لتصحي يا عسقلان من بين أطلالك

* ربعي المدهون




في مكالمةْ لي مع صديق كانَ عزيزًا ، سألني عن آخر أخباري ، قرّرتُ أن أفاجأهُ ، وأجعلَ مًن سؤالْ عاديّْ غيرَ عاديّ: رايح عَ حيفا بعد أسبوع.



اًرتعش هاتفُهُ في يدًهً ، لأنّ سؤالَهُ الثاني جاءني مُقطّعَ الحروف ، لا يكادُ يُلملمُ نفسَهُ في جملةْ سليمةْ: يا يا زززززلمممممة ايش في في حيفا.. ايش في.. انت مجنون؟



قلت: في حيفا يا صديقي وادي النّسناس ، هناك حيث حيفا لا تكفُّ عن ولادة حيفا سيّدة المدن وتوأمُها الشّقيق ، الّتي ربّتْكَ وربّتْني ، علّمتْني وعلّمتْكَ.. كيف نمسكُ بالحروفً ونصنعُ سرْدَنا. في حيفا يا صديقي حيفانا الّتي لا تكفُّ عن الحبَلً وولادة الأسماء: إميل حبيبي ، توفيق طوبي ، راشد حسين ، حنّا أبو حنّا ، والأنطوانيْن شُلحُت وشمّاس ، ورشدي الماضي وسهام داوود ، والنّفّاعيْن محمّد وهشام ، ومحمّد علي طه. في حيفا أمل مرقص وريم بنا وريم كيلاني ، وعشرات الأسماء الّتي تلد الأسماء. مَن فضحَ لك أسرارَ القصيدة يا صديقي ، ومَن علّمَني التّمشّي على خارطةً الرّواية ، كلانا وُلد على سفح كرملًها. في حيفا ياصديقي حيفا الّتي تلدُ الولادةَ نفسَها ، لكي تستعيدَ الولادةَ ، أليستْ حيفا هي مَن أعادتْ محمودَنا إلى رحمًها لتلدَهُ مرّةً أخرى ، وتزغردُ في يوم ولادتًهً الثّانية ، مثلما زغردتْ يومَ ولادتًهً الأولى؟ أليستْ حيفا مَن أيقظتْهُ في الصّباح على فنجانً قهوةً أمًّهً؟



حينَ عودتي سأهاتفُ الصّديقَ الّذي كان عزيزًا ، لكنّي لم أحملْ لهُ سلامًا دافئًا ، كعادة المسافرين مًنَ المكان إلى المكان ، سأقول له:


شفت باقية في حيفا ، وشفت سعيد كان متشائمًا وصار متفائمًا ، وولاء الصّغير كبُرَ بحجم محبّتي له ، لكنّه لم يُحمّلْني السّلام ، لأنّ مَن ينسى حيفا ، تنساه سيّدةُ البلاد الّتي كانَ اسمُها فلسطين وصارَ اسمُها فلسطين ، وتعرفُ أنت قائلَ هذا الكلام أكثرَ ممّا تعرفُني.



أمس: حملتُ نكبتي إلى نكبتي ، باحثًا عن طفولةْ أضعتُها في مكان ما ، مًن مدينةً المجدل عسقلان مسقطً رأسي ومدينتي الأولى ، لقد تأخّرتْ زيارتي لها اثنيْن وستّين عامًا ، وجميعُنا يعرفُ السّبب. وقفتُ على حوافًّ بقايا المدينة ، كمّن يقفُ على حافّةً ذاكرةْ لا تقوى على حمْلًهً ، للحظاتْ قَسَتْ عليَّ المدينة ، كأنّما تُعاتبُني على طولً غياب ، كأنّني مسؤولّ عن نكبتي ، حقّا ، ألستُ مسؤولاً عن نكبتي؟



