×

مشيا نهاراً كاملاً، وعند هبوط المساء وصلا أمام ديرقبطي، فطلب الخيميائي من مرافقيه العودة وترجَّل، ثم قال للشاب
:
-
ستذهب منذالآن بمفردك، لم يبق لك إلا ثلاث ساعات من السير كي تصل إلى الأهرامات.
أجابالشاب:
-
شكراً، إنك علّمتني اللغة الكونية.
-
لم أعمل إلا على تذكيرك، بماكنت تعرفه مسبقاً.
قرع الخيميائي باب الدير، وجاء راهب يرتدي السواد ليفتح لهماالباب، تحادثا للحظات باللغة القبطية، ثم أدخل الخيميائي الشاب.
-
طلبتُ منه أنيسمح لي باستعمال المطبخ لبعض الوقت ـ قال الخيميائي.
ذهبا إلى مطبخ الدير،أشعل الخيميائي النار، وأحضر الراهب قليلاً من الرصاص الذي صهره الخيميائي في وعاءمن الحديد، وعندما صار الرصاص سائلاً تناول من جعبته البيضة الصفراء الزجاجيةالغريبة التي كانت بحوزته، وكشط عنها قشرة لتتجاوز سماكتها الشعرة، وغلّفها بالشمع،ورماها في الإناء الذي كان يحتوي على الرصاص المصهور، تلوّن المزيج بالأحمر القاني،عندئذٍ رفع الخيميائي الوعاء عن النار، وتركه يبرد، وبانتظار ذلك تجاذب أطرافالحديث مع الراهب الذي كان مساءً ـ فمنذ زمن طويل، قد شلّت حركة القوافل في الجيزةبانتظار نهاية النزاع.
-
لكنّها مشيئة الله.
-
آمين ـ أجاب الخيميائي.
عندما برد المستحضر، نظر الراهب والشاب بتعجّب، فالمعدن كان قد جفّ حول الجانبالداخل للإناء، لكنّه لم يعد من الرصاص وإنما أصبح من الذهب.
-
هل أستطيع أنأتعلّم مافعلته؟ سأل الشاب.
-
إنها أسطورتي الشخصيّة، وليست أسطورتك ـ أجابالخيميائي ـ لكنني أردت أن أبيّن لك أن هذا ممكن.
عاودا إلى مدخل الدير، وهناكجزّأ الخيميائي القرص إلى أربع قطع متساوية.
-
هذه لكَ ـ قال وهو يقدّم واحداًمن هذه الأجزاء إلى الراهب ـ لقاء كرمك تجاه الحجّاج.
-
هذا أكثر مما أستحقبكثير ـ أجاب الراهب.
-
لاتتكلّم هكذا، فإن الحياة تستطيع أن تسمعك، وتعطيكالأقل مرة أخرى.
ثم اقترب من الشاب:
-
هذا لك كي أعوّضك الذهب الذي سُلبمنك، وبقي في حوزة الزعيم الحربي.
أوشك الشاب أن يقول أن هذا أكثر بكثير مماخسره، لكنه سمع ماقال الخيميائي للراهب، فأمسك عن الكلام.

-
أما هذه الحصةفهي لي ـ قال الخيميائي ـ لأنه ينبغي عليّ أن أعود من جديد مجتازاً الصحراء، والحربمازالت مستمرّة بين العشائر.
تناول حينذاك القطعة الرابعة، وأعطاها للراهبأيضاً، هذا الجزء من أجل الشاب الموجود هنا في حال احتاج إليها.
أجاب الشاب:
-
لكنني ذاهب للبحث عن كنزي، وها أنذا صرت قريباً جداً منه الآن.
-
وأنامتأكد من أنك ستجده ـ قال الخيميائي.
-
إذن لماذا هذا الجزء الإضافي؟
-
ذلكلأنك فقدت المال الذي جنيته مرتين في غضون سفرك، مرة مع اللص، وأخرى مع الزعيمالحربي، وأنا عربي عجوز أعتقد بحكم وأمثال بلدي، وإليك واحداً منها: مايحصل مرةيمكن ألا يحصل ثانية أبداً، لكن مايحصل مرتين يحصل بالتأكيد مرة ثالثة.
ثمامتطيا فرسيهما.

