-
13 - 3 - 2010, 02:01 PM
#1
من أين لك هذا يا ....................؟؟؟؟؟
(من أين لك هذا)هو مبدأ شرعي- قانوني،ومقالة تاريخية معروفة أطلقها زعيم حكومة الخلافة الراشدة،الخليفة الثاني الإمام عمر بن الخطاب-رض-(634-644).وتولى عمر أمر الخلافة الراشدية بعد موت الخليفة الأول أبو بكر الصديق-رض-(632-634). وقد حكم عمر عشر سنوات ونصف إلى ان اغتيل في مسجد الرسول(ص) خلال إقامته لصلاة الفجر من قبل شخص فارسي اسمه فيروز ويكنى بأبي لؤلؤة, وكان أبو لؤلؤة هذا يعمل حدادا ونجارا لدى الصحابي المغيرة بن شعبة وغلاما له.
وكما يبدو من سياق الروايات التاريخية فأن عمرا اغتيل في ظروف تكتنفها الغموض, وتحيط بها الشكوك والشبهات والأسئلة من كل جانب, على هذا فهي بحاجة إلى أجوبة وبحث وتدقيق لأنه كيف يعقل ان رجلا فارسيا يقيم غريبا ووحيدا, مع عدد محدود جدا من الفرس المغمورين الغرباء الذين كانوا يعملون كخدم وكغلمان عند بعض من أثرياء الصحابة في المدينة المنورة، مركز الخلافة الإسلامية وعاصمتها بالجزيرة العربية , ان يقدم لوحدة على اغتيال زعيم الحكومة الراشدة وخليفتها وإمامها!؟
وبما إن هذا المقال أفردته للبحث حول موضوع العدالة الاجتماعية والسياسية والمفاسد الإدارية – الحكومية وأثرها سلبا وايجابيا على تطور المجتمع وازدهاره وتقدمه, أو تخلفه وانحطاطه. لهذا لااريد الخوض أكثر في مسألة اغتيال الإمام عمر التي هي في مهب الكثير من علامات الاستفهام والشكوك كما ذكرت قبل قليل، حيث أحيلها إلى وقت مؤات آخر.
وتجمع المصادر التاريخية الإسلامية على ان الخليفة الثاني عمر - رض - كان حاكما عادلا، وزعيما أمينا، وقائدا حازما شجاعا، وإماما ورعا تقيا، وكان خليفة شديد الحرص على امن الناس ومصالحهم وحقوقهم وكرامتهم على الصعيد الدنيوي والديني، المادي والمعنوي.
وهكذا فقد كان لعمر اجتهادات ابداعية جريئة في قضايا عديدة مثل تعطيله النص تجاه السارق في عام المجاعة، وقطع الفيء (الأرزاق) عن المؤلفة قلوبهم، مع وجود النصوص في الكتاب والسنة حولهما , لكنه وبحسب المصالح والظروف يوم ذاك أقدم على تأويل النصوص !. والى جانب ما ورد فقد كان عمر رحبا في تفكيره, واسعا في نظراته وآرائه, ولم يكن مستبدا في حكمه، بل انه كان كثير المشورة والاستشارة بأهل النظر والخيرة رجالا ونساء، حتى انه أسس مجلس للشورى للحكومة الراشدية، وكان المجلس يتألف من كبار الصحابة وأعيانهم كعلي وعثمان وعبد الله بن مسعود والزبير بن العوام وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم ، وذلك لتبادل النظر والآراء حول مختلف القضايا والأمور والمستجدات للحكومة الراشدة . وبحق لقد كان خلفاء الحكومة الراشدة كلهم هكذا خلال فترة حكمهم التي امتدت إلى نحو ثلاثة عقود، باستثناء النصف الثاني من حكم الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رض – (644) – 606 ) )حيث حصلت فيه خروقات ومفاسد إدارية – حكومية أدت بالنهاية إلى مصرع الخليفة عثمان واستشهاده وتصدع الفكر الإسلامي وتشعبه ، وانشطار الفقه السياسي الإسلامي والمجتمع الإسلامي وقتذاك بشكل عام، ولأجل ذلك نعتت هذه الأحداث في حينها بـ (الفتنة الكبرى)!.
