذٍ لن يكون هذا مستقبلك ـ علّق العرّاف.
- لكن ربما أريد معرفة المستقبل لأحضّر نفسي لتلقي ماينبغي أن يحصل
أجاب العرّاف:
- لو كانت أموراً جيّدة، لحصلت على مفاجأة جميلة، ولو كانت سيئة فإنها ستسبب لك العذاب قبل وقوعها.
قال الجمّال:
- أريد أن أعرف المستقبل لأنني إنسان، والناس يعيشون تبعاً لمستقبلهم.
مكث العرّاف لحظة دون أن ينطق بشيء، اختصاصه كان بلغة العيدان، التي يلقيها أرضاً، يفسّر الطريقة التي توزّعت بها على الأرض، لكنّه في ذلك اليوم لم يستعمل العيدان، بل لفّها في قماش قطني، وأعادها إلى جيبه قائلاً:
- إنني أكسب معيشتي كعرّاف يتنبأ بمستقبل الناس، إنني أعرف علم العيدان، وأعرف كيفية استعمالها، كي أوغل في هذا الفضاء، حيث كل شيء كُتب مسبقاً، واستطيع فيه أن أقرأ الماضي، واكتشف المنسي، وأفهم علامات الحاضر، وعندما يستشيرني الناس فإنني لا أقرأ مستقبلهم، أنا أخمّنه لأن المستقبل ملك لله ووحده يكشف ستره، كيف لي أن أخمّن المستقبل؟ الفضل في ذلك يعود لعلامات الحاضر، فالسرّ يكمن في الحاضر. وإذا تنبّهت إلى حاضرك، بإمكانك جعله أفضل، وإن حسّنت الحاضر، فإن مايعقبه يكون جيّداً، انسَ المستقبل وعش كل يوم من حياتك حسب تعاليم الشريعة، وثق بعناية الإله تجاه أبنائه، فكل يوم يحمل الخلود في طيّاته.
أراد الجمّال أن يعرف ماهي تلك الظروف الاستثنائية التي يسمح الإله فيها بمعرفة المستقبل.