أوّد أن أقصّ عليك قصّة عن الأحلام ـ قال الخيميائي.
قرّب الشاب حصانه منه.
- "
في روما القديمة، وفي عهد الإمبراطور تيباريوس،عاش رجل طيب، كان أبا لولدين، الأول انخرط في الجيش، وأُرسل إلى أقصى أقاليمالإمبراطورية، والثاني كان شاعراً سحر روما بشعره، البديع.
ذات ليلة حلم الأبحلماً، فقد ظهر عليه ملاك ليقول له أن كلام واحد من أبنائه سيُعرف وسيُرَدّد فيالعالم بأسره، وعبر أجيال المستقبل كلّها. أفاق الرجل العجوز وهو يبكي من الفرح لأنالحياة أظهرت له سخاءها، وتجلّى له الوحي يبشّره بشيء يجعل من أي أب كان أباًفخوراً.
بعد زمن وجيز، مات الأب وهو يحاول إنقاذ طفل أوشك أن يُدهس تحت عجلاتعربة، ولمّا كان عادلاً وطيّباً في سلوكه طيلة حياته، فقد صعدت روحه إلى السماءمباشرة، وهناك التقى الملاك الذي كان قد تراءى له في الحلم.
-
لقد كنتَ رجلاًطيّباً ـ قال له الملاك ـ عشتَ مُحاطاً بالحب، ومت بكرامة، أستطيع الآن أن أحقق لكواحدة من أمنياتك.
-
الحياة أيضاً كانت جميلة بالنسبة لي ـ أجاب العجوز ـوعندما ظهرت لي في الحلم، قد فهمت أن في هذا مباركة لي، لأن أشعار ولدي ستبقى فيذاكرة الناس إلى الأبد، فأنا ليس لدي أيّ طلب من أجل نفسي، غير أن كل أب يعتزّبمشاهدة من رعاه صغيراً وهذّبه يافعاً، ذائع الصيت، أتمنى أن تريني كلمات ابني فيالمستقبل البعيد.
ربّت الملاك على كتف العجوز، ومن ثم انقذفا معاً إلى مستقبلبعيد، فشاهدا أمامها ساحة مكتظّة بآلاف الناس الذين يتكلّمون بلغة غريبة.
بكىالعجوز فرحاً، كنت اعلم ـ قال للملاك ـ أن أشعار ابني جميلة وخالدة، ألا تريد أنتقول لي أيّا من قصائده التي يرددها هؤلاء الآن؟
اقترب منه الملاك عندئذٍ،بكثير من اللباقة، وجلسا على أحد مقاعد تلك الساحة الفسيحة وقال له:
-
قصائدابنك الشاعر، كانت شعبيّة جداً في روما، وكل الناس قد أحبوها، واستمتعوا بها، ولكنعندما انتهى حكم تيباريوس، فإنهم نسوها، الكلمات التي يردّدها هؤلاء الناس الآن هيكلمات ابنك الآخر، الجندي.
نظر العجوز للملاك بدهشة، وتابع الملاك:
-
ابنكذهب للخدمة العسكرية في ولاية بعيدة، وصار قائد المائة (سانتوريون) لقد كان رجلاًطيّباً وعادلاً، ذات مساء مرض أحد خدمه وأشرف على الموت، وسمع ولدك برجل اسمه يسوع،كان يشفي المرضى، فقضى أياماً طوالا بالبحث عنه، أثناء تجواله، اكتشف أن من يبحثعنه هو ابن الإله، وقد التقى أشخاصاً آخرين، وقدّر لهم الشفاء على يديه.
فبدأيتعلّم تعاليمه، ورغم أنه قائد مئة، فقد اعتنق دينه، أخيراً ذات صباح جاء إلى جواريسوع، روى له أن أحد خدمه كان مريضاً وأبدى يسوع استعداده لمرافقته حتى بيته، لكنقائد المائة، كان رجلاً مؤمناً، فعندما نظر إلى يسوع بعمق، أيقن أنه كان بحق يقفأمام ابن الله، فقد كان الناس المحيطون به ينهضون إجلالاً له.
كانت هذه كلماتابنك ـ قال الملاك للعجوز. الكلمات لم تكن لتُنسى إطلاقاً: " يارب لست مستحقاً أنتدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة لاغير فيبرأ فتاي ".
حثّ الخيميائي حصانه علىالسير.
-
على أية حال، إن كل شخص على الأرض يلعب الدور الرئيس في سيرة العالموهو لايدري.
ابتسم الشاب، لم يكن قد تصوّر إطلاقاً، أنه من الممكن للحياة أنتكون مهمّة جداً بالنسبة لراعٍ.
-
وداعاً ـ قال الخيميائي.
-
وداعاً ـأجابه.

