تطرق أبواب الليل بحثاً عن الأمل
قراءة في "نمت فوق الجدران" لنجوم الغانم
ظاهرة “القصيدة الجدارية” في الشعر المعاصر، حيث يلجأ الشاعر إلى نقل عالمه الداخلي الخفيّ إلى عالم بصري ظاهر، وكأنه يدعو القارئ إلى أن يشاركه تجربته الشعرية ورؤاه شعورياً وبصرياً، فينقش هذه الذكريات والانفعالات والرؤى الكامنة في أعماقه فوق جداريات مفتوحة لا حصر لها، أمام جميع الأعين وعلى مرأى من العالم أجمع، كي لا يترك عذراً لأحد في أنه لم ير . . أو لم يسمع . . أو لم يبلّغ .
إذا كان درويش في (جداريته) قد سجل حواراً عميقاً ومؤثراً مع الموت (الذي أخطأه) مرات عديدة، وأدار حرباً ضروساً بين الوجود والعدم بشكل تفوق فيه فلسفياً على نفسه، كما يقال، فإن نجوم الغانم قد سجلت حالات حرب واقتتال مع النفس، من ناحية، ومع العالم المتهاوي المعتم من حولها،من ناحية أخرى . فقد دارت رحى الحرب النفسية في أعماقها لسنوات طويلة بين عالم خارجي واسع ومعتم يشوبه الخواء والضياع والتيه، وعالم داخلي يحارب العتمة ويبعث النور وينشد الحرية والبقاء والانتصار على النفس المحاطة بأسوار الخواء والجنون والظلام الهاجم من كل اتجاه .
تجسد الغانم الليل في هذه القصيدة في عشر لوحات شعرية معبرة متناغمة جميلة، فالليل هو الأسوار المعتمة التي تحيط بالشاعرة من كل ناحية، والليل أيضاً إعلان حرب من العالم الخاوي ضد الشاعرة الباحثة عن الشمس والضوء الذي لابد أن يبدد هذا الظلام الذي لن تستسلم له طال الوقت أم قصر، زادت أوجاعها أو قلّت، ولهذا فإنها تفتتح القصيدة بهذا الليل الرابض فوق روحها، تقول في اللوحة الأولى:
لنطرق باب الليل
فإن أجابت أرواحه فلأنها
مستيقظة
ولأنها مستيقظة
فستصغي إلى صوت خوفنا الذي يشبه
صراخ الطيور المهاجرة في العتمة
. . . . لنطرق باب الليل
ونحلم أنه سيفتح لنا
ولأن الحرب معلنة ضد الشاعرة، ولأن الليل برموزه وإحالاته إلى الزمن العسير وإلى الإنسان المعاصر الممزق التائه، هو العدو المهاجم، فلابد من المواجهة والاشتباك مع هذا العدو الذي بعث الخوف والذعر في النفس والروح، ولابد من سلاح فاتك بالعتمة وهو النور الذي سيبدد هذا الليل الطويل . ستطرق هذا الباب إذاً، لإيقاظ النيام الذين هم ضحايا الليل مثلها، وتستثير الضوء والشمس والنهار لتبديد العتمة وإزالة الخوف وتنقية الهواء، لكي تتمكن من أن تعيد للطيور أجنحتها لكي تعود إلى أوكارها،أو تعود الشاعرة إلى هدوئها وطبيعتها وسكينتها .
وتتابع الشاعرة لوحة المواجهة بين الليل والنهار، بين العتمة والنور التي هي صورة رامزة لمواجهة الإنسان لكل هذا الخواء والانهيار والاكتئاب الذي يحاصره في زمن يتضاءل فيه نهاره وفرحه وحلمه، ويكبر فيه ليله وشقاؤه وقلقه . فحين تطرق الأبواب يقل الخوف من الأعماق، ترى الشاعرة، ولابد من الاستمرار في الطرق حتى لو لم يكن أحد هناك، فلا بد أن يستجيب أحد ما . .في وقت ما، كما يقول المثل الصيني، ولا بد أن ينفتح هذا الباب، باب الليل، ليطل النهار وإن كان على سبيل الحلم والتخييل والأمنية، لأن الفجر في آخر الأمر حتماً قادم . . قادم، تصرّ الشاعرة .
تربــص
في اللوحة الثانية من القصيدة ترصد الشاعرة تربّص الليل بها، والذعر الذي يبثّه في أعماقها، والخوف الذي يلفها ويملؤها توتراً وقلقاً، فتهرب منه بالنوم، بحثاً عن حلم يرفعها إلى سماء صافية أو فجر يرفع عن كاهلها عتمة الليل وأوجاعه . لكن الليل عدو خبيث مراوغ لا يمنحها حتى النوم الذي وجد الليل من أجله ومن أجل أن ينام فيه البشر، فيوقظها كالملدوغة بصعقة ذكرى مؤلمة، أو موجة وجع قديم متجدد يقضّ عليها نومها، ويجعل من ليلها كوابيس شرسة مسمومة تفوح منها روائح الوجع والغدر وخيبة الأمل، تقول:
كقلوب الأمهات
يشتعل قلبها بالريبة
وينطفئ الأمل في صوتها
. . . . لم تعد تقوى على اقتراف النسيان
كقلوب الأمهات التي تنام باكراً
لئلا تكيد لها اليقظة
وترجو الأحلام أن ترفع
صلواتها الخافتة إلى أي سماء مفتوحة
تطمئن للحظة
ثم تهبّ من فراشها ملدوغة بالظنون
هي ضحية زمن رديء متقلب مثل هذا الليل الذي يطوقها بأشواكه وذكرياته الموجعة، مثل أيامها المحاصرة بالخيبات والمسخ والغدر، فهي تضع (المعروف في غير أهله)، وتبعث ثقتها إلى المكان الخطأ، وعند اليقظة ومحاولة تدارك الخلل الذي استفحل داخل النفس وخارجها،تهبّ للمواجهة واستقدام النور واستنفار الرفض والتمرد، وتصرخ: بأن الموت أهون من الاستمرار في الغفلة أو الاستغفال أو الاستهانة بفكر نبيل ومشاعر حميمة صادقة تمسكت بها ودافعت عنها عمراً طويلاً، لتكتشف أنها كانت مجرد بلهاء تحرث في أرض غير ذات ضرع، أرض موات قاحلة بلا ماء أو هواء أو حتى ثمار .
هدنــة
تنتقل الشاعرة في اللوحة الثالثة من القصيدة بعد لوحتي (الاقتتال مع الليل) و (الاقتتال مع النوم) إلى (الهدنة مع الأحلام)، وهي لوحة تعبيرية جميلة، يرى علماء النفس أنها السلوك التلقائي للنفس حين تتكالب عليها الهموم والضغوط والتوتر، فتخلق عالماً حالماً مريحاً تلتقط فيه أنفاسها كاستراحة المحارب، لتبدأ بعدها حرباً جديدة أو قتالاً جديداً مع الليل أو مع خيبات هذا الزمان وأهله ومراراته .
تطرق الشاعرة أبواب الليل، ثم تكسر هذه الأبواب، تطوي صفحة الإعتام والآلام، وتجوب الفضاءات والأمكنة، وتصاحب الطبيعة بأشجارها ووديانها وجبالها وينابيعها وأمطارها، لعلها تمسح من أعماقها وذاكرتها تلك السهام الموجعة التي استقرت في قلبها وفي ذهنها، تقول:
حتى حافة السهل
تذهب
متأبطة وردة أيامها كقربان
لأنبياء الجبال
. . . يداعب أفكارها سحاب الأعالي
فتكسر تحت أقدامها أحجار الطريق
وتجري دماؤها بمحاذاة الينابيع
لا تكفي شهقة المطر
. . . تأخذها الأحلام إلى جحورها
لتذيقها طعم الثلج المقدس
خبأت نيران زراثوستا (زرادشت)
في حديقة الآلهة التي فرّت
منها منسلّة قبل أن تنهال عليها
العتمة
تطوي الشاعرة صفحة الخيبات الآدمية التي صاحبتها في كل الطرقات وفي كل سنوات العمر وحتى في لحظات الحلم، وتنطلق إلى مكان آخر، إلى عالم آخر، تحمل وردة يانعة وحلماً يداعبها وتداعبه من أيام الطفولة، تنطلق إلى أرض بكر بريئة، حيث العشب والصدق والرذاذ والمطر والسحاب الذي سيغسل قذارات الزمن الرديء، ويمحو ما استقر في روحها وفي صوتها من مستنقعات وجراح اقترفت بأيد آدمية، إنها حتى لا تعي في هذه الرحلة أنها تسير فوق أشواك أو حجارة تتكسر تحت قدميها النازفتين، وأن رأسها مرفوع نحو السحاب، وبصرها متعلق بأعالي الجبال، ولكن لا بد أن تمضي، لابد أن تنتصر على الخواء والخيبة .