- هذا عندما هو نفسه يزيح الستر عنه، ونادراً مايكشفه، وذلك لسبب واحد: إنه مستقبل كُتب ليتغير.
- لقد أظهر الله للشاب مستقبلاً ما، لأنه أراد أن يجعل منه أداته ـ حدّث الجمّال نفسه، ثم قال للشاب:
- اذهب للقاء شيوخ القبائل، وحدّثهم عن المقاتلين الذين يقتربون.
- سيسخرون مني.
- إنهم من أبناء الصحراء، وهم معتادون على العلامات.
- إذاً فهم يعلمون ذلك مسبقاً.
- ليس هذا همّهم، فهم يعتقدون بأنه لو أراد الله لهم أن يعلموا بشيء، فإن الله سيعمل على ذلك وسيأتي من يخبرهم به، وهذا ماحدث مراراً، أما اليوم فإنك أنت هذا الرسول.
فكّر الشاب بفاطمة، وقرّر الذهاب للقاء شيوخ القبائل.
- إنني أحمل رسالة من الصحراء ـ قال للحارس الذي كان يقوم على حراسة خيمة بيضاء كبيرة مقامة في مركز الواحة ـ أريد التحدّث إلى الشيوخ.
لم يجب الخفير بشيء، دخل الخيمة، مكث فيها وقتاً طويلاً ثم خرج بصحبة أعرابي شاب يرتدي ثياباً بيضاء ويتقلّد الذهب، وروى له الشاب ماكان قد رآه، فطلب منه العربي أن ينتظر قليلاً ثم عاد إلى خيمته.
هبط الليل، عرب وتجار كثر، دخلوا وخرجوا، وشيئاً فشيئاً كانت نيران الوقد تخمد، وأضحت الواحة خلال لحظات صامتة كصمت الصحراء، لم يبقَ مشتعلاً إلا ضوء الخيمة الكبيرة، وبمرور الوقت لم يتوقف الشاب عن التفكير بفاطمة، دون أن يفهم جيداً ما أسفرت عنه المحادثة التي تمّت مابعد الظهر.
أخيراً، وبعد ساعات عديدة من الانتظار أدخله الحارس.
مارآه جعله يشرد في ذهول شديد، فلم يكن ليتخيّل قط وجود خيمة كهذه في وسط الصحراء، كانت أرضها مغطاة بأجمل السجاد الذي لم يسبق له أن مشى عليه، من الأعلى ثريات تتدلى، شمعدانات مذهّبة ومنقوشة تحمل شموعاً مشتعلة، وشيوخ العشائر يجلسون في الخيمة على شكل نصف حلقة، متكئين على أرائك حريرية مطرّزة بأبهة، خدم يأتون ويروحون حاملين أطباقاً عليها مالذ وطاب من الطعام ويقدّمون الشاي، آخرون يسهرون على إبقاء جمرات النراجيل مشتعلة، ورائحة تبغ طيبة تعطّر الجو.
لكنه فهم في الحال أيّهم الأعلى قدراً، إنه عربي يرتدي البياض ويضع الذهب، وكان يجلس في مركز نصف الحلقة، وبجانبه يجلس الشاب الذي كان قد تحدّث معه منذ وقت قصير.
- من هو الغريب الذي يتحدّث عن رسالة؟ سأل احد الشيوخ وهو ينظر إليه.
- إنه أنا، وروى ماكان قد رآه.
- هل للصحراء أن تقول هذه الأشياء لرجل قدم من مكان آخر، وهي تعلم أننا نقيم هنا منذ أجيال عديدة؟ قال شيخ آخر.
- لأن عينيّ لم تعتادا بعد على الصحراء بحيث أنني أستطيع أن أرى مالا تستطيع العيون المعتادة عليها أن تراه، ولأنني أعرف ماهي النفس الكليّة ـ قال لنفسه، لكنه لم يضف شيئاً لأن العرب لايعتقدون بتلك الأشياء.
قال شيخ ثالث:
- الواحة أرض محايدة، ولن يهاجمها أحد.
- إنني أروي مارأيته، وإذا كنتم لا تريدون تصديقي، فلا تفعلوا شيئاً.
أطبق الصمت على الخيمة، ثم أعقبته مشاورة حادة بين الشيوخ العشائر، كانوا يتكلّمون بلغة عربية محلية، لم يفهمها الشاب، لكنه عندما تظاهر بأنه يريد الخروج، طلب منه الحارس أن يبقى. بدأ يكابد بعض الخوف، فالعلامات كانت تنبئه بأن شيئاً ما لايسير على مايرام وتأسّف لأنه أخبر الجمّال عن هذا الأمر.
فجأة ابتسم الرجل المسن الذي كان يحتل مركز الخيمة ابتسامة شبه خفيّة، فاطمأن الشاب. لم يكن الشيخ العجوز قد ساهم في النقاش، ولم يكن بعد قد نطق بأية كلمة، لكن الشاب كان معتاداً على اللغة الكونية، واستطاع أن يشعر برعشة سلام تجوب الخيمة من طرف إلى آخر، حدسه قال بأنه قد فعل خيراً بمجيئه.
انتهى النقاش، وصمت الجميع لينصتوا إلى ذلك الرجل العجوز يتكلّم، وقد التفت إثر ذلك إلى الغريب، وقد بدت الآن تعابير وجهه صارمة ومتحفظّة.
- منذ ألفي عام، في بلاد بعيدة، أُلقي برجل في بئر، وبِيع كعبد، كان يؤمن بالاحلام وقد اشتراه تجار من عندنا، واصطحبوه إلى مصر، وكلنا يعلم أن من يعتقد بالأحلام يعرف تفسيرها.
- ومع أنه لايصل دائماً إلى تحقيقها ـ فكّر الشاب متذكّراً الغجرية العجوز.
وتابع الشيخ:
