وادي القمر: ترويدة على سجيّة اللجين والأرجوان
للرمال ذاكراتها الخرافية ، وهي توغل في انثيال مجازاتها. بينها وبين الريح صداقة أزلية أرجوانية لا تموت: حوار أبدي أنجزَ خربشات لوحة تشكيلية بحجم المجرة ، وبحجم دهشتنا بها: لوحة تشكيلية تحاور البال كما لم يحدث من قبل: ألوانها الأرجوان واللجين والشواظ. فصول للون وفصول لصهيل الوقت في أنامل الذاكرة. الريح تمسح خطى العابرين على سهوة الرمل بأرجوانه الذي لا يشبه غير شهوة عشق حارقة ، والرمال تشيّعُ تواقيع خُطى للذاكرة ، فتصهل الريح وهي تتلاطم من فرط شهوتها على صدور الجبال التي بدت قامات صبايا بحجم الحلم ، فتنحت الريحُ تماثيلها التجريدية: تنحت الريح قصائدها المشتاة في بطون الحجارة ، فتصير اللحظات تأويلاً على تأويل الريح ، ويمر العابرون مرة أخرى: العابرون الذين تيمموا بقسوة الهجير.. بمرارة الشيح.. بلسعات الشوك الحولي: العابرون الذين استراحوا عند رقصة القمر في الوادي يمرّون ليَقرؤوا صداهم ـ كل واحدْ على سجيته ـ في صدور الجبال وأكتافها ، وقد اكتوى الصدى بشموس الرمز وبصفير المجازات.
المجازات ، في الصحارى ،
لها نكهة الوردة في الوريد ،
ولها تباريح الأرجوان.
أرجوانية هي الرمال كأرجوان الشعر واحمرار القصيدة ، لها ذاكرتها الخرافية وهي توغل في انثيال مجازاتها ، بينها وبين القمر ـ حينما يدب الليل في الأودية والشعاب والمفازات والكهوف ـ حوار الشرفة للأرصفة. رصيف أرجواني ينساب رملُ وادي القمر. وللأرصفة نكهتها التي تبقى تخفق في صدر البال ما دام في البال حنين لشعرْ أو غناء. شرفة لجينية هو القمر ، يطل من مُرتقاه الأزلي على لوحة الوادي ورصيفها المضمخ بالأرجوان ، يمنح الأشياء حقيقتها الماوراء الحقيقة. الماوراء هو الحقيقة: ففي الليل يخرج حزنُنا ، يتبختر على سجيته البدائية ويشهق بدمع الحنين. في الليل يخرج فرحنا يغذ الخطى ويعلي من كركرات الصَّبَا ، بينما الجبال ـ وهي تتلطخ باللجين وبانعكاسات الأرجوان ـ تشهق بالنهوند. في عز الشموس نداري رعونتنا ، شبقنا ، شهواتنا ، أسئلتنا: نداري الصراخ ، ونداري همس مصاطب البال ، لكن اللجيني يجيء ليفضحنا: ليهتك بكارة السكوت والانزواء. هنا أجيء ، الآن ، وفي قلبي وردة من ورود الشرفات في صباحات المدينة ، اعشّقها الآن برحيق ورود الرمال. يااااااااهْ ما أجمل النهوند في غمرة الرمال: الرمال التي تتسع ذاكراتها باتساع الحلم والأمنيات،
وادي القمر ، حيث تستحيل اللحظات إلى قصيدة بطعم الشواظ: الشواظ الذي كان خلفه الغروب نثاراً على ذرى الجبال قصيدة بطعم اللجين الذي يوزعه اللجيني للمكان وهو ينساب في كف اللحظة كمقولة عصية على النسيان.. هنا ترويدة على سجية اللجين: هنا ترويدة على سجية الأرجوان:
يا حادي العيس ،
في بهو قلبي خيالات من راحوا
أجيء ، الآن ، هنا
ألملمُ الأصداء ، أعصرها ككمثرى ،
وامزجها مع النهوند ، فأصيح مغموراً بأمنيتي ،
فيردد رثمَ صوتي المبحوح من ورائي ، الوادي
جلال برجس
شاعر وكاتب أردني
الدستور الاردنيــة






رد مع اقتباس