لا شكر على واجب
مقال حبيب الصايغ

درا الخليج






قلت للشمس التي تسللت عبر النافذة في طفولة الصباح لإيقاظي: شكراً .


قالت الشمس: لا شكر على واجب .


قلت في نفسي إنها إجابة تقليدية لا تليق بكائن أسطوري كالشمس، وبعد تأمل، وجدت أن إجابة الشمس بسيطة وتلقائية، وتدل على تواضع كبير .

الشمس التي تؤدي واجبها بترتيب مطلق لا تريد كلمة شكر، وكذلك القمر، الليل والنهار، الشجر في الحديقة والغابة، الرمل في الصحراء وعلى شاطئ البحر، الجبل العالي والوادي السحيق، الدروب البعيدة التي توصل إلى بيوت الأهل، الطائرات والقطارات، الأحلام، كائنات وأشياء، أحياء وجمادات، وكلها لا تريد كلمة شكر، ولسان حالها لا شكر على واجب .


الإنسان أيضاً يقول أحياناً لا شكر على واجب، لكنه يقولها ولا يعنيها، يحاول أن يبدو في ثوب المتواضع حين يقولها، لكن عيونه تفضحه .

عيونه تعصي أوامره، وتقول إنه مغرور، وإنه يحاول إظهار غير ما يضمر، وفي النهاية يفشل .


والطبيعة أستاذ كبير، لكن الإنسان يكابر، ولا ينصت إلى دروس “الأستاذ طبيعة” .


والنتيجة أنه يبتعد، كلما ذهب في العمر، عن خطوات أمه الطبيعة، فيتوه، ولا يعرف بعد ذلك كيف يعود .


والشمس تسامح، ولذلك تعود كل صباح، لتشرق على الكون . تعود إلى كل الناس، وإلى كل واحد منهم على حدة .


وأنا واحد من الناس . كل يوم تتسلل الشمس إلى غرفة نومي وتوقظني . أقول لها كل يوم: شكراً، وكل يوم تقول لي لا شكر على واجب .


ثم أدركت أن شمس اليوم غير شمس الأمس، وأن الشموس التي توقظني متعددة بتعدد أيامي وصباحاتي ونوافذي، وأن جوابها الوحيد “لا شكر على واجب” يدل على تربية ورقي وذوق .


أشكرك يا شموسي الصديقة، وأؤكد أن إيقاظي صباحاً ليس واجبك، وإلا فماذا تركت للمنبه، وضجيج الشارع القريب، والكوابيس التي تلاحقني طول الليل كأنني طريدة لا تكاد تفلت؟ . . ماذا تركت أيتها الشموس للأرق الليلي والكسل الصباحي؟ . . وماذا تركت لذئاب الكآبة والكتابة؟