- وبفضل الحلم بالبقرات العجاف، والبقرات السمان، الذي حلمه فرعون، فقد استطاع ذلك الرجل إنقاذ مصر من المجاعة، كان يُدعى " يوسف "، وكان مثلك غريباً في أرضٍ غريبة، وكان له تقريباً نفس عمرك.
امتد الصمت، وبقيت نظرة العجوز صارمة.
- نحن نتّبع التقاليد دائماً ـ ردّد ـ فالتقاليد قد انقذت مصر من المجاعة آنذاك، وجعلت من شعبها أكثر الشعوب ثراءً، التقاليد تعلّم كيف ينبغي على الرجال عبور الصحراء، وتزويج بناتهم، التقاليد تقول أن الواحة تمثّل أرضاً محايدة لأن المعسكرين يمتلكان واحات وهي ضعيفة أمام العدوان.
لم يلفظ أحد أدنى كلمة عندما كان الرجل العجوز يتكلّم.
- لكن التقاليد أيضاً تدعونا للوثوق برسائل الصحراء، وكل مانعرفه، فإنما الصحراء علّمتنا إياه.
أشار بإصبعه، فهبّ كل الأعراب واقفين، فقد انتهى الاجتماع، واُطفئت النراجيل، وعدَّل الحرّاس وضعيتهم.
تهيأ الشاب لمغادرة المكان لكن العجوز استأنف الكلام:
- غداً سنفسخ الاتفاق القاضي بمنع حمل السلاح في الواحة، وسننتظر العدو أثناء النهار، وعندما تميل الشمس للغروب، فإن الرجال سيعيدون لي أسلتحهم، ومقابل كل عشرة قتلى من العدو ستلقى قطعة من الذهب. على كل حال، لا يمكن للأسلحة أن تخرج إلا إلى المعركة، إنها متقلّبة المزاج كالصحراء، وإن أخرجناها من أجل لاشيء فبإمكانها رفض إطلاق النار، وإن لم تُستعمل أياً منها غداً، فإن واحدة على الأقل ستُستخدم ضدّك.
عندما غادر الخيمة لم تكن الواحة مضاءة إلا بنور القمر، وعليه أن يمشي عشرين دقيقة كي يصل إلى خيمته، فمضى في دربه.
كان يقاسي ألماً شديداً من جرّاء ما حصل، لقد غاص في النفس الكليّة، وربما سيدفع حياته ثمناً لذلك، اختبار عسير، لكن كان قد راهن منذ اليوم الذي باع فيه أغنامه لكي يتبع أسطورته الشخصيّة.
ومثلما قال الجمّال: " الميتة واحدة سواء أكانت غداً، أو في يوم آخر، وماوُجد أيُّ يوم إلا لنعيشه أو لنخرج فيه من الدنيا، وكل شيء من الوجود مبني على كلمة واحدة: مكتوب "
سار بصمت، غير آسف على شيء، وإن كان سيفترض أن يموت غداً، فليس هذا إلا لأن الله لايريد تغيير المستقبل، ولكنه سيموت بعد أن اجتاز المضيق، وعمل في متجر الزجاجيّات، وعرف الصحراء، وعيون فاطمة، فمنذ أن غادر بلده وهو يعيش أيامه بحدّة، وكان هذا منذ زمن طويل، وإن قُدّر له أن يموت غداً، فلا بأس لأن مارأته عيناه من الدنيا يفوق مارأته عيون الكثيرين من الرعاة الآخرين، وهو فخور بذلك.
فجأة، رنَّ في أذنه صوت أشبه بالدوي، وسقط أرضاً، مدفوعاً بهبة ريح شديدة العنف، واجتاحت المكان سحابة من الغبار غطّت تقريباً ضوء القمر، وأمامه شب حصان ضخم ذو صهيل مرعب.
كان يميّز مايجري بصعوبة، ولكن عندما تبدد الغبار أحس برعب فظيع لم يسبق إطلاقاً أن أحسّ بمثله، فقد برز أمامه رجل يمتطي صهوة الحصان، ويرتدي ثياباً سوداء، يعلون كتفه الأيسر صقر، وقد غطّى رأسه بعمامة ولثام يحجب كل وجهه ماعدا عينيه، يبدو أنه رسول الصحراء، وله حضور لايرتقي إليه أحد في العالم.
وامتشق هذا الفارس الغريب سيفاً كبيراً ذا نصل مقوّس، كان معلّقاً بسرج حصانه، إنه من الفولاذ ويتألّق تحت ضوء القمر.
- من تجرّأ أن يفسّر طيران الصقرين؟
سأل بصوت قوي، حتى لكأنه يرجع صدى خمسين ألف شجرة نخيل.
- أنا من تجرأ ـ قال الشاب متذكّراً في الحال تمثال القدّيس جاك، شاطر العرب إلى شطرين، ساحقاً الكفار بسنابك حصانه الأبيض، إنه الشيء نفسه تماماً، ماعدا أن الوضع الآن معكوس !
- أنا تجرّأت ـ كرّر الشاب، وأحنى رأسه مستعداً لضربة السيف، العديد من الأرواح البشرية سيُكتب لها النجاة، لأنك لم تحسب حساباً للنفس الكليّة.
لم يخفض السلاح بسرعة، ويد الفارس نزلت على مهل، ورأس السلاح الذي لامس جبهة الشاب كان حاداً، فسالت منه قطرة من الدماء.
كان الفارس والشاب كلٌّ في مكانه لا يتزحزح، وحتى فكرة الهروب لم تخطر بباله، جذل غريب استحوذ على فؤاده، سيموت في سبيل اسطورته الشخصيّة ومن أجل فاطمة، والعلامات في النهاية لم تخطئ، فالعدة هنا وليس عليه أن يأبه بالموت طالما أن النفس الكليّة حاضرة، بعد قليل سيصبح جزءاً منها، وغداً سيصبح العدو جزءاً منها.


