وداعاً سأغادر نحو الربيع
مقال فوزية السنــدي




-1-



كان يرسم مشاعره بدقة على الورق، يفصل الألم ويبهر بموهبته الرفيعة كل السدود التي تتعالى امامه، يحتضن فرشاته بأصابعه المرتجفة لينحت طريقاً آخر يلهم المشقة التي كدرت صباه، متجهاً لحقل الغربان الأصفر المغمور بفيضان عباد الشمس، محملاً بمثاقيل الروح والأوراق والألوان الزيتية والحامل الخشبي الذي يسند لوحته وعمره، تراه يجد الخطى وحيدا ليكتشف ذاته . مرتدياً عنف ذاته يفتش عن وقت يخلو منه .




معتمراً قبعته القشيه ونظراته الحادة وتجاعيد الزمن المرتسمة على جبينه الحالم، كان “فان غوخ” يخترق الوقت كله ليصلنا على الدوام كلما حدقنا في لون له، انحناءة فرشاة، تجسيد ما، يفسر عمق موهبته النادرة التى ادمت حياته القصيرة .





كتب لأخيه ثيو:




مازلت أذكر: “كان الوقت غسقاً أو ما بعد الغسق وقبل الفجر . اللون الليلكي يبلل خط الأفق . . . آه من رعشة الليلكي . عندما كنا نخرج إلى البستان لنسرق التوت البري . كنت مستقراً في جوف الشجرة أراقب دودة خضراء وصفراء بينما “أورسولا” الأكثر شقاوة تقفز بابتهاج بين الأغصان وفجأة اختل توازنها وهوت . ارتعش صدري قبل أن تتعلق بعنقي مستنجدة . ضممتها إلي وهي تتنفس مثل ظبي مذعور . . . ولما تناءت عني كانت حبة توت قد تركت رحيقها الليلكي على بياض قميصي . . منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس رحيقها الليلكي على بياض قميصي . . منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس بأن سعادة ستغمرني لو أن ثقباً ليلكياً انفتح في صدري ليتدفق البياض . . . يا لرعشة الليلكي . . .




الفكرة تلح علي كثيراً فهل أستطيع ألا أفعل؟ كامن في زهرة عباد الشمس، أيها اللون الأصفر يا أنا . أمتص من شعاع هذا الكوكب البهيج . أحدق وأحدق في عين الشمس حيث روح الكون حتى تحرقني عيناي . شيئان يحركان روحي: التحديق بالشمس، وفي الموت . . أريد أن أسافر في النجوم وهذا البائس جسدي يعيقني! متى سنمضي، نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المدماة . .




ولكن إلى أين؟





- إلى الحلم طبعاً .




-2-



التغيير فعل كوني، يجيده من يصغي لنبض الكون، من يتحول لمشكاة ترج الظلمة لتبتكر النور .




حدد هدفه نحو إعادة البراءة الى العالم، الينوع المرئي، المحبة غير المشروطة، عندما يرى التجاعيد تغزو العالم يندفع لتحقيق دوره التغييري عبر الابداع وذاكرته الرصينة التي تجيد نحت الألم ليكون درساً خالداً للبشر كمعلم أول لمعنى الأمل، المرشد الروحي الاول لاكتشاف خبايا الذات، وتفجير كافة القدرات الكامنة في بصيرة تنير الرؤى، بقدر ما استرعى قسوة العالم ونكباته وملماته ذهن “فان غوخ” بقدر ما دونه بيسر على لوحاته ممتشقاً زيوته وخبرته العذبه ليرسم عذاباته بصبر الوردة أعلى الغصن أمام الحقل كله:




“لقد شاخ العالم وكثرت تجاعيده وبدأ وجه اللوحة يسترخي أكثر . . . آه يا إلهي ماذا باستطاعتي أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟ الفرشاة . الألوان . و . . . بسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة . حادة ورشيقة . .ألواني واضحة وبدائية . أصفر أزرق أحمر . . أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى” .





-3-



“فان غوخ” أجمل من مدح الموت كحقيقة وجودية من الصعب التصدى لها بالخوف أو التجاهل، لذا اعتنى برفقته، صاحب الموت كصديق عارف به، جامله وهو يصف تقلباته على الورق، بل راح يبوح له بشقاء حياته وينتظر الذهاب له لملاقاة غموضه، انتحاره كان قراراً ولم يكن انفعالاً ما هب فجأة على روحه، بل برنامجاً بدأ بتصديره أمام كل تحد يكسره ويقاومه ثم يكسره حتى انكساره الأخير، شبه صخرة تفتت وهي تجابة الموجة تلو الأخرى حتى تماوهت بالغياب .




رسائله مع أخيه ثيو ذخيرة نقدية وجمالية وروحية لا تضاهى، كل كلمة حكمة،كأنها لوحات أو سوناتات أو ما لا يوصف من احاسيس ومشاعر تحلق بك نحو الأعالي، كلما اصطدمت برعونة العالم رحت أبحث عنها، واقرأ ببطء حروفها المضاءة بتجربة انسانية ابداعية ملهمة، سأورد مثالاً على طريقة كتابته وتصديه لانفعالاته على اللوحة، مما سيوضح الى أي حد كان “فان غوخ” لا يفرق بين الرسالة أو اللوحة، في كلتيهما يصف معاناته، يوضح بالألوان خفايا موهبته العصية على الاحتمال ويرسلها للناس، يهديها لمن يعبأ برجفة قلبه المضاء على البياض:





أمس رسمت زهوراً بلون الطين بعدما زرعت نفسي في التراب، وكانت السنابل خضراء وصفراء تنمو على مساحة رأسي وغربان الذاكرة تطير بلا هواء . سنابل قمح وغربان . غربان وقمح . . . الغربان تنقر في دماغي . غاق . . . غاق . . كل شيء حلم . هباء أحلام، وريشة التراب تخدعنا في كل حين . . قريباً سأعيد أمانة التراب، وأطلق العصفور من صدري نحو بلاد الشمس . . آه أيتها السنونو سأفتح لك القفص بهذا المسدس:



القرمزي يسيل . دم أم النار؟




غليوني يشتعل:




الأسود والأبيض يلونان الحياة بالرمادي . للرمادي احتمالات لا تنتهي: رمادي أحمر، رمادي أزرق، رمادي أخضر . التبغ يحترق والحياة تنسرب . للرماد طعم مر بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلقاً بها . . . لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي . . ولكن لماذا؟!إنه الإخفاق مرة أخرى . لن ينتهي البؤس أبداً . . .



وداعاً يا ثيو، سأغادر نحو الربيع .