× × ×

مشى في الصحراء لمدة ساعتين ونصف الساعة، محاولاًالاصغاء بانتباه لحديث قلبه، فهو الذي سيكشف له المكان المخبأ فيه الكنز.
وتذكّر ماكان الخيميائي يقول: حيث يكون كنزك، يكون قلبك.
لكن قلبي كانيتحدّث عن أشياء أخرى، فقد كان يروي بكبرياء سيرة راعٍ ترك أغنامه من أجل اللحاقبحلم حلم به مرّتين، كان يتحدّث عن الأسطورة الشخصيّة، بالنسبة لكل الرجال الذين قدعملوا الشيء نفسه، ورحلوا بحثاُ عن أراضِ جديدة أو نساء حسناوات، متصدّين لرجالعصرهم، بما حملوا من أفكار وادّعاءات.
طيلة هذه المسافة، كان يتحدّث عنالاكتشافات، عن الكتب، عن الاضطرابات الكبيرة، وبينما كان يجهّز نفسه لتسلّق كثيّبرملي، سمع قلبه يهمس ـ انتبه جيّداً إلى المكان الذي ستبكي فيه، لأنه هو المكانالذي أوجد أنا فيه، وهو المكان الذي تجد كنزك فيه.
أخذ بتسلّق الكثيّب ببطء،كانت السماء مليئة بالنجوم، والبدر يضيئهما من جديد، كانا قد مشيا شهراً كاملاً فيالصحراء، وهاهو القمر يضيء الكثيب، وأخذ سحر الظلال يعطي الصحراء هيئة البحرالهائج، كان يعود ويذكر الشاب باليوم الذي أرخى فيه لجام حصانه، وأعطى للخيميائيالعلامة التي كان ينتظرها. كان ضوء القمر يغمر صمت الصحراء، وذلك السفر الطويل الذييقوم به الرجال بحثاً عن الكنوز.
وعندما وصل بعد عدة دقائق إلى قمّة الكثيّبخفق قلبه في صدره: هاهي ذي أمامه تنتصب بعظمة وجلال أهرامات مصر، يضيئهما ضوءالقمر.
جثا على ركبتيه وبكى، وشكر الله لأنه آمن بأسطورته الشخصيّة، وللقائهذات يوم ملكاً وتاجراً وانكليزياً وخيميائياً، وفوق كل ذلك لقاؤه بامرأة من الصحراءجعلته يفهم أنه لايمكن للحب أبداً أن يبعد الانسان عن أسطورته الشخصيّة.
كانتالأهرامات بما مر عليها من أجيال تراقب من عليائها ذاك الذي عند أقدامها، لو أرادلكان باستطاعته الآن العودة إلى الواحة، والزواج من فاطمة، والعيش كراعٍ بسيطللغنم، لأن الخيميائي كان يعيش في الصحراء، على الرغم من أنه يفهم لغة العالم، وعلىالرغم من انه خبر تحويل الرصاص إلى ذهب، ولم يكن بحاجة لأن يشرح لأحد علمه وفنّه. وبينما هو ذاهب لتحقيق أسطورته الشخصيّة، كان قد تعلّم كل ما كان بحاجة لمعرفتهوعاش كل ما حلم أن يعيشه.
هاهو ذا قد توصّل إلى كنزه، والإنجاز لايتم إلا عندإدراك الهدف، هناك من على قمة الكثيّب بكى. نظر إلى الأرض فرأى في المكان الري سقطتفيه دموعه جعلاً يمشي، وقد تعلّم مما أمضاه في الصحراء أن الجعلان رمز للإله فيمصر.
إنها علامة أيضاً، لذلك فقد بدأ يحفر، متذكّراً تاجر الزجاجيّات: حتى لوأمضى الانسان حياته كلّها في تكويم الأحجار، فإنه لن ينجح إطلاقاً في بناء هرم فيحديقته.
حفر في المكان المحدد طيلة الليل، دون أن يجد شيئاً، ومن أعاليالأهرامات، كانت القرون الغابرة تتأمّله بصمت، لكنّه لم يتراجع، كان يحفر ويحفر دونتوقف، مصارعاً الريح التي كانت تعيد أكثر من مرة الرمل إلى داخل الحفرة، وتعبت يداهوجُرحتا، لكنه استمر بالاعتقاد بقلبه، وقلبه قال له أن يحفر في المكان الذي ستسقطفيه دموعه.
فجأة، وبينما كان يحاول انتزاع بعض الأحجار التي كان قد كشف عنها فيالصباح، سمع وقع خطى ... بضع رجال كانوا يقتربون، وبما أن القمر كان خلفهم فإنه لميستطع رؤية عيونهم أو وجوههم.
-
ماذا تفعل هنا؟ سأل أحد القادمين.
لم يجببشيء، لكنه خاف، فعليه أن ينبش كنزه من التراب ولهذا خاف.
-
نحن لاجئوا حرب ـقال آخر ـ ونريد أن نعرف ما تخبئ هنا، فنحن بحاجة إلى المال.
-
أنا لم أخبئشيئاً ـ أجاب الشاب.
لكن أحد الرجال أخذه من ذراعه، وجرّه خارج الحفرة، وأخذآخر بتفتيشه.
ووجدوا قطعة الذهب التي كانت في إحدى جيوبه.
-
إنه يملك الذهبـ قال أحد المهاجمين.
أضاءت أشعة القمر وجه ذلك الذي كان يفتّشه، وفي عينيه رأىحتفه.
-
لابد أن يكون لديه أيضاً من الذهب المخبأ في الأرض ـ قال آخر:
اجبروه على مواصلة الحفر، ولأنه لم يجد شيئاً فقد انهالوا عليه ضرباً. ضربوهزمناً طويلاً، حتى ظهور خيوط الشمس الأولى، ثيابه صار مزقاً وأحسّ بأن الموت صارقريباً.