اكتفى الغريب بتثبيت رأس السيف على جبهته.
- لماذا قرأت في طيران الصقرين؟
- قرأت فقط ماكانت تريد الطيور أن تحكيه، فهي تريد أن تنقذ الواحة وأنت وجماعتك ستموتون، فرجال الواحة أكثر عدداً منكم ـ وطرف السيف الحاد مايزال موضوعاً على حبهته.
- من أنت كي تغيّر القدر الذي خطته يد الله؟
- خلق الله الجيوش، وخلق الطيور أيضاً، والله هو الذي أطلعني على لغة الطيور، فكل شيء قد كُتب بيد واحدة ـ قال الفتى، متذكّراً ماقاله الجمّال.
أخيراً رفع الفارس سيفه، وأحس الشاب بالانفراج، غير أنه لم يكن يستطيع الهرب.
- حذار من التنبؤات، فعندما تكون الأمور مكتوبة، فليس هناك مجال لتلافيها.
- لقد رأيت جيشاً، ولم أرَ نهاية المعركة.
بدا الفارس مقتنعاً بالاجابة، لكنه بقي محتفظاً بسيفه في يده، ثم سأله:
- ماذا يفعل غريب في أرض غريبة؟
- أبحث عن أسطورتي الشخصيّة، هذا شيء لن تستطيع فهمه أبداً.
أعاد الفارس سيفه إلى غمده، أطلق الصقر الجاثم على كتفه صرخة غريبة، فبدأ الشاب يستريح.
- كان عليَّ أن أمتحن شجاعتك، فالشجاعة هي الفضيلة الأولى لمن يبحث عن اللغة الكونية.
دهش الشاب، هذا الرجل يتحدّث عن أشياء لايعرفها إلا قلّة من الناس.
- يجب عدم الاستسلام إطلاقاً، حتى لو توصّل الانسان في معرفته إلى مدى بعيد ـ تابع الفارس ـ فعليه أن يحب الصحراء، ولكن عليه ألا يثق بها تماماً، فالصحراء هي محك الرجال: إنها تمتحن الانسان من خلال خطواته وتقتل من ينصرف للعبث.
كلماته كانت تذكّره بكلمات الملك العجوز.
ثم أضاف الفارس:
- إن جاء المقاتلون، وإن بقي رأسك فوق كتفيك، فغداً وبعد غروب الشمس تعالَ لأراك.
واليد التي كانت تقبض بالسيف صار فيها سوط، ثم شب الحصان من جديد، مثيراً سحابة من الغبار.
ودلّت اليد الممسكة بالسوط على جهة الجنوب.
الشاب كان قد التقى الخيميائي.