للحظاتْ بقيتُ مشدوهًا أحاولُ لملمةَ مشاعري ، ولا أجدُ سوى صمْتً مشاعري ، لكي أُعطي لمدينتي الأولى فرصةً كافية ، لكي تتذكّرَني بعدَ اثنيْن وستّين عامًا على هجرتي. اثنان وستّون عامًا على نكبتًنا الّتي جعلتْ تاريخَنا مسبحةَ نكباتً ، منذُ وعَدَ الرّبُّ بوضْعً الفلسطينيّينَ في خيمة ، وقد أنزَلَهم مًن سًفر التّكوين. مذبوحّ أنا بوعْدً الرّبّ ، بوعْدً صاحبةً الجلالة ، بلسان بلفور إله المستعمًرين. أنا مذبوحّ لأنّ حكومةَ جلالتًهً نظرتْ بعيْنً الرّضا والعطفً ، لإنشاءً وطنْ قوميّْ لليهود في فلسطين ، لكي تكون على أرضي إسرائيلُ ، مولودةً مًن رحم الأساطير والكذبةً الأولى وخيطانً الحكاياتً وعبَثً الخرافة.



فجأة شعرتُ بأنفاس المدينةً تحمًلُني إلى ذاكرتي ، حينَ اندفعتْ إلى عيني يافطةّ زرقاءُ معلّقةّ على جدار ، هو قطعةّ مًن جسدً المدينة. والصّديقةُ لبنى الّتي تُرافقُنا وزوجُها الصّديق صالح عباسي ، الّذي قدّمَ لي مفاتيحَ منعطَفْ تاريخيّْ أُغلقَتْ أبوابُهُ ستّةَ عقود ، هرعتْ وزوجتي سناء لقراءةً اليافطة الّتي أخذتْ تعترفُ لي في صرخة لبنى: هادي حارة المدهون، في تلكَ اللّحظةً عرفتْني المدينة ، وأخذتْ تُقلّبُ صفحاتًها ، بينما أبحثُ أنا عن بقعة ما في مكان ما سمًعضتْ صرختي الأولى.



وجدتُني أصرخُ صرختي الأولى: لتصحي يا عسقلان مًن بين أطلالًكً ، يا مجدَلَنا يا مجدًا لنا ، نًمْتً ستّينَ عامًا ، في انتظارًكً أحفادُ كنعان ، مباركةّ أنتً يومَ وُلدتً قبلَ خمسةَ آلاف عام ، مباركةّ أنتً يومَ تعودين ، يومَ تخلعين عنكً أثوابَ الخرافةً وأسفارَ الأكاذيب. تستريحين على شواطئً الخريطةً يومَ القيامة ، وعسقلان سمعَتْني حين ناديْتُها بكلًّ الأسماء ، سمعَتْني حين ناديت ، لأنّها عرفَتْني منذ كانتْ عاصمةَ الفلسطينيّين.



بعدَ ستّة أيّام أعود إلى لندن ، لأعيدَ تأثيثَ منفى يلدُ مًنَ المنفى ، لكنّي سأُطمْئًنُ الصّديق الّذي كان عزيزًا ، أنّني شفت باقية في حيفا. سأقول له لكي أوقظَهُ مًن نزقًهً الطّفوليّ.. حيفا باقية في حيفا.. لأنّ باقية باقية في حيفا.. لكي تطمئنَّ على ولاء ، وولاء يدير باله على أمّه.. باقية باقية في حيفا ، لأنّ حيفا باقية في حيفا ، لأنّ أهل حيفا ما زالوا ينطقونها حًيفا.



ہ كلمة الروائي الفلسطيني ربعي المدهون في شهر الثقافة والكتاب العربي في حيفا ، حيث كان مدعوا لندوة يوم الأحد الماضي ، عن روايته (السّيّدةُ مًن تلّ أبيب) ، وهي الفائزة على اللاّئحةً القصيرة لجائزةً بوكر للرّواية العربيّة لعام 2010 ، بالتّعاون بين المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر في بيروت ، ومكتبة كلّ شيء العربيّة في حيفا. وكانتً الرّوايةُ قد استُقبًلتْ بحفاوةْ بعدَ صدورها أيّار الماضي ، وأثارتْ جدلاً كبيرًا بينَ النّقّاد العرب ، لطبيعةً موضوعًها وأسلوبً تناولًهً ، واختلافً مقاربتها للصّراع العربيَ الإسرائيليّ.

* الدستور الاردنيـة