جُذور عصيّة على التهجير
مقال الكاتب الرائع
الاستاذ / خيــري منصـــــور
كمن يطلب من ماء البحر أن يغادره، ومن الشجر أن يجرّ جذوره وراءه ويمشي ومن الدمعة أن تعود إلى العين بعد مغادرتها، ومن السّماء أن تنطبق على الأرض . هذا ما حاولت الصهيونية وتحاول فعله بشعب لم يكن ذات يوم طارئاً في ترابه . والذرائع التي تُبْتكَرُ بين وقت وآخر للتهجير هي الغطاء الهش لمشروع استيطاني تأسس منذ المستوطنة الأولى على الحلول مكان الآخر، وبذلك يتحول الاحتلال إلى استحلال، بكل دلالات هذه المفردة التي تعني الاستباحة والانتهاك والإبادة المزدوجة عضوياً ومعنوياً .
سبعون ألف فلسطيني مدرجون الآن على قائمة “الترانسفير” التي تم تأجيلها بضع سنوات بانتظار مناخات أكثر ملاءمة، ولن يكونوا آخر المدرجين على هذه القائمة، فقد سبقهم الملايين وقد يعقبهم الملايين أيضاً، لكن الرياح لا تهب دائماً وفق ما تشتهي سفن الاحتلال، ولن يستطيع السكّين المشحوذ والسّام أن يتوغل في وطن كما لو أنه زبدة أو كعكة رخوة، فخيار المقاومة لم يمت رغم أنه يتعرض لاغتيالات سياسية متعاقبة، ومن ولدوا من رحم الهزيمة الكبرى التي شطرت تاريخنا العربي إلى ما قبل حزيران وما بعده .
لكن لماذا الآن؟ وما هو التعريف الدقيق للفلسطينيين في المعجم العِبْري؟ هل هو الذي لا جذور له في غزة؟ أم الذي قدم أوراقاً ثبوتية للبرهنة على كونه سائحاً في أرضه أو زائراً لبيته، هؤلاء جميعاً فلسطينيون من الفاء إلى النون، كما أن أرضهم فلسطين من ألفها إلى يائها، بعكس الأطروحة الملفقة التي تسعى إلى إحلال المستوطن مكان المواطن، والطارئ مكان الجذري، وإذا فشل العالم المتمدن الذي يزهو بلوائح الحقوق والإنسانيات بكل ما لديه من قوانين وأعراف وروادع أخلاقية في إيقاف هذا النزيف، فإن ما تبقى هو الخيار التاريخي الخالد، الذي يتفوق على الاستراتيجية والتكتيك معاً، وهو باختصار التشبث بجمرة الأرض، والمقاومة التي هي حق طبيعي وإلهي وإنساني وحيواني أيضاً، فما من حشرة أو طائر أو زاحف لا يصدّ الغزاة عن الجُحر أو العشّ، وثمة كائنات تفتدي بيوتها بأجسادها، ففي الوقت الذي كانت تبث فيه الأنباء عن هذه الحلقة من “الترانسفير”، شاهدنا على الشاشات حمامة تحاول أن تبدو عرجاء ومهيضة الجناح أمام الصّياد كي يصطادها وبالتالي تنجو الفراخ، وأي سجال حول ثنائية الاحتلال والتصدي له هو عقيم في النهاية لأن بدهيات الطبيعة والغرائز والفطرة البشرية تتجاوز هذا السجّال .
المرحلة القادمة، ستكون أكثر من مليون وربع المليون فلسطيني في المناطق المحتلة عام ،1948 وقد تستمر المتوالية إلى آخر جنين فلسطيني في رحم أمه كما قالت جولدمائير بالحرف الواحد .
عام 1967 كتب هركابي وهو أحد سادة الموساد أن لا حدود لأية دولة إلا حيث يقف الجندي ويتعب ويتكئ على بندقيته، وهذا التصور لمفهوم الحدود، يبيح الغزو بل يحوله إلى نمط سائد في تأسيس الدّول، لكن التاريخ لم يعبأ بهذا المنطق المعكوس حتى في أكثر مراحله انحطاطاً .
والمشروع الصهيوني بجغرافياه التوراتية المرنة لا يتوقف من تلقاء نفسه ولا يرتدع ذاتياً بل يُردع، وكرة النار الآن في طريقها إلى أن تتدحرج وقد يتعذر إطفاء ما ستفضي إليه .





رد مع اقتباس