× × ×


صباح الغد كان هناك ألفا رجل مدججين بالسلاح وسط أشجار نخيل الفيّوم، وقبل أن تبلغ الشمس أوج السماء، ظهر عند الأفق خمسمائة محارب.
دخل الفرسان الواحة من الشمال، كانت الحملة سِلميّة، لكن الأسلحة كانت مخبّأة تحت برانسهم البيضاء، وعندما وصلوا بالقرب من الخيمة الكبيرة المنتصبة في مركز الواحة، أظهروا سيوفهم المعقوفة، وبنادقهم وهاجموا خيمة خالية.
طوّق رجال الواحة فرسان الصحراء، وفي ظرف نصف ساعة، كانت هناك أربعمائة وتسعة وتسعين جثة مبعثرة على الأرض، كان الأطفال في الجهة الأخرى من بستان النخيل، ولم يروا شيئاً، والنساء كنَّ في الخيم يبتهلن من أجل أزواجهن، وهنَّ لم يرين شيئاً أيضاً.
وعلى الرغم من كثرة الجثث الهامدة في كل مكان، فإن الواحة بدت وكأنها تعيش يوماً عادياً.
محارب واحد فقط نجا من الموت في الموقعة، هو ذاك الذي كان يقود المقتحمين، وقد اقتيد في المساء ليمثل أمام شيوخ القبائل الذين سألوه عن سبب انتهاكه لحرمة التقاليد.
أجاب أن رجاله كانوا يقاسون الجوع والعطش، منهكين من المعركة التي طال أمدها، فعزموا على الاستيلاء على واحة ما، كي يستطيعوا استئناف القتال.
أعرب شيخ الواحة عن حزنه تجاه هؤلاء المحاربين الذين كان ينبغي عليهم احترام التقاليد في أي ظرف كان، فالشيء الوحيد الذي يتغير في الصحراء هو الكثبان عندما تهب الريح.
ثم حكم الشيخ على المعادي بميتة غير مشرّفة، فبدل أن يُقتل بالسلام الأبيض، أو بطلقة من بندقية، فإنه سيموت شنقاً، معلقاً بجذع نخلة يابسة، وستبقى جثّته تتأرجح في مهب ريح الصحراء.
استدعى شيخ القبيلة الشاب الغريب، وأعطاء خمسين قطعة ذهبيّة، ثم ذكّر من جديد بسيرة يوسف في مصر، وطلب من الشاب أن يظل اعتباراً من الآن مستشار القبيلة.


× × ×


عندما غابت الشمس، وبدأت أولى النجوم بالظهور، ( لم تكن تلمع كثيراً لأن القمر كان بدراً)، ذهب الشاب نحو الجنوب ولم يكن هناك إلا خيمة واحدة، وحسب بعض العرب الذين كانوا يمرّون من هناك فإن المكان مسكون بالجن، لكنّه جلس وانتظر طويلاً.
ظهر الخيميائي بينما كان القمر مايزال عالياً في السماء حاملاً على كتفه صقرين ميتين.
- ها أنذا ـ قال الشاب.
- كان ينبغي عليك أن تكون هنا، أم أن أسطورتك الشخصيّة اقتضت عليك المجيء؟
- هناك حرب بين العشائر وليس من الممكن عبور الصحراء.
نزل الخيميائي عن حصانه، وأشار إلى الشاب أن يدخل معه خيمته، كانت مشابهة لكل الخيام التي تمكّن من رؤيتها في الواحة، باستثناء الخيمة المركزية الكبيرة التي تذكر فخامتها بحكايات الجن.
جال بنظره باحثاً عن أجهزة وعن أفران خيمياء، لكنه لم ير شيئاً من ذلك، كان هناك فقط أكداس من الكتب، وموقد صغير لتحضير الطعام، وسجادات مزخرفة برسوم غريبة.
- أجلس سأحضر الشاي ـ قال الخيميائي ـ وسوف نأكل معاً هذين الصقرين.
تساءل الشاب، إن كان هذان الصقران، هما نفسهما اللذان رآهما عشيّة البارحة، لكنه لم يقل شيئاً.
أشعل الخيميائي النار، وبعد قليل عبقت في الخيمة رائحة لحم شهيّة، كانت ألطف بكثير من رائحة النرجيلة.
- لماذا كنت تريد رؤيتي؟ سأل الشاب.
أجاب الخيميائي:
- بسبب العلامات، فالريح قد أخبرتني بأنك ستأتي وبأنك ستحتاج للمساعدة.
- لا ليس أنا، إنه الغريب الآخر، فالانكليزي هو الذي كان يبحث عنك.
- سينبغي عليه أن يجد أشياء أخرى قبل أن يراني، لكنه على الطريق الصحيحة، فقد بدأ بتمعّن الصحراء.
- وأنا؟
- عندما يريد الإنسان شيئاً، فإن الكون كلّه يتضافر ليسمح له بتحقيق حلمه ـ قال الخيميائي مردداً كلمات الملك العجوز.
فهم الشاب، أن إنساناً آخر ينتظره، كي يقوده إلى أسطورته الشخصيّة.
- ستعلّمني إذن.
- كلا، فأنت تعرف مسبقاً ماعليك معرفته وبكل بساطة سأرشدك فقط إلى الدرب التي تقودك إلى كنزك.
- هناك الحرب بين العشائر ـ كرّر الشاب.
- لكنني أعرف الصحراء.
- لقد وجدتُ كنزي، لدي جمل، والمال الذي كسبته من متجر الزجاجيّات، والقطع الذهبيّة الخمسون، فأنا أسطيع أن أكون إنساناً غنيّاً في بلدي.
- لاشيء من كل هذا يوجد قرب الأهرامات.
- لديَّ فاطمة، إنها أعظم كنز استطعت الحصول عليه.
- هي أيضاً ليست قرب الأهرامات.
أكلا الصقرين بصمت، وفتح الخيميائي زجاجة، وصبَّ منها سائلاً أحمر في قدح ضيفه، كان نبيذاً من أطيب انواع النبيذ التي شربها في حياته.
- لكن الشرع يحرّم الخمر.
رد الخيميائي:
- الشر ليس بما يدخل فم الانسان، وإنما بما يخرج منه.
وما إن شرب حتى أخذ يحس بأنه على أحسن مايرام، لكن الخيميائي كان يخيفه قليلاً. ثم ذهبا ليجلسا خارج الخيمة، وبدآ يتأملاّن نور القمر الذي يغمر ضوء النجوم.
- اشرب وتمتع بجزء من وقتك ـ قال الخيميائي ملاحظاً أن الشاب أصبح مرحاً أكثر فأكثر ـ واستراح دائماً كما يستريح مقاتل قبل ذهابه إلى المعركة، لكن لاتنسَ أن فؤادكَ يوجد حيث يوجد كنزك، ولابد لكنزك أن يُكتشف، حتى يكون هناك معنى لكل ماكتشفته في دربك.
- بعْ جملكَ غداً، واشترِ حصاناً، فالجمال غدّارة، لأنها تقطع آلاف الخطوات دون أن تدعك ترى أية دلالة على أنها متعبة، وفجأة تخرّ على ركبها وتموت، أما الخيول فإنها تتعب تدريجياً وستعرف دائماً الحدّ الذي يمكنك أن تطالبها به، واللحظة التي ستموت فيها.


