اهتزت أوراق الشجرة ، ومال غصن حتى كاد يلامس صفحة النهر قالت:
- كل الأشياء تتحرك ، أنت تمضي من مكان إلى مكان ، ترى الدنيا وتشاهد الناس ، والحيوانات... ولك.. كل شيء ، أما أنا فجذري مغروس في الأرض ، ثابتة في مكاني ، لا أتحرك ، أنا حزينة أيها النهر ، حزينة لأنني بدأت أحس بالملل والضجر.
استمع النهر إلى صديقته الشجرة بانتباه ، ومودة وقال لها: سأحاول أن أساعدك ، فلا تحزني ، عليّ الآن أن أواصل مسيري في مجراي حتى أصل إلى الوادي الكبير ثم إلى البحر ، يجب أن لا أتاخر ، فالكثيرون في انتظار وصولي، وداعا.
منذ ذلك اليوم ، امتنعت الشجرة عن امتصاص المياه والطعام ، فبدأ الشحوب والاصفرار على الشجرة ، ولم تظهر براعم جديدة لأية زهرة. وهذا ما لم يحدث من قبل للشجرة.
حزن النهر كثيرا على صديقته ، التي كان يراها تزداد اصفرارا يوما بعد يوم ، ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا في البداية ، فقد كان عليه أن ينحدر إلى الوديان ، ويسير بين القرى لسقي الأرض ، ويعطي المياه للكائنات.
فيما كانت حياة النهر تهدر ببطء من إحدى الصخور ، وقف عصفور على قمة صخرة ، وصاح:
- ما بالك أيها النهر تبدو حزينا على غير عادتك؟ أين سرعتك؟ وأين صوت خريرك الجميل؟
دعني أصغي إليك ، فلقد تعلمت منك لحنا جميلاً ، أحبه زملائي العصافير في الغابة ، فلماذا لا تسمعني خريرك الجميل؟
صمت النهر قليلا.
ثم أصدر صوتا جميلا مليئا بالحزن ، وأخبره بحكاية صديقته الشجرة.
هز العصفور جناحيه ورفع رأسه وزقزق طويلا ، وقال:
- لدى فكرة أيها النهر الصديق،
ثم طار وهو يقول: "ستعرف غدا كل شيء"
وفي اليوم التالي ، اصطحب العصفور كروان مجموعة من العصافير: حساسين وبلابل وكناري ، وحطوا جميعا على الشجرة.
قال العصفور كروان صديق النهر:
- أيتها الشجرة جئنا إليك من كل الغابات ، ومن أعالي الجبال ، فالنهر قد أخبرنا وهو صديق كل الطيور ، وأنت أيتها الشجرة جميلة ، مليئة بالأغصان ، ولا نريد أن تحمل أغصان أية أوراق صفراء فهل تقبلينا أصدقاء لك؟
فرحت الشجرة بأسراب العصافير والطيور وهتفت:
- أجل ، فكيف أكون صديقة لكم؟
قال العصفور كروان ، بينما كان الجميع يزقزقون ، وينشدون بفرح:
" نحن نسكن بلادا بعيدة ، وقد جاء الشتاء وستساقط الثلوج ، ويشتد البرد ، فهل تسمحين لنا بالإقامة بين أغصانك لتعطينا دفئك الجميل ولنضع البيض في أعشاشنا؟
أضاف الكناري الصغير:
- ونربي صغارنا - أفراخنا بين أغصانك.
أكمل السنونو:
- وكلما طرنا ، وعدنا ، وسنروي لك ما نشاهده في الدنيا ، سنغني لك ونشدو ، ونغرد ونزقزق ، ونحكي لك كل شيء عن الدنيا.
فرحت الشجرة كثيراً ، وضمت أغصانها في حنان على أصدقائها العصافير وقالت:
- سأحميكم من الرياح ، ومن أشعة الشمس حين تشتد حرارتها.
فرحت الشجرة ، فرح النهر ، خرجت العصافير ، وبدأت تشدو وتغرد وعاد النهر يواصل خريره الجميل ، ويواصل سيره إلى الوديان والحقول ، والقرى ، ويسقي من مياهه الأشجار والكائنات.