وكان عمر دقيقا وحازما ومتواضعا في آن واحد في حكمه ورئاسته, مضافا انه كان واسع الصدر يتقبل النصح والنقد من أي شخص مهما كان حاله، أو وضعه الاجتماعي، وهو القائل في النقد (رحم الله امرىء أهدى إلىّ عيوبي) !.
وكذلك فأنه كان خلال فترة حكمه كلها يتمتع بخصلة هامة وخاصية راقية أخرى، أضاف بها إلى خصاله الرفيعة وهي عدم استغلاله الزعامة والرئاسة لجمع الملايين من الثروات، أو لأغراض شخصية وعائلية وقبلية، ونحن قلما نجد هذه الخصلة الحميدة والخاصية العظيمة متجسدة عمليا في الزعامات الحكومية والحزبية اليوم في الشرق، وفي دول العالم الثالث عموما للأسف البالغ !. ولأجل متابعة أحوال المسؤولين والولاة في كافة البلدان والأمصار بشكل أدق وصحيح, فأن عمر أسس جهازا، ومكتبا خاصا بهذا الشأن وإذا ما ثبت لديه بأن واليا من ولاته في احدى ولايات الحكومة الراشدة قد استأثر في مسؤوليته وأساء استخدامها، أو انه ظلم وطغى، أو انه استغل مسؤوليته المناطة به في جمع الثروات، فانه كان لا يغض البصر عنه مهما كان وزنه ووضعه الاجتماعي، بل انه كان يحاسبه ويعزله عن المسؤولية، وللمثال انه ( جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلما، فقال يا أمير المؤمنين، هذا مكان العائذ بك، قال له : عذت بمعاذ، ما شأنك . قال: سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفني بسوطه، ويقول : أنا ابن الاكرمين، وبلغ أباه ذلك، فحبسني خشية ان أقدم عليك، فكتب إلى عمرو : إذا أتاك كتابي هذا فأشهد الموسم أنت وابنك . فلما قدم عمرو وابنه، دفع الدرة (أي العصا) إلى المصري وقال : اضربه كما ضربك، فجعل يضربه وعمر يقول : اضرب ابن الأمير، اضرب الأمير، يرددها، حتى قال يا أمير المؤمنين : قد استقدت منه، فقال وأشار إلى عمرو : ضعها على صلعته، فقال المصري : يا أمير المؤمنين، إنما اضرب من ضربني، فقال : إنما ضربك بقوة أبيه وسلطانه، فاضربه إن شئت، فوالله لو فعلت ما منعك احد منه، حتى تكون أنت الذي تتبرع بالكف عنه، ثم قال : يا بن العاص، متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارا) وفي رواية ثانية (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) انظر كتاب (شرح نهج البلاغة) لمؤلفه ابن أبى الحديد ج 11 ص98 .
وقد كان عمر حين يعين ولاته يحصى أموالهم ويحقق فيها قبل ذهابهم إلى أمكنة ولاياتهم، وكذلك فأنه كان يشترط عليهم شروطا بشهود جماعة من الناس، ومن هذه الشروط عدم الاعتداء والظلم على أفراد المجتمع من الناحية الجسدية والمالية وغيرها، وعدم استغلال منصبه لجمع الثروات له ولأقربائه وحاشيته !. وعلى ضوء هذه السياسة الحكيمة والأمينة فأن عمر إن علم بأن أحدا من المسؤولين خرق العدل، ونكث بالشروط والعهود، واستغل منصبه لمآرب ذاتية فأنه كان لا يساوم قط على العدالة وحقوق الناس، وللمثال فأن عمرا صادر أموال أبى هريرة الذي كان واليه على البحرين، حينما علم وتوثق لديه انه بعد فترة من ولايته على البحرين، قد بلغ حدا كبيرا من الثراء، لذلك استدعاه فقال عمر لأبى هريرة : ( ألا تعلم أني استعملتك على البحرين وأنت حاف لانعل في رجليك!) فصادر عمر أموال أبى هريرة وعزله من جميع المسؤوليات !.