× × ×


وفي الغد وصل الفتى أمام خيمة الخيميائي، ممتطياً حصاناً، انتظر لحظة حتى ظهر له راكباً بدوره حصاناً، والصقر جاثم على كتفه الأيسر.

قال الخيميائي:
- أرني الحياة في الصحراء، فوحده الذي يستطيع أن يجد فيها الحياة يستطيع أن يكتشف فيها الكنوز.
مضيا في طريقهما عبر الرمال، وضوء القمر يغمرهما.
- لستُ أدري إن كنت سأنجح في إيجاد ثمة حياة في الصحراء ـ فكّر الشاب ـ فأنا لا أعرف الصحراء بعد.
أراد أن يلتفت كي يعلن للخيميائي عن فكرته، لكنه كان يخافه، وهاهما قد وصلا الآن إلى المكان الكثير الحصى حيث كان قد رأى فيه الصقرين في السماء.


الآن، كل شيء كان يلّفه الصمت والريح.
لا أستطيع التواصل إلى لقاء الحياة في الصحراء، فأنا أعلم أنها موجودة، لكنني لا أتوصل إلى إيجادها.

- الحياة تجذب الحياة ـ أجاب الخيميائي.
فهم الشاب ماكان يقصد بقوله، وفي الحال أرخى عنان حصانه الذي أخذ يعدو على هواه وسط الحجارة والرمال، كان الخيميائي يتبعه واستمر حصان الشاب يسير هكذا لمدة نصف ساعة.
لم يكن الرجلان يستطيعان أن يميّزا نخيل الواحة، لم يكن هناك إلا صفاء السماء العجيب، يجعل الصخور تلمع كلمعان الفضّة، وفجأة وفي مكان لم يأت إليه مطلقاً من قبل أحس الشاب أن مطيته قد توقفت.


- هنا توجد الحياة ـ قال الخيميائي ـ فإنني لا أعرف لغة الصحراء، لكن حصاني يعرف لغة الحياة.
تسمرّا في الأرض، لم يقل الخيميائي شيئاً، بل أخذ في تأمّل الحجارة وهو يتقدّم ببطء.


توقف فجأة وانحنى بدراية فائقة، فإن جحراً كان هناك في الأرض بين الأحجار، أدخل الخيميائي فيه يده، ثم مدّ ذراعه كلّها حتى الكتف، شيء ما تحرّك هناك في الداخل، واغمضت عينا الخيميائي لتشهدا على الجهد الذي كان يبذله، يبدو أن اليد كانت في عراكٍ مع مايوجد داخل الجحر. وثب الكيميائي وثبة أخافت صاحبه وقد سحب ذراعه ونهض واقفاً، كانت يده تمسك بأفعى من ذيلها.


