شكرا لج ع طرح القصص
|
|
قصص
المؤلف:محمد أبو معتوق
رجل ضرير
في البيت الموصد سمع الأعمى أزيز ذبابة زرقاء»1»... ففكر.
هل بوسعه أن يتذكر الجثة التي غادرتها الذبابة آخر مرَّة, وهل بمقدوره أن يحدد لون الدم الذي يعبر جسدها ليصل إلى أجنحتها الزرقاء.
ما الذي يحاوله لتهدئة الطنين..؟ هل يقعد في الزاوية ويتوسل لإسكات رائحة الموت التي تبشر به الذبابة بالقليل من الغناء.
بعد ترقب وإصغاء حاول أن يتحسس عصاه.. رغم أنه يعرف بأن العصا لا تنجح دائماً بإبعاد الذباب.
نظر في ساعته الداخلية... فأحس بأن زوجته تأخرت... فتابع الإصغاء لاستغاثات الذبابة التي ملأت الهواء.
كانت النوافذ موصدة, فكيف دخلت الذبابة وعاثت في المكان, لم تكن المرايا والأضواء تقدم للرجل علامة واحدة تذكره بسحر الذبابة وفتنة الألوان...
لذلك رفع عصاه وبدأ بمطاردة ذبابة تئز في روحه ومخيلته, وكانت عصاه تقصف الجهات بقوة وانفعال.
وبعد كل ارتطام... كان يشعر بالرضى... دون أن ينتبه لشظايا الزجاج.
عندما أجهز بعصاه على المرآة الأخيرة والنافذة الأخيرة واجتاحته تيارات الهواء, شعر بالرضى... وقرر أن يخبر زوجته التي تأخرت في الوصول بأن الهواء هو الذي كسّر النوافذ وليس الذبابة الزرقاء.
بعد انتظار جاء من يخبره... بأن زوجته بسبب السيارات الكثيرة المسرعة لم تعد موجودة في مكان.. عند ذلك عرف السبب الذي من أجله جاءت الذبابة الزرقاء.
رجـل طمـوح
الرجل يصعد إلى الأعلى أحياناً وينزل إلى الأسفل دائماً.
المصعد أيضاً يصعد إلى الأعلى دائماً, وينزل إلى الأسفل دائماً.
الرجل بسبب الضغط الدائم والنزول الدائم فكر بالانتحار.
المصعد رغم الضغط الدائم على الأزرار لم يفكر بالانتحار.. الرجل قال لذويه وخلصائه المستغربين:
لا تستغربوا.. حياتكم مثل حياة المصعد... فيها مسافة للصعود والهبوط , أما أنا فلا صعود وإنما هبوط طويل.. لذلك أفكر بالانتحار, لأنه الطريقة الوحيدة التي تمكن روحي من الصعود إلى السماء.. الجميع شهقوا من الدهشة والانفعال, ثم حملوه وألقوا به من النافذة المرتفعة... ليمنعوه من الانتحار.
رجل مائل
كان يدفع غالياً ثمن اليقظة, ويدفع غالياً ثمن الغيبوبة.
ما يشغله... بريق الكأس الممتلئ, ما يحزنه... شحوب الكأس الفارغ.
وبين الفارغ والممتلئ كان يتعثر كثيراً ليصل إلى البيت.
وعندما يصل... يحس باستوائه ومنعته.
وبأن الأشياء تميل.... إلا هو.
النادل يميل أيضاً... يميل إلى أذنه ليهمس بالثمن الفادح, وعندما يخرج... يلحق النادل به.
كأنما ليعطي الأوامر للأشياء التي تجاوره لتميل, عندها أحس بأن النادل يسخر منه, ومن ظلاله ومن بقايا نشوته.
هاهي الكأس تميل في رؤياه.. ولا تنسكب وهاهي الطاولة تميل.... ولا تنسكب والكرسي يميل... ولا ينسكب.
وحده كان لا يميل.. ووحده كان ينسكب..
مرة إلى جوار وحدته ومرّة على الرصيف.
رجـل كسول
بعد أن أصيب بالحمى صاح:
لا أحب السفر ولا الذهاب إلى المدن الأخرى للعلاج.
أحس بالعالم كله عندي ولا حاجة بي لزيارة أي بقعة في المكان والزمان.
صور النساء على الشاشة البراقة أمامي تفتنني أكثر من النساء المترقبات في الزوايا وعلى الطرقات.
وكان لديه الحق, فالأفلام المتلاحقة أعطته معرفة كبرى.. واحتقاناً مزمناً في العينين والصفات, وبسبب التحديق الدائم.. صار يعرف أمريكا أكثر من الأمريكيين.
