في خريف العمر
* موسى إبراهيم أبو رياش
* الدستور الاردنيــة
في انتظار غودو
كنتُ أحب أن أرتاد مقهى قديماً لا يجلس فيه إلا كبار السن ، عادة: مقهى هادئاً عتيقاً تشعر فيه بعبق الماضي ورائحته وطقوسه. لفت انتباهي عجوز سبعيني يجلس صامتاً يُديم النظر إلى الطريق ، ويراقب المارة ، يكاد لا يفلت منه أحد ، أمامه كأس شاي يرتشفه على مهل طوال جلسته التي تستمر ساعات طويلة. من باب الفضول سألت العم أبا سعيد عن حكاية ذاك السبعيني ، فأجابني: سافر ابنه ، منذ ثلاثين سنة على الأقل ، ومن يومها لم يسمع عنه أي خبر ، وهو ـ كما ترى ـ يتأمل المارة ، منذ سنوات ، لعل ابنه يرجع يوماً ما،.
ذكريات
كانا يلعبان ، بحكم العادة ، لعبة "الضامة" التي لا تنتهي ، وذات لعبة قال الأول لصاحبه: يا لله ، كم رأيت جدي يلعب "السيجة" مع أترابه تحت شجرة التين العملاقة أمام بيتنا في يافا ، وكنت أراقبهم بشغف لأتعلم منهم ، و... فقاطعة الثاني: يا رجل ، صرت حاكي هذه القصة ألف مرة ومرة. ما عندك قصة غيرها؟ شعر الأول صدمة عنيفة لطمت قلبه وقال: وأنت كم مرة حكيت لي قصتك وأنت تصطاد العصافير في البيارات ، وأنك كنت الأكثر مهارة من بين أولاد القرية؟ سكتا قليلاً ، كأنهما يستذكران الماضي ، ثم قال الأول: يا رجل ما في أحسن من حكايات وقصص وذكريات بلدنا. غُصت الكلمات في حلقه ، ولم يستطع أن يكمل. سكت ساهماً... انحدرت الدموع من عينيهما بصمت وبطء ، ثم تحولت إلى نهنهات ونشيج،.
مجرد حكاية
ذات مساء صيفي ، تحلقت حولها حفيداتها يسألنها أن تحدثهن قصة مما تحفظ. حاولت التهرب ، لكنها ـ تحت إصرار وإلحاح وحصار الصغيرات ـ لم تجد بداً من تلبية طلبهن. حدثتهن عن قصة فتاة كانت أجمل فتيات القرية. كانت محط إعجاب الجميع: شيباً وشباناً. وكم طرق بابها الخطاب، لكنها أبت أن تقبل بأي منهم: فقد كانت تنتظر فارس أحلامها الذي لم يظهر بعد ، ولم تنطبق أوصافه على أي واحد منهم. وبعد عصر يوم جميل جاء الفارس المنتظر من قرية مجاورة ، فوافقت عليه من دون تردد ، وسرعان ما تمت إجراءات العرس ، وعاشا بسعادة وسرور ، ورزقا أولاداً وبنات ، وبقيا أسعد زوجين حتى فرق بينهما الموت. سألت طفلة شقية: هذه قصة من خيالك يا جدتي أم هي قصتك أنت؟ نهرتها الجدة قائلة ، وعيونها تلمع: عيب يا بنت... هي قصة وخلاص،.
زنزانة
تجلس في غرفتها ، يرافقها الصمت والشيخوخة. تتكئ على ساعدها الأيمن. تخاطب نفسها قائلة: كان هذا البيت ، قبل سنوات ، يمتلئ بأربعة أولاد وخمس بنات ، وها هو الآن فارغ إلا من الصمت والوحشة.
تسكت هنيهة وتكمل: الله يخليها نعيمة ، رغم مشاغلها وأولادها فهي لا تنساني وتتفقدني مرة كل شهر أو شهرين ، والبقية يتصلون بي هاتفياً للاطمئنان على صحتي.
تتساقط دموعها حنيناً وشوقاً ، وتقول من قلبها: اللهم إني راض عنهم فارض عنهم ، ولا أريد إلا سعادتهم وراحتهم وهناءة بالهم.
البيت كان بهم رحباً واسعاً رغم كثرتهم ، وهو الآن ـ على اتساعه وفراغه ـ يضيق بي كزنزانة.






رد مع اقتباس