قفز الشاب إلى الخلف، حيث كانت الأفعى تتخبط بجنون، وتُصدر فحيحاً يقطع صمت الصحراء، إنه ثعبان كوبرا يمكن لسمّه أن يقتل رجلاً في بضعة دقائق.
- حذار من السّم ـ نبهه الشاب.
لكن الخيميائي الذي أدخل يده في الحجر لا بد أن يكون قد لُسع، على الرغم من ذلك كانت هيئته مشرقة.


الخيميائي رجل طاعنٌ في السن وهو يبلغ من العمر مائتي عام. هكذا كان قد قال له الانكليزي، ولابد أنه يعرف كيف يتعامل مع ثعابين الصحراء.


رأى الشاب صاحبه يعود إلى حصانه، ويتناول سيفه الهلالي الكبير، وبه رسم دائرة على الأرض، ثم وضع الأفعى وسط هذه الدائرة، وفي الحال شلّت حركتها.


- لاتقلق ـ قال الخيميائي ـ فهي لن تخرج من هنا أبداً، وقد اكتشفت الحياة في الصحراء، إنها العلامة التي أحتاجها.


- لِمَ ؟ هل لذلك أهميّة كبيرة؟
- لأن الأهرامات تقع وسط الصحراء.
لم يكن الشاب يريد أن يسمع حديثاً عن الأهرامات، فؤاده كان مُجهَداً وحزيناً منذ مساء الأمس، وجدّه في طلب الكنز يعني في الحقيقة تخليه عن فاطمة.


قال الخيميائي: سأقودك عبر الصحراء.
- أريد البقاء في الواحة ـ أجاب الفتى ـ لقد التقيت بفاطمة، وهي أغلى لدي من أي كنز,
- فاطمة بنت الصحراء، فهي تعلم أن على الرجال الرحيل كي يعودوا. هي وجدت كنزها الذي هو أنت، وهي تنتظر منك أن تجد ماتبحث عنه.
- وإن قررتُ البقاء؟
- ستكون مستشار الواحة، وستملك من الذهب مايكفي لشراء عدد جيد من الأغنام والجمال وستتزوج فاطمة، وستعيش سعيداً.


في السنة الأولى ستتعلم حب الصحراء، وستعرف كل نخلة من أشجار نخيلها الخمسين ألفاً، ستدرك كيف تنمو، وسوف تريك عالماً لا يتوقف أبداً عن الغيير، وستصبح ضليعاً في تحليل العلامات، لأن الصحراء أعظم معلّم بين المعلّمين.


في السنة الثانية، ستتذكر وجود الكنز، والعلامات ستحدّثك عنه بإلحاح، وستحاول ألا تهتم بذلك، وستسخّر معارفك لخير الواحة وساكنيها فقط، وسيكون شيوخ القبائل في غاية الامتنان لك، وجِمالك ستجلب لك الغنى والسلطة.
في السنة الثالثة، ستستمر العلامات في التحدّث عن الكنز، وعن أسطورتك الشخصيّة، ستقضي الليالي هائماً على وجهك في الواحة، وستصبح فاطمة حزينة لأن مسيرتك انقطعت بسببها، لكنك ستستمر في حبها لك وستتقاسمان هذا الحب، ستتذكر أنها لم تطالبك البقاء، لأنها امرأة من الصحراء، تحسن انتظار عودة زوجها، لن تحقد عليها، لكنك ستمشي الليالي في رمال الصحراء، وسط أشجار النخيل، ظانّاً أنك ربما كنت تستطيع متابعة طريقك، مُعتمداً أكثر على حبك لفاطمة، لأن ما سيجعلك تبقى في الواحة هو فقط خوفك من عدم تمكّنك من الرجوع إليها أبداً، وعندما تصل إلى هذا الحدّ فإن العلامات ستبيّن لك أن كنزك قد توارى إلى الأبد تحت التراب.


في السنة الرابعة، ستتخلى عنك العلامات، لأنك لم ترد الاصغاء لها وسيفهم ذلك شيوخ القبائل وسوف تُخلع من عملك كمستشار، ستصبح عندئذٍ تاجراً ثريّاً، يملك عدداً من الجِمال، ووفرة من البضائع، لكن ستقضي مابقي من أيامك هائماً وسط أشجار النخيل والصحراء، وأنت تعرف أنك لم تكمل أسطورتك الشخصيّة، وعندما يحصل ذلك فهذا يعني أنه لم يكن يحباً حقيقياً، ذاك الذي يتكلّم اللغة الكونية.


