«جري الوحوش»
تاريخ النشر: الإثنين 24 مايو 2010
دائماً ما نتعجل الأمور ظناً منا أنها الأفضل أو المنفذ الوحيد لنا حتى نصل إلى غايتنا. «الغاية تبرر الوسيلة» هي مقولة المذنبين على الأرجح، يحاولون أن يختبئوا وراءها؛ إلا أنهم لا يدركون أنها اعتراف كامل بخطاياهم.
ساقني حديث مع إحدى الزميلات إلى قصة جميلة لسيدنا علي، رضي الله عنه، قصة تختزل الغاية والوسيلة. تقول القصة إن علي بن أبي طالب وقف بقرية أثناء سفره.. فبحث، رضي الله عنه، عن مكان يربط به ناقته ولكنه لم يجد، فسأل رجلاً من القرية ليمسك ناقته إلى حين أن يصلي في المسجد، فوافق الرجل فأعطاه رضي الله عنه اللجام ودخل المسجد.
وعندما انتهى، رضي الله عنه، من الصلاة وهو خارج من المسجد أخرج درهمين من جيبه ليعطيهما للرجل جزاءً لما فعله... ولكنه لم يجد الرجل ووجد الناقة ولكن لم يجد لجامها، فكيف يمسك الناقة بدون لجام؟؟ فذهب إلى السوق.. وأثناء تجواله وجد لجامه، فسأل رضي الله عنه البائع: من أين لك هذا اللجام؟؟ فقال البائع: باعنيه رجل الساعة.. أي باعني إياه رجل للتو، فسأله: وبكم باعك؟؟ قال: درهمين! قال رضي الله عنه: سبحان الله.. أردت أن أعطيهما له حلالاً، فأبى إلا أن يأخذهما حراماً ويسأله الله عنهما.
يقول المثل المصري «اجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش»، غير أن جري الوحش هذا يفقد الإنسان الكثير، وهنا ليس شرطاً بالجري أن يكون غير مستقيم، ولكن العجلة والرغبة للوصول إلى الغاية تجعل منا أحيانا وحوشاً. وغالباً ما يسقط الإنسان الذي يجري للغاية متناسياً الوسيلة، فهو وإن وصل كما فعل صاحب اللجام لم ولن يصل أبداً، لأنه فقد الاستحقاق بالوصول رغم أنه عمل ليصل. وأن نصل أو لا نصل بعد هذا الجري لن يغير من أهمية الوصول سالمين راضين.
القناعة والرضى بما لديك لا يلغي حقك في الطموح المشروع الذي لا يقوم على أكتاف الآخرين، فإن ارتقاء الدرجات لا يتم بالقفز بل بالخطوات السليمة.
ودائما هناك شيء في انتظارك، فلا تستعجل الرزق لأن العجلة أو الجري قد يعثرنا أحياناً، ويبقى الرزق من أمور الرزاق سبحانه الذي قال «وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ» صدق الله العظيم؛ ولله في خلقة شؤون.





رد مع اقتباس