ما قالته القدس لمحمود شقير
علــي الخليلي
الملحق الثقافي
دار الخليج
في كتابه الجديد “قالت لنا القدس”، الصادر قبل بضعة أيام، عن وزارة الثقافة الفلسطينية “الهيئة العامة للكتاب في رام الله”، يتماهى القاص محمود شقير، مع أدق التفاصيل للحياة اليومية في القدس، ورغم أنها التفاصيل ذاتها التي تشكل أجزاء واسعة من فسيفساء ذاكرة هذا الكاتب المقدسي نفسه، إلا أنها تتجاوز مفهوم السيرة الذاتية الخاصة به، إلى مفهوم السيرة الشاملة للمدينة كلها، مكاناً وتاريخاً وتراثاً .
من خلال رصده العميق للتحولات والتغيرات التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال، على القدس بشطريها الغربي والشرقي، يسرد محمود شقير على امتداد مائتي صفحة من القطع المتوسط، معاني ودلالات هذه التحولات والتغيرات، بأشكال إبداعية تكاد تلامس الحبكة القصصية أو الروائية في معظمها، من نصوص مفتوحة على الشغف بكامل تجلياته الإنسانية، إلى اليوميات التي يؤرخ على مدى حركتها، مسعاه الدؤوب في شوارعها وأزقتها القديمة، إلى الشهادات التي يجتهد في تسجيلها، عبر ما يواصل كتابته هو نفسه في هذا الشأن، وما سبق لكثير من الكتاب والإدباء والفنانين أن كتبوه، على مدار أجيال عدة .
من الشهادات التي “تستنطق الذاكرة وعلاقتها بالمكان”، يأخذنا محمود شقير إلى جبرا إبراهيم جبرا في “البئر الأولى”، وإلى إدوارد سعيد في “خارج المكان”، وإلى إحسان عباس في “غربة الراعي”، وإلى أنيس صايغ وإلياس صنبر وربعي المدهون وحسين البرغوثي وحنا أبو حنا وغيرهم، في استكناه المكان المقدسي وحده تارة، وضمن أمكنة أخرى متعددة ومختلفة، تارة أخرى .
أما في اليوميات، فإن شقير لا يكتفي بما يسجل على هديها، من وقائع إنسانية خاصة به، يحرص فيها على أن يوثق بمواضيعها ومناسباتها الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية لمرحلة معينة، بل يعمل على تذكيرنا باليوميات المهمة التي كتبها خليل السكاكيني في مطلع القرن الماضي في القدس، وعلى حثنا بقوة، للدخول إلى فضاءات هذه اليوميات، كأنما يحثنا بما اشتملت عليه من نبض حضاري ماض، على حماية هذا النبض الفلسطيني في الحاضر، وتغذيته بمزيد من عناصر الحياة، في مواجهة عوامل الهدم والموت والتهويد .
تحت عنوان “فضاء القدس في يوميات السكاكيني”، يكتب: “ترتبط القدس في ذهني بالمربي الأديب خليل السكاكيني . .كان واحدا من أبرز شخصيات نخبتها المثقفة . . وهو إلى جانب نشاطه التربوي، ومثابرته على تأليف الكتب وإلقاء المحاضرات، لم ينقطع عن تدوين يومياته طوال نصف قرن، إلى أن حضرته الوفاة، بحيث جاءت هذه اليوميات، سجلا وافيا لنشاطه العملي، ولأحوال بيته وأسرته، وللزوار الذين كانوا يترددون على البيت، ولاجتهاداته في شؤون المجتمع والسياسة والفكر والدين واللغة والأدب والتربية والأخلاق، ولدرجة رقي مجتمعه أو انحطاطه في هذا المنحى أو ذاك، وكذلك للحالة العامة التي كانت سائدة في القدس وفي عموم البلاد” .
من الواضح أن استلهام القاص المبدع محمود شقير، لهذه اليوميات الضخمة والمميزة التي خلفها خليل السكاكيني وراءه، لا يقف عند حد القراءة لها، والبحث في طياتها عن التفاصيل المشرقة للقدس العربية الفلسطينية الرائعة التي كانت موجودة قبل نكبة العام ،1948 وقبل أن تشطرها تلك النكبة المزلزلة إلى شطرين، غربي صار جزءا من “إسرائيل”، وشرقي ما لبثت “إسرائيل” ذاتها، أن احتلته أيضا في الخامس من يونيو/ حزيران ،1967 ثم ضمته إليها، بل يؤسس بوعيه التنويري على هذه القراءة المكثفة، متابعة درب السكاكيني نفسه، بكتابته ليومياته التي يشرح فيها أحوال التغير المتواصل في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي مدخل القرن الحادي والعشرين، إلى حينه .
نقرأ في يوميات محمود شقير: “الثلاثاء 28/8/،2007 اقترح علي الدكتور سليم تماري أن أقرأ المخطوطة السابعة من يوميات خليل السكاكيني، وأن أقوم بكتابة مقدمة لها، تمهيدا لنشرها في مجلد جديد . رحبت بالفكرة ووجدتها منسجمة مع مشروعي لمتابعة ما صدر، وما يصدر حول القدس أو له علاقة بها . .” .
ونقرأ فيها: “السبت 28/2/،2009 شهدت القدس إضرابا تجاريا منذ الصباح . هاتفت مركز السرايا لكي أعرف هل يشمل الإضراب المركز، قالت المشرفة هناك إن الإضراب لا يشمل المركز . ذهبت إلى هناك في الثانية إلا الربع ظهرا . كانت أغلب المحال التجارية مغلقة احتجاجا على نية سلطات الاحتلال “الإسرائيلي” هدم ثمانية وثمانين منزلا في حي البستان التابع لبلدة سلوان، وذلك لبناء حديقة لليهود . إنها سياسة تهجير جماعي واضحة” .
وفي التمهيد الأول، أو النص الأول الذي يفتتح به محمود شقير كتابه كله، يكتب: “ . . لا يمكن أن أتصور تجربتي في الحياة، من دون أن تكون القدس حاضرة فيها تمام الحضور . . هي مدينتي التي تعلمت منها، وهي التي ألهمتني كثيرا، وما زالت تلهمني . لها المجد والحرية والخلاص”، وفي التمهيد الثاني، أو النص الثاني، وكان قد عاد إليها بعد سنوات طويلة من النفي القسري والإبعاد عنها، يكتب: “أعود رغم الصلف الذي تبدى في لهجة ذلك الضابط “الإسرائيلي” الذي سلّمني قرار الإبعاد على حدود لبنان . قلت له حينما سلمني قرار الإبعاد القدس مدينتي وإليها سوف أعود . قال القدس ليست لك ولن تعود، لكنني عدت، والفضل في ذلك يعود إلى صمود شعبنا في وطنه، وإلى تضحيات الانتفاضة، وإلى تضامن قوى الخير والديمقراطية والسلام في كل بقاع الدنيا، مع شعبنا” .





رد مع اقتباس