علاوة فقد صادر عمر ثروات العديد من ولاته التي كسبوها وجمعوها خلال تصديهم لمسؤوليات إدارية وحكومية، وهذه طريقة غير مشروعة يحاسب عليها القانون والشرع، طبعا إذا كان الحاكم عادلا !. ومن المسؤولين الذين صادر عمر أموالهم أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص والحارث بن وهب للأسباب المذكورة آنفا . وكان عمر يحقق معهم ويحاكمهم، ويوجه لكل واحد منهم هذا الخطاب : ( من أين لك هذا !؟ ) أي من أين جئت، وكيف جمعت كل هذه الأموال والثروات، وأنت قبل المسؤولية لم تكن تملكها ؟. فكان الوالي المسؤول يجيب، بأنه قد جمعها عن طريق التجارة، لكن عمر كان يرفض هذا التعليل بشدة، ويرد عليه بسرعة) والله ما بعثناك للتجارة !) وبعدها كان يصادر أموالهم، انظر نفس المصدر والجزء والصفحة، في الحقيقة إن الفقه السياسي الإسلامي قائم على الاجتهاد والتجديد والإبداع والعدل والمساواة والعقلانية والتصويت والشورى (الديمقراطية) والتعددية السياسية والفكرية، مع مراعاة الزمان وتطوراته وتغيراته ومقتضياته . لذا فالإسلام يرفض السلطة الدينية المطلقة والاستبداد والدكتاتورية، ومن يقول بغير ذلك فهو يريد إرجاع حكم يزيد ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك وحفيده الوليد وواليهم الحجاج، أو غيرهم كالخلفاء العباسيين والعثمانيين الذين كانت قصورهم تعج بالآلاف من الجواري، بالإضافة إلى هضمهم لحقوق المجتمعات واستبدادهم بالسياسة والحكم باسم الدين والخلافة .
لهذا اعتقد إن الحكام من طراز أبى بكر وعمر وعلي وحفيد معاوية (حفيد معاوية هو معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان . وكان هذا الحفيد رجلا عادلا وصالحا، لذا كان كالوردة الجميلة بين الأشواك المحدبة !) وعمر بن عبد العزيز وأمثالهم، وهم قليلون، قد لا يتكرر في التاريخ، وفي المجتمعات المسلمة، وبخاصة في مجتمعات عصرية فاقدة لحاكم عادل، أو لحكم صالح، أو مؤسسات قادرة على محاسبة الحكام والمسؤولين، إذا ما استعملوا مناصبهم لأغراض ذاتية .
وإذا كان في المجتمع مؤسسة قادرة (كما في بلاد الغرب) على المساءلة، فأن الحاكم، أو الوزير، أو غيره وان لم يكن عادلا ونزيها فأنه قد لا يتجرأ على الاختلاس، أو الظلم والاستبداد . على هذا الأساس يمكن القول بأن التربية الدينية والأخلاقية والوطنية، قد تكون لها دورها وتأثيرها، لكن ليس بالمطلق لان الإنسان كما يقول القرآن الكريم والدراسات الحديثة في علم الاجتماع له نزعة وحب كبير في جمع الأموال والثروات، وهكذا له نزعة في التسلط والاستبداد والاستيلاء والاستعلاء والظلم، ما إن وجد إلى ذلك سبيلا وبخاصة في مجتمع فاقد للقوة القانونية على ردعه، ويقول القران الحكيم حول حب الناس الشديد للمال
وتحبون المال حبا جما ) الفجر -20، أي إن الناس يحبون المال حبا كثيرا .
وقد تتهذب الجوانب السلبية الموجودة في كيان الإنسان وذاته بواسطة التعاليم والأخلاق الدينية والاجتماعية وغيرها، لكنها لا تمحى منه بالمرة، وبخاصة إذا ما وصل الإنسان إلى درجة الاستغناء، وسواء كان هذا الاستغناء على المستوى السياسي، أو السلطوي، أو المالي، أو غيره، ولم تكن في المجتمع مؤسسات قانونية توقفه عند حده في هذه الحال فأن الإنسان يستبد بالأمور فيطغي، والطغيان هو أعلى درجات الاستبداد والدكتاتورية كما يقول القرآن في هذا الأمر : ( إن الإنسان ليطغى ان رآه استغنى ) العلق -6-7
لذا فأن الحكم إذا استند على المرجعية القانونية والمؤسساتية، فأن الحاكم لا يستطيع ان يستبد بالأمور ،أو إن أقرباءه وإخوانه وحاشيته واولاده، وان سولت لهم أنفسهم لا يتمكنون من ظلم الناس والعدوان عليهم، أو التلعب بثرواتهم ومقدراتهم وكرامتهم إذن، فالطريقة الوحيدة لردع ذلك ومنعه من جانب، ومن جانب ثان لتحقيق الكرامة والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة الاجتماعية هي إيجاد الحكم المؤسس على مرجعية القانون، ولا يتأتى ذلك إلا بجهود المثقفين والمصلحين ونضالهم ووحدة صفهم وإيثارهم واخلاصهم .