وتسرع الشاعرة الخطى دون مبالاة بنزيف الدماء من حجارة الطريق وأوجاع الماضي، تتعلق بالأشجار والينابيع والأحلام الجميلة، يشدها حنين جارف إلى حديقة نقية وإلى عالم بريء، تترك ألمها وجرحها ودمها شاهداً عند الينابيع، ممزوجاً بزخات المطر، تخبئ حكمة (زرادشت) وناره ونوره، وتتعلق بالحلم المستحيل والحب المستحيل، وتقتحم( الأحلام في جحورها) لتنضم إلى (حديقة الآلهة) . . . لكن الليل ما زال يسابقها ويطاردها ويلاحقها حتى في كل هذه الأمكنة والأحلام والطرقات والفضاءات الأرضية والسماوية (فتنهال عليها العتمة)، مرة أخرى، وينشر الليل ظلامه ثانية لكي تضل طريقها وتعود إلى خوفها وخوائها وخيبة أملها في عالمها الحالم مثلما كان الأمر في عالمها الواقعي .
الشاعرة قد حسمت أمر التحدي وقبلت بدفع الثمن الباهظ للوصول إلى (حديقة) أو حياة يكون الإنسان فيها إنساناً جميلاً نبيلاً يعادي الزيف، ويتطهر من الحقد ويكره الغدر والخذلان . وهنا لا تأبه الشاعرة في أن يزداد النزف نزفاً في الرحلة، ولا المستحيل استحالة في (صعود الجبال) ومجاورة النجوم وقطف الأحلام، تقول:
كل مستحيل جائز حين
يقترب الغيم من شباكها
ويهدل حمام أشجارها
كل تاج محتمل في سرادق التاريخ
قالت لها رائيتها
أطيح ملكك في الحياة السالفة
ولازلت تحلمين بمجد العرش هذا
الكوخ المخفي بين طيات الأمنيات!!
وتقترب الشاعرة من الغيم، لا تنظر إلى الخلف، ولا إلى كل الخسارات السابقة، إن الحلم أقوى من الألم، إن الحلم أقوى من النزف . . . إنه أقوى من الموت، نعم (مازالت تحلم بمجد العرش) والخروج من حرب الذات ومن محاربة الليل ومن التصدي لأشباحه حتى تنتصر، وإنها ستنتصر، كما تؤمن، ولهذا:
ولهذا اليوم ستكون الأوزة في
بركة قصر الأمير
وحين يأتي ليتأملها ستقفز
وتجلس بالقرب منه
إنها على عرشها من جديد
ستنتصر، قالت، وها هي فعلاً تصل إلى (حديقتها) الجميلة، وإلى قصرها الذي أبعدها عنه الليل وأشباحه، والغدر وأهله، وتعود ثانية لتتربع على (عرشها من جديد) لتمتلك أمر نفسها وقرارها وعاطفتها وأحلامها المفقودة أو المنتظرة، ولكن ستكون هذه المرة هي الرياح التي تحرك الريشة، لا الريشة التي تذروها الرياح في كل اتجاه،فلن تسلّم الشاعرة أمرها لأحد،عليها أن تقود السفينة بنفسها لتصل إلى برّ الأمان، فقد أدركت قبل فوات الأوان بقليل أن ركاب السفينة وحتى قائدها قد فرّوا منها حين هاجمتها الأمواج العاتية . . . ولذا لا بد أن تقود سفينة حياتها وأيامها وعواطفها ومبادئها بنفسها .
محنـــة
ليل الشاعرة قلق متقلب عاصف، فلا هي تنام، وإن حاولت، مثل الأمهات الساكنات، ولا هي تصحو بهدوء وارتياح وأمان، ولكي تنسى وتتجاوز محنة الليل الذي يجمع لها ملف الأحزان القديمة والحديثة ويقلب صفحاتها أمامها، تحاول الهروب بالنسيان والنوم الغياب، لكن ذلك يبدو مستحيلاً، فملف الحزن وصوت الذاكرة ووجع الأحبة وغير الأحبة سيوف يحملها الليل ويخِزِها بها كلما غمض لها جفن، فيوقظها مذعورة (كالملدوغة) تهرب من الوخز إلى الخوف، وتستجير من الرمضاء بالنار، وتفر من كوابيس النوم إلى كوابيس الصحو وهما أمران أحلاهما مرّ . فعند بداية النوم تلسعها الذكريات المريرة ومنها الظنون والشكوك وغدر الأحبة، فتكتوي (بجمر الخيانة)، وإذا استيقظت قتلتها سكين (الغفلة) ومنح الثقة المطلقة لمن لا يستحقها .