طارق إمام: كتابة القصيدة تشبه القتل
إمام جديرة بالتأمل، فقد كان يمارس الكتابة منذ سنوات بعيدة، بشكل فطري، أدى إلى تراكم معرفي وخبرة حياتية انعكست في أكثر من عمل إبداعي، وتجلى هذا المران في أول مجموعاته القصصية “طيور جديدة لم يفسدها الهواء” التي تجاوزت مرحلة البدايات بما يشوبها من أخطاء لتضع طارق إمام على بداية الطريق الصحيح .
لم يخذل قارئه الذي راهن عليه مبكرًا فقدم قفزات إبداعية عدة، ما بين القصة والرواية، فأنجز “شارع لكائن آخر، وشريعة القطة، والأرملة تكتب الخطابات سراً” إضافة إلى روايات “هدوء القتلة” التي حازت جائزة ساويرس في مصر منذ عامين .
روايتك “هدوء القتلة” أحدثت جدلا غير متوقع في الساحة الثقافية المصرية ما تفسيرك لذلك؟
أنا ممتن لهذه الرواية لأنها أحدثت نجاحاً غير متوقع، وقد استغرقت ثلاث سنوات في كتابتها، وقمت بمراجعتها أكثر من مرة، وفي لحظات كثيرة كنت أتخيل أنها تمت، لكني قمت بالتعديل فيها أكثر من مرة، وقد يكون هذا الصدى راجعا لإحساس القراء بالجهد المبذول في كتابتها، وقد فوجئت بمستوى التوزيع الذي أدهشني .
لماذا اخترت “هدوء القتلة” عنواناً لروايتك؟
اخترت العنوان بعد الانتهاء من كتابة الرواية واكتشفت أن بطل الرواية “سالم” عنده مفارقة غريبة وهي أن فعل القتل دائما مرتبط عنده بالهدوء، فهو يغادر القتيل بطمأنينة، بينما الصخب عنده مرتبط بكتابة الشعر الذي هو مرتبط عند الوعي الجمعي بأنه يحتاج إلى هدوء وصمت، فهو يعيش حالة التناقض، هذه الصفة التي تلازم الشعر صارت ملازمة للقاتل، وتم الجمع بين هدوء القاتل وصخب الشعر .
لماذا هدوء القتلة وليس هدوء القاتل؟
جاء العنوان بصيغة الجمع لأنني كنت أرى سالم القاتل يلخص حال مجموعة من القتلة وليس وحده فقط، هؤلاء القتلة يمثلون “ذاتاً” جمعية تحوي بداخلها الضحايا .
لماذا اخترت أن يكون البطل شاعراً؟
من وجهة نظري الشعر حالة من التجريد عكس الرواية التي تقوم على التشخيص، والبطل سالم لا يريد التشخيص وكتابة الحكايات، وإنما يريد اختزال الكون في سطور وحالات بسيطة وعملية القتل تشبه كتابة القصيدة التي هي وقفة شعورية مهمة تشبه لحظة القتل، الوامضة السريعة، وأرى أن الروائي الجيد هو الذي يستخدم لغة شاعرية .
لهذا جاءت لغة الرواية مفعمة بالشاعرية بالرغم من أنك لست شاعرا؟
أنا شاعر مع إيقاف التنفيذ، وتكويني في الأساس شعري أكثر منه سرديا أو روائيا، وقد اطلعت على عيون دواوين الشعر في مرحلة المراهقة وتمثلتها في كتاباتي، وقد أسدى إليّ سالم بطل الرواية معروفا لأنه كان شاعرا، حيث مكنني من التدفق اللغوي، ولو كان غير شاعر لما استطعت كتابة هذه الرواية .
الرواية التي لا تترك عند قارئها أثراً شعرياً هي رواية ميتة، لأن الحكايات على قارعة الطريق ولكن الرهان الاستثنائي أن تتمكن من تحويل الحكاية باتساعها الأشمل إلى قصيدة .
كيف يجتمع الشعر والقتل في شخص واحد؟
أنا مشغول بهذه الفكرة، فطوال الوقت ستجد يداً تقتل حتى تكتب اليد الأخرى، فطارق الصحافي يمارس الصحافة لكي يوفر دخلا لكتابة الرواية، فأنت تقتل شيئا لتحيي شيئاً آخر، وهذا أمر مؤلم .
جاء على لسان الروائي “قتلتها لتكون أكثر جمالاً لأنها كانت في حياتها امرأة قبيحة”، فهل القتل يمنح جمالا؟
من وجهة نظر البطل سالم القتل نوع من تخليص الروح، حيث لا يرى نفسه قاتلا أو يفعل شيئا سلبيا، ولكنه يرى أنه يقدم رسالة، ويكاد يكون متعاطفا مع قتلاه وغير كاره لهم .
ولذلك البعد الصوفي له حضور قوي في شخصية “سالم”، لأن الصوفية معنية بفكرة الحلول في الروح واحتفائها بالمطلق والبطل ينتظر إلى نفسه كمخلص، وهو الذي قادني في هذه الرواية ووجدتني أتقمصه .
هل صحيح أنك تأثرت برواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي في كتابة هذه الراوية؟
غير صحيح، فأنا لم أتأثر بدوستويفسكي لأنه ليس من الكتّاب الذين أدور في مدارهم، عكس ماركيز الذي تأثرت به كثيرا، وجريمة القتل مختلفة، فعند دوستويفسكي البطل فقير ومعدم ويقتل لسداد ديونه، وهذه دوافع طبيعية قابلة للتصديق، أما القتل في روايتي فهو عبثي متسلسل، ومن دون دافع مادي ملموس، فالبطل يقتل منقادا لفكرة في ذهنه، والقتل بقدر ما هو وسيلة، فهو غاية .
لماذا جمعت بين المونولوج والديالوج في كتابة الرواية؟
في هذه الرواية نجد أن “سالم” شخص منقسم على ذاته وانقسامه يظهر في كلتا يديه، فهو شخص نصف واقعي ونصف تخيلي، فالرواية تتأرجح بين الواقع والخيال، وبالتالي صوت الراوي لابد أن يكون لديه هذا الانقسام، بين الديالوج في تعامله مع العالم الخارجي والمونولوج وهو يتحدث مع نفسه باعتباره هو نفسه شخصين “شاعر وقاتل” . ولست من الكتّاب الذين يحللون الشخصية سيكولوجياً والمونولوج كان وسيلتي لكشف الأبعاد الداخلية لسالم، والكشف عن طبيعة الذات المريضة لديه .
القضية التي وظفتها في كتاباتك، كيف تنقلها إلى القارئ؟
أنا مشغول بقضية الموت وكل الكتّاب الكبار مشغولون بقضايا كبرى، وفي “هدوء القتلة” تشغلني فكرة الموت ونقيضها الحياة، وفي روايتي السابقة “شريعة القطة” كنت مشغولا بالموت أيضاً وعملت محاكاة لقضية الخلق التوراتية من منظور معاصر لمناقشة فكرة الوجود والعدم .