-
مانفع المال، إن كان على المرء أن يموت؟ فإنه لمن النادر أنيستطيع المال إنقاء أحد من الموت ـ هكذا قال الخيميائي.
-
ابحث عن الكنز ـ قالأخيراً، وعلى الرغم من الجروح التي أدمت فمه المتوّرم إثر اللكمات التي تلقّاها،فقد روى لمهاجميه أنه كان قد حلم مرّتين بكنزٍ مطمور على مقربة من أهرامات مصر.
ذاك الذي يبجو عليه زعيمهم، بقي صامتاً لفترة، ثم توجّه إلى واحد من أتباعه.
-
نستطيع أن نتركه ينصرف، فليس معه شيء آخر، وهذا الذهب قد سرقه على الأرجح.
سقط الشاب منكبّاً على الأرض، وعينان اثنتان كانتا تبحثان عن عينيه، لقد كانزعيم العصابة، لكن الشاب كان ينظر صوب الأهرامات.
-
هيا بنا نذهب ! قال الزعيملأصحابه ثم التفت نحو الشاب قائلاً :
-
لن تموت، سوف تعيش، وتعلم أنه ليس من حقالمرء أن يكون غبيّاً بهذا القدر، فهنا بالضبط، وفي هذا المكان الذي أنت فيه الآنومنذ عامين تقريباً، كنت قد حلمت بحلم تكرر، حلمتُ أنه كان ينبغي عليَّ الذهاب إلىإسبانيه، أبحث في الريف عن كنيسة صارت أطلالاً، حيث كان الرعاة يذهبون إليها غالباًمع أغنامهم، وحيث تنبت شجرة جميز في الموهف، وأنني لو حفرت عند أسفل شجرة الجميز،لوجدتُ كنزاً مخبّأ، لكنني لستُ غبيّاً للحد الذي يجعلني أجتاز الصحراء كلّها، فقطلأنني حلمت بالحلم نفسه مرّتين، ثم انصرف.

نهض الشاب بصعوبه، ونظر مرة أخرىإلى الأهرامات.
ابتسمت له الأهرامات، وابتسم لها هو بالمقابل، وقلبه مفعمبالفرح.
كان قد وجد كنزه !

