صور الشهداء
مقال يوسف أبو لوز
دار الخليج



الى جانب احتفاظ الفلسطينيين بمفاتيح بيوتهم التي غادروها في العام ،1948 أضيف إلى هذا الإرث التراجيدي مفاتيح أخرى كانوا قد أخذوها معهم وهم يغادرون بلادهم الى المنافي والشتات في العام ،1967 والبعض من الفلسطينيين لديه مفتاحان، الأول سكاكين الذبح في مخيمات اللاجئين والنازحين خارج فلسطين، فهؤلاء رموا مفاتيح منازلهم الى أقرب رصيف تنطلق منه باخرة تأخذهم الى المجهول على وجه هذه الأرض، فلا جدوى من مفتاح منزل في مخيم، أما مفتاح البيت في الوطن فهو الباقي لأن باب البيت مثل الكائن الحي يتنفس ويظل ينادي على عين الباب التي لا يغلقها الصدأ ولا غبار الأيام .





لكن الفلسطينيين لا يحتفظون بالمفاتيح فقط، إن صناديقهم مملوءة أيضاً بصور الشهداء، وما إن يبني الفلسطيني له بيتاً في مخيم أو في أيّ مكان على وجه هذه الأرض، حتى يقوم بزراعة شجرة في حوش داره، وهي في الغالب إما دالية عنب أو شجرة زيتون، كأنه بذلك يواصل امتداده الوجداني مع وطنه الأصلي المملوء بالأشجار .





ما إن يستوي للفلسطيني منزل خارج بلاده حتى يشعر بشيء من نصف الطمأنينة ونصف الحياة ونصف النوم، وهو، رمزياً، بما أنه زرع اشجار بلاده في منفاه وفي هجراته المتتالية فإنه، أيضاً، يشعر بنوع من نصف العودة الى دياره التي غادرها مرتين، وبين الهجرة وبين النزوح تتراكم صور الشهداء في صناديق الفلسطينيين الذين يقومون بتعليقها على الجدران في إطارات خشبية فقيرة، والبعض يضع إكليلاً من العشب أو من الورد فوق الصورة ليعطيها معنى الحياة والأمل في حلم فلسطيني طويل الأمد، اسمه: العودة .





ولكن ماذا لو امتلك روائي فلسطيني أو شاعر خيالاً مجنحاً أو سوريالياً ووضع لنا كتاباً يصور فيه هؤلاء الشهداء وقد خرجوا الى الحياة من هذه الإطارات الخشبية، والتقوا كلهم، شهداء، الهجرة وشهداء النكسة وما بينهما وما بعدهما على طاولة واحدة ليعقدوا محاكمة علنية للأحياء “الموتى” من بعض السياسيين الفلسطينيين، الذين تملأ صورهم صفحات الجرائد والتلفزيونات وهم يتحدثون بكامل الثقة السياسية، كأن فلسطين دولة حرة مستقلة وعندها سلاح نووي؟





ماذا يقول الموتى الأحياء للأحياء الموتى في الرواية الفلسطينية التي تنكتب يومياً بطبشور أسود؟ الله وحده يعلم عندما يصبح الخيال حقيقة .





متى تتكلم الصور وتخرس الألسن؟