مساء الذكريات
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
في مساء الذكريات يتحقق حنين عاصف، ويتقد القلب وكأنه تنور . الزفرة تستدعي أختها، والشهيق يتواصل ناحتاً الصدر على فوضاه . كل مساء يتفوق أصلاً في استدعاء الذكريات، لكن هذا المساء بالذات، على ما يبدو، خصوصي في اختصار الماضي ثم وضعه بين اليدين واللعب به وكأنه طائرة ورقية . الماضي لعبة الحاضر . هذا ما يؤكده هذا المساء المخاتل، لكن ماذا عن المستقبل؟
لا مكان للمستقبل في مساء الذكريات . العينان في مؤخرة الرأس، ولا حاجة إلى الالتفات، فهو حاصل على الصعد جميعاً: العقل والقلب والحجاب الحاجز وبؤبؤ العين . حتى الأذن تنصت الآن إلى ضجيج الفصول وهي تتوارى وراء السنين . الخريف على وجه الخصوص يعبّر عن نفسه بطريقة أفضل . أوراق الشجر المتناثرة في شوارع الذكريات مجرد عنوان سريع أو يافطة، والمنايا تعانق الأمنيات، والرقص يشتد في الساحات القريبة . الخريف يقول ما لا تقوله الفصول . لديه الجرأة الكافية حتى يثب في الشوارع وحيداً . طول عمره وهو يعري الذاكرة من ذاكرتها، لكنه الآن، في مساء الذكريات، يضع على وجهه قناع الشتاء، ويستدعي الصور القديمة والرسائل والأسئلة . يستدعي الكآبة الممتعة، ويضع خده الأيمن على يده اليمنى، ثم ينخرط في بكاء سحيق .
أوراق الشجر على الأرصفة علامة الخريف . رذاذ المطر متجمعاً على زجاج المقاهي في مدن القلب علامة الشتاء . السفر السخيف، أو السفر بلا مبرر، علامة الصيف، ومحاولة رسم الطبيعة من جديد علامة الربيع .
وهذا مساء الذكريات، حيث الماضي يتشكل جدراناً تتداخل في بعضها بعضاً كالمتاهة، وحيث الحاضر يتأهب أبداً ليمضي إلى الماضي، تاركاً وراءه الحشرجات والحسرات .
ولا مكان للندم في مساء الذكريات . هذا مساء خالص، وكلماته يجب أن تكون قليلة، وهو لا يتحمل هذا الكم الكثير نسبياً من الثرثرة .
لا مكان للندم، ولا مكان للمستقبل . اللحظة الحاضرة للماضي . اللحظة المقبلة للماضي، والزمان كله لماضي الزمان .
المواعيد، بالتالي، أكذوبة، ولا حقيقة إلا الانتظار .





رد مع اقتباس