ولم تصل المجتمعات والحكومات الغربية الى ما وصلت اليه من التطور الهائل والازدهار الكبير على كافة الأصعدة ،الاّ حينما حكمتهم النظم الديمقراطية المبنية على قواعد القانون والمؤسسات، لذا أصبحت الحرية والمنافسة وصناديق الإقتراع والإنتخابات والأصوات والمعارضة هي الوسائل للتنازع والتنافس في مجالات الحياة كلها، ولهذا فهم تمكنوا من حل غالبية مشاكلهم وقضاياهم الأساسية بالتي هي أحسن مثل مسألة توزيع الثروات والفقر والحكم والمعارضة والتعددية السياسية والفكرية .
ومما لاريب فيه ان الطرق والوسائل الحضارية والديمقراطية والشورية التي مر ذكرها بإيجاز في هذا المقال هي أنجع السبل للقضاء على كافة ألوان المفاسد الإدارية – الحكومية كالرشاوى والمحسوبية والمنسوبية والإختلاسات والثراء الفاحش من أموال الشعب .وان المفاسد الإدارية الحكومية هي في جوهرها أمراض خطيرة تدك أسس المجتمعات والحكومات وبالتالي تعصف بها الى الدمار والإنهيار، وما يؤسف عليه الى أبعد الحدود ان حكوماتنا واداراتنا وأحزابنا في الشرق مشحونة بتلك الأمراض والمفاسد الإدارية،لهذا فهي بأشد الحاجة الى عمليات التطهير والتجديد والتصحيح والتقويم قبل فوات الأوان.
ان السلبيات والعيوب الموجودة عندنا في الشرق،هي ان الناس يتصارعون صراعا مريرا، ويتقاتلون قتالا بلا هوادة من أجل الأحزاب السياسية والمذاهب الدينية والألوان والشعارات والبرامج التي وضعها قادتها،وبذلك تستنزف طاقات المجتمع وثرواته هدرا، والحقيقة ان الأحزاب السياسية والمذاهب الدينية ماهي إلاّ إجتهادات وابداعات بشرية قد تخطيء وقد تصيب، لذا فانها ان أصابت فلها، وان أخطأت، ولاشك بأنها قد تخطيء فعليها بالإعتراف ومن ثم بالمراجعة والتصحيح للأخطاء كي لا تتكرر.وان القيادة والحكومة الصالحة والعادلة والحكيمة هي التي تملك الجرأة للإعتراف بالأخطاء وتقبل النقد من مواطنيها،لأن ذلك يزيدها فضل على فضل، وحكمة على حكمة.
أما إذا ساد الوهم بأن الأحزاب والمذاهب وقادتها وشيوخها هم غايات مقدسة، ومثل عليا، وحقائق مجردة لا يصح تقويمهم، أو وضعهم في ميزان النقد العلمي فهذه تكون الطامة الكبرى والكارثة العظمى على المجتمعات ومصائرها.
وأما إسلاميا فان حوار الحضارات والأديان والأفكار، وحركة التجديد والاجتهاد والإبداع والعقلانية، وحق المعارضة والتنازع والتنافس والإختلاف والنقد والتقويم، وعدم الإطراء بإفراط والغلو، أو التطرف في الأديان والشخصيات ، حتى ان كانوا أنبياء وأئمة، قد بدأ منه، وتم بيانه بأروع صور وأجمل وصف
الشيخ عمر غريب
ضوابط المشاركة
- تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- تستطيع الرد على المواضيع
- تستطيع إرفاق ملفات
- تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى