رواية «في خانة اليَك»..السؤال الجيّد يزعزع الأفكار المستقّرة
مقال محمود منير
الدستور الاردنيــة،،








تخلب رواية "في خانة اليَك" لمؤلفها السويسري ، من أصل روماني ، أيوجين لبّ قارئها: فهي ، وإن صنفت ضمن أدب الفتيان اليافعين ما بين 18و12 سنة ، إلا أنها تُعَدُّ تمريناً جاداً على فن الكتابة الروائية: لما تمتلكه هذه الرواية من بنية سردية متماسكة ، وأسلوبية متفردة تجتذب القارئ: فلا ينفك عن العمل حتى ينهي قراءته دفعة واحدة.



يستمتع قراء النص المترجم إلى اللغة العربية بالترجمة الاستثنائية والحساسة للشاعر والمترجم وليد السويركي ، الذي يدهش ، بداية ، باختياره عنوان الرواية: "في خانة اليَك" ، مفضلاً إياه على الترجمة الحرفية للتعبير الفرنسي mettre en boite الذي يعني "وضع في علبة" ، كما أبدع في وضعه الهوامش ، ونجح في شروحاته بترجمة المفارقات رغم اختلاف اللغة والثقافة وبيئة العمل.


تفترض رواية "في خانة اليَك" ، التي صدرت عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة) ، متلقياً ذكياً ، مهما كان عمره ، إذ ينتقي الكاتب موضوعاً يستأهل اهتمام المرء منذ بدايات تشكّل وعيّه ، تكمن في طرح أسئلة من شأنها التشكيك في حقائق تبدو ثابتة ، أو ليست في حاجة إلى التساؤل حولها: لأن ذلك من شأنه التشكيك بيقينيات تمس تكوين الأُسَر أو المجتمعات أو السلطات التي تحاول تكريس إجابات أكيدة وراسخة من أجل ديمومة وجودها.


وتمثل المقولة التي افتتحت بها الرواية مدخلاً مناسباً لاستيعابها ، وهي في الأصل لكاتب أدب الطفل السويسري بيتر بيشسيل ، وتقول: "أنْ تكون راشداً ، ربّما ، هو أن تحيا الإجابات من دون أن تُطرح الأسئلة ، على سبيل المثال:


- لماذا هنالك حروب؟ يسأل الطفل.

- لسوء الحظ ، هنالك حروب ، يجيب الشخص الراشد".


تلعب الطفلة ساشينكا دور البطولة لما تمتلكه من ذكاء وموهبة في طرح الأسئلة الرافضة لكل ما هو سائد ، أو يبدو مألوفاً فعله ، وهي تنجح في إرباك والدها صبيحة ذلك اليوم: لتوجيهها له سؤالاً حول سبب رفعه إصبعه الصغرى ليحدد كمية القهوة التي تسكبها زوجته في فنجانه ، وبرغم أن هذا الفعل العفوي يتكرر يومياً ، إلاّ أن الأب أنكر ـ للوهلة الأولى ـ قيامه به لعدم تذكره فعلته ، ما استدعى توضيحاً من الأم.


طرح هذا السؤال البسيط جلب الحيرة للأب: فلم ينتبه لمرور