ما يجعل الحياة أغنية
مقال حسن مدن/ دار الخليج
حين أراد مؤلف كتاب: “عقل جديد لعالمٍ جديد” مناقشة تحولات البشرية على مدى السنين، كتب فصلين مهمين في الكتاب، اختار لأحدهما عنوان: “العالم الذي صنعنا”، وللثاني عنوان: “العالم الذي صنعناه” .
وبعيداً من فحوى الفصلين يمكن القول إن التطور المديد للإنسان في صراعه مع الطبيعة القاسية، وصراعه مع نفسه أنشأ عالماً مكوناً من تعاقب الحضارات، وتراكم الخبرات والتجارب، وصعود المفاهيم نحو الرقي والتهذيب والنضج .
كان الإنسان يصنع هذا العالم، في ذات الوقت الذي كان هذا العالم يصنع فيه الإنسان، كذات أو فرد أو كجماعة، وفي هذه العملية المعقدة كانت موضوعة الحرية في القلب خاضعة، هي الأخرى، للتداخل والتأثر المتبادل بين الصانع والمصنوع .
إن النزوع لممارسة الحرية، من حيث هي الاختيار الواعي المسؤول المتسق مع الفطرة البشرية، وقد صُقلت وهُذبت طويلاً ومديداً، كان يواجه، دائماً، بتلك القيود التي يصنعها الإنسان نفسه لمصادرة حريته أو للحد منها، وكثيراً ما كان الإنسان عبداً لقيود من صنع يديه، من قواعد متعسفة وضعها القوي لقهر الضعيف وإذلاله .
نقشت عبارة على قبر الكاتب اليوناني نيكوس كزانتزاكيس مؤلف رواية “زوربا” التي خلدتها السينما في الفيلم الشهير الذي أدى دور البطولة فيه أنطوني كوين، وكتب موسيقا الرقصة الجميلة فيه الموسيقار ميكيس ثيودراكيس، تقول: “لا أطمع في شيء، لا أخاف من شيء . . أنا حر” . وكان هذا شعاره الذي أخذه من قصة هندية وضمنه إحدى رواياته .
تدور القصة حول بحار كان يقود قاربه مقاوماً تيار النهر الجارف الذي يدفع القارب نحو الصخور، وبعدما استنفذ البحار كل طاقته في مقاومة التيار، ترك مجدافيه وراح ينشد الأغنية التي اختار كزانتزاكيس منها العبارة التي طلب نقشها على قبره، ويقول مطلعها: “فلتكن هذه الأغنية حياتي” .
قليلون هم أولئك البشر الذين يفعلون ما فعله هذا البحار الهندي حين هتف: “أنا حر”، بأن قرر في لحظة التحدي القصوى عدم الخوف، وترك لقاربه حرية السير في اتجاه الصخور، والتجديف في الاتجاه المضاد، ثقة منه في أن ليس هناك ما يخسره، طالما كان قد كسب الأهم: حريته .
وهو في ذلك كان كبير الشبه من بطل ارنست همنغواي في “العجوز والبحر”، الذي خاض معركة اختبار قوة الإرادة في رحلة عودته الملحمية من عمق المحيط إلى الشاطئ .