× × ×

::
الخاتمة ::

كانيدعى سانتياغو
وصل إلى الكنيسة الصغيرة المهجورة، عندما كان الليل على وشكالهبوط.
كانت شجرة الجميز ماتزال في الموهف، وكان مايزال بالإمكان رؤية النجومتلمع من خلال السقف المتهدّم، وتذكّر أنه جاء ذات مّرة إلى هناك مع أغنامه، وكان قدأمضى ليلة هادئة باستثناء الحلم الذي رآه.
إنه هناك الآن بلا قطيعه لكن كان معهمجرفة.
بقي وقتاً طويلاً يتأمّل السماء، ثم تناول من جعبته زجاجة من الخمر،وفجأة تذكّر تلك الليلة في الصحراء، والتي شاهد فيها النجوم وشرب الخمر أيضاً معالخيميائي، لقد تذكّر كل الدروب التي سلكها، والطريقة الغريبة التي أظهر الله بهاكنزه، ولو أنه لم يكن يؤمن بالأحلام التي كانت تتكرّر، لما كان قد التقى الغجريّةولا الملك العجوز ولا اللص لا ... القائمة طويلة جداً، هذا صحيح، لكن الدرب كانتمرسومة بالعلامات، ولم يكن هناك سبب لأضلّ الطريق ـ قال في نفسه.
نام دون أنيعرف كيف نام، وعندما أفاق كانت الشمس في أوج إشراقها، عندها أخذ يحفر عند أسفلشجرة الجميز.
-
أيها الساحر العجوز ـ حدّث نفسه ـ كيف تحيط علماً بكل شيء، حتىأنك كنت قد تركت لي قليلاً من الذهب كي أستطيع العودة حتى هذه الكنيسة. لقد ضحكالراهب كثيراً عندما رآني أعود بثوب رث ممزّق، ألم يكن بإمكانك أن توفّر علي كل هذاالعناء؟
سمع الريح تجيبه:
-
لا، فلو كنت قد قلت لك ذلك لما كنت رأيتالأهرامات، فهي جميلة جداً، ألم تجدها كذلك؟
كان هذا هو صوت الخيميائي، ابتسمثم أخذ يحفر، وبعد انقضاء نصف ساعة، اصطدمت المجرفة بشيء قاس، وبعد ساعة كان هناكأمامه صندوق مليء بقطع الذهب الأسبانيّة القديمة، كان فيها أيضاً أحجار كريمة،وأقنعة ذهبيّة مزيّنة بريش أحمر وأبيض، وتماثيل مرصّعة بالألماس، إنها مخلّفات فتحكانت البلاد قد نسيتها منذ زمن بعيد، وكان الفاتح قد نسي أن يذكرها إلى أحفاده.
سحب من جعبته أوريم وتوميم، فهو لم يكن قد استخدم هاتين الحجرين إلا مرة واحدةذات صباح في السوق الأسبوعي.
الحياة ودربه كانتا محفوفتين دائماً بالعلامات.
وضع أوريم وتوميم في صندوق الذهب، فهاتان الحجران تمثّلان هنا أيضاً جزءاً منكنزه، فربّما تذكّرانه بذلك الملك العجوز الذي لن يلتقيه بعد الآن أبداً.
-
فيالحقيقة إن الحياة كريمة مع من يعيش أسطورته الشخصيّة ـ قال في سرّه.
وتذكّرعندئذٍ بأن عليه الذهاب إلى مدينة طريفه، ليعطي العشر من كل هذا للغجريّة.
-
كمالغجر خبثاء ! قال لنفسه ـ ربّما لأنهم يرتحلون كثيراً.
لكن الريح أخذت تعصف،إنها الريح الشرقيّة القادمة من إفريقية، فهي لم تكن تحمل رائحة الصحراء، ولاخطرغزو عربي.
وعِوضاً عن ذلك، كانت تحمله رائحة عطر يعرفه جيّداً، وهفيف قبلة وصلتبرفق، وبكل رفق، لتستقرّ على شفتيه.

ابتسم، تلك كانت المرّة الأولى التيتفعل بها هذا، وصاح قائلاً:
-
ها أنذا يا فاطمة، إني قادم.

*
تمـــت *