وعندما يسأله أحد عن نفسه... يحار كيف يجيب.
وهاهو المرض يحيط به مثل فلم مريع... فيلتفت لجهاز التحكم, ويبدأ بالضغط على الأزرار بحثاً عن الخلاص.. يحاول ذلك ليعزل نفسه عن فيروسات الدهشة والحمى التي تشعث الصور والذكريات.
ثم يغفو إلى جوار نفسه, كأنما يغفو إلى جوار شخص لا يعرفه مترقباً أن تمتد يد امرأة من الشاشة لتضمه إلى صدرها وتمسح عنه الأحزان.
لذلك يسقط وحيداً
أما النساء الباهرات في البيوت والطرقات فيتابعن البحث عن الرجال الأحياء الذين لا ينفعلون بصورة الحياة والنساء, وإنما بحضورهن النابض البليغ.
رجل في الخمسين
بعد أن تجاوز الرجل الخمسين... أصيب بالمرض وبدأ ينتظر ويرتجف.
أصدقاؤه قالوا سيموت وهو ما يزال في عمر الشباب.
وقال أحد المقربين المرحين للرجل, ستذبل وتموت مثل وردة عمرها خمسون عاماً, فضحك الجميع وضحك الرجل المريض أكثر من سواه مما دفع الحاضرين للمزيد من السخريات.
الصديق المرح قال: عمر الذبابة أسبوع واحد.. تنفق نصفه على الوجوه والمآقي, وتنفق نصفه الآخر فوق المياه الراكدة وجبال النفايات... لتكمل دورة الموت والحياة.
فاستغرب البعض وصدّق بعضهم الآخر, وتابع الرجل فقال: عمر الفراشة عدد قليل من الأيام... وألوان فاتنة.. ورغم ذلك يجرؤ الموت على مطاردة هذا الجمال.
ثم تابع الرجل فقال: عمر النملة شهور... واحتباس تحت التراب.. وكأنها ملاحقة بتهم كثيرة, لعل أقلها عدم إجادة الغناء.
فسأله أحد الحاضرين عن الدجاج فتأمله وقال:
عمر الدجاجة شهر ونصف في المدجنة وسنة في الحقل.. وبيوض مسروقة في كل مكان.. وعمر الخروف ستة أشهر وسكاكين.. وليس من فرصة للقاء نعجة عاشقة في الجوار... أما العصافير فعمرها أعوام في القفص وأشهر عاصفة في البرية.. وصيادون لا يلتفتون إلى الله الذي يملأ السماء.
وعندما سأله المريض عن البشر قال:
عمر البشر والأفاعي يتجاوز الخمسين من الأعوام.
الأفعى تغير جلدها كل سنة... والإنسان يغير روحه كل دقيقة,لذلك تتدفق الحياة فيهم دون حساب.. ورغم ذلك ينفق البشر الكثير من أيامهم في الحديث عن الأعمار القصيرة, والسنوات التي بخلت بها السماء.
عندما أتمَّ الصديق المرح الكلام, نهض المريض من فراشه, وارتدى أجمل ثيابه.. وودع الحاضرين ومضى, وقبل أن يغلق الباب قال: منذ مدَّة طويلة لم أتأمل السماء.
رجـل متشدد
كيف يستطيع الزجاج وحده أن يمنحنا هذا القدر من الرؤيا..؟ هل تمكن الزجاج من الاحتفاظ ببريقه ونقاء سطوحه وعناصره, دون أن يحتمل نار التجربة ولهيب الأفران..
هل هو جزء مكسور من حجر الفلاسفة, أو بعض من المعادلة القاتلة, التي تحول التراب إلى ذهب.
بعد أن وضع الرجل ضعيف النظر, الزجاج الجديد لنظارته على نقطة استواء الضوء فوق أرنبة أنفه...تمكن بعد تحديق, من تحديد الأشياء وبعد تحليل وتأويل للنظرات والهواء, أوصل نفسه إلى رتبة التشدد في إطلاق التهم والأحكام, وظل في حالة تشدد حتى أوصل نفسه إلى مرتبة العماء التام.. فابتعد عنه حجر الفلاسفة, ولم يعد يخلصه من محنته نار التجربة, ولا الزجاج الصقيل.. ولا العثرات التي تتربص به في كل مكان.
يعطيج العافية ع القصص
[flash=http://www.shy22.com/upfiles/EBT85197.swf]WIDTH=600 HEIGHT=400[/flash]
شاكرة تواجدكم الرفيع،،
دمتم بخير،،