مواويل تسند الذاكرة
مقال فوزية السنـدي
الملحق الثقافي
دار الخليج




-1-

نيران غدر الدهر توقد في قلبي بحر

وعلي سلت سيوف الماضيات وبحر

الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر

من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل

وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل

لو كان بالسيف قطعت الأعادي وصل

لا شك في جزيرة حايط عليّ بحر .

“الشاعرحسين بورقبة”





-2-

كان يتلو هذه الأبيات وهو يرى العرق يتقاطر من جباههم، معلقين ومصفدين بالسلاسل في هجير الظهيرة الحارق، كان شاهداً على ثمن الدفاع عن الحق والحرية والكرامة، شاهداً على تاريخ يسجل جرأة الموقف، كان شاعر البحرين “حسين بورقبة” يشهد العقاب الجماعي الذي أنزلته الإدارة الإنجليزية ضد قيادة الاضراب العمالي، أمام هذا المشهد المؤلم تداعت حنجرة الشاعر بتلك الأبيات التي ما زالت محفورة في ذاكرة أهل البحرين كلما تذكروا الإضراب العمالي الذي حدث بسبب توقف الشركة البريطانية عن دفع رواتب العمال الذين كانوا يعملون على تشييد الجسر الذي سوف يربط جزيرة المحرق بمنطقة المنامة، ما دفع العمال لتنظيم الاضراب دفاعاً عن حقوقهم ورزقهم وحريتهم .


الموال فن الموج، جرأة تمسد الحنجرة لينطلق الموال الشاكي من قسوة أهل اليابسة، آه تتلو آهات تحفر الذاكرة بتاريخ يؤسس للناس مدى شيمة الأجداد الذين لم يرتضوا الخنوع أمام سياط الضيم، تحدوا الظلم وأضاؤوا ليل البحر بضوء حروفهم .





تاريخ الخليج ليس مانراه من مشاهد ترصد المراكب في ذهابها لصيد اللؤلؤ والعودة محملة بالغنائم وصدى الأغاني التي تهفهف نحو أشرعة لا تتعب منها الرياح .





تاريخ الخليج يكمن في جرأة الكلمات، حرية شعرية تسند الروح وتدفعها لمواجهة تحديات الحياة بشجاعة لا تضاهى، قل كلمتك وامض، هكذا كان الشعر بالنسبة لأهل الخليج، موقف مصقول بالصدق وكلمة من أجل الإنسان فعلاً .


-3-

“دنيا اِمْكِيده خلاف الطيب كفتني

والنذل بيديه قَيّدني وكفتني

الله لَحَدْ يوم دهري كيف كفتني

وسط الإدارة اجر قيود واغلالي

امسرهد السم اسقى لي وأغلى لي

في ديرةْ الغرب احشم لي وأغلى لي

آه على آه دهري يوم كفتني”


ولد الشاعر “حسين بورقبة” عام 1875 في الأحساء في شرق شبه الجزيرة العربية، وتوفي في البحرين عام 1943 بعد أن أتقن صيانة تجربة شعرية تتنوع بين المواويل والشعر الفصيح، اتسمت بقدرتها على مس جوارح الناس ومشاعرهم والتعبير الصادق عن مبتلاهم وتحدياتهم الإنسانية .


توفي والده وهو شاب صغير مما اضطره ووالدته للهجرة إلى البحرين والبحث عن عمل هناك، فقد بصره لتتقد بصيرته ويمعن في الكتابة، تزوج وأنجب أربعة أبناء سعد وعبدالعزيز وعلي وعيسى، ويعتبر عبدالعزيز وعيسى من أشهر من أدى فن الصوت في الخليج العربي، لقد أسهمت تجربة الشاعر حسين بورقبة في اثراء التجربة الغنائية في الخليج وقدمها المطرب الراحل عبدالله الفضالة وغيره من المطربين .


عندما تقرأ الموال لا تشعر بغربة الوقت عنك، ولا اختلاف المكان، ولا غابر الزمان، بل تصلك قشعريرة ناهضة من قلب ولهان، بئر رحيم ووحيد، شاعر ساهر يكتب جوى القلب بهدوء الأسيان:


مالوم قلبي أبد . . . لا رادكم ونسا

ما أعدل ولا جوز عنكم بالسها وأنسى

ومنين أنا ألقى سواكم بالملا ونسا

من عقبكم ما يسليني “نوا” و”صباي”

إي والذي أنطق الخرسا بريح صباي

رب العرش . . . لا يهنيني بعمر صباي

إن كان أنا أترك هواكم ساعة وأنسى