محى الخيميائي الدائرة التي خطّها على الرمل، وثعبان الكوبرا هرب بسرعة ليختفي بين الحجارة.


كان الفتى يتخيّل تاجر الزجاجيّات الذي طالما أراد الذهاب إلى مكة، والانكليزي الذي يبحث جاهداً عن الخيميائي، وامرأة تثق بالصحراء التي ساقت إليها الانسان الذي أحبه قلبها.


امتطيا حصانيهما، وفي هذا المرّة فإن الشاب هو الذي تبع الخيميائي. كانت الريح تحمل ضجيج الواحة، وكان الشاب يحاول التعرّف على صوت فاطمة، ففي ذلك اليوم لم يتمكّن من الذهاب إلى البئر بسبب المعركة. لكن في تلك الليلة، وبينما كان يشاهد الثعبان داخل الدائرة، فإن الفارس الغريب مع صقره الذي يحط على كتفه، قد تكلّم عن الحب والكنوز وعن نساء الصحراء وعن أسطورته الشخصيّة.
- سأذهب معك ـ قال الشاب، وأحس فوراً بالأمان يستقر في داخله.
- سننطلق غداً قبل شروق الشمس.
كانت هذه هي إجابة الخيميائي الوحيدة.


× × ×


لم يستطع الشاب أن ينام تلك الليلة، فقبل الفجر بساعتين أيقظ وحداً من الفتيان الذين في الخيمة، وطلب منه أن يرشده إلى مكان سكنى فاطمة.
خرج الإثنان وذهبا إلى هناك.


وبالمقابل أعطى الشاب لديله مايكفي لأن يشتري له نعجه، ثم ترجاه أن يبحث عن خيمتها، وأن يوقظها، ويخبرها بأنه ينتظرها في الخارج، نفذّ الفتى العربي مهمّته، وتلقى كأجر مالاً يكفي لشراء نعجة أخرى.


- الآن دعنا وحدنا ـ قال للفتى الذي عاد وهو يشعر بالسعادة لمساعدته مستشار الواحة، وماكسبه من مال يكفي لشراء نعجتين.


ظهرت فاطمة على باب الخيمة، فراحا يتمشيّان معاً وسط أشجار النخيل، كان يعلم أن هذا مُخالف للتقاليد التي يقدّر أهميّتها في هذه اللحظة.
قال:
- سأرحل وأريد أن تعلمي أنني سأعود، أنا أحبك لأن ...
- لاتقل شيئاً ـ قاطعته فاطمة ـ إننا نحب لأننا نحب، لايوجد سبب آخر كي نحب.


مع ذلك فقد استأنف:
- أحبكِ لأنني رأيت حلماً، ثم التقيتُ ملكاً، بعت الزجاجيّات، عبرت الصحراء، ثم تقاتلت العشائر، وجئت قرب بئر لأعلم أين يسكن خيميائي، أحبك لأن الكون كلّه قد تضافر ليوصلني إليكِ.


تعانقا، وكانت تلك المرة الأولى التي يتلامس فيها جسداهما.
- سأعود ـ قال الشاب أيضاً.


- من قبل، عندما كنت أنظر إلى الصحراء، فقد كنت أنظر إليه بشوق، أما الآن فسوف يستحيل هذا الشوق إلى أمل، فقد سافر والدي ذات يوم، لكنه عاد إلى أمي، ومايزال يعود في كل مرة يسافر فيها.


لم يقولا شيئاً بعد، وإنما مشيا قليلاً وسط صريمة النخيل ثم أوصلها حتى مدخل خيمتها.
- سأعود مثلما عاد أبوكِ إلى أمكِ ـ قال لها، وقد لاحظ أن عينيها قد اغرورقتا بالدموع.

- أنتِ تبكين؟
- صحيح أنني بنت الصحراء ـ أجابت وهي تخفي وجهها ـ لكنني امرأة فوق كل اعتبار.
عادت فاطمة إلى خيمتها، بينما كانت الشمس تشرف على الشروق، وعند مطلع النهار ستخرج لتفعل ماكانت تفعله منذ سنوات، لكن كل شيء قد تغيّر، فالشاب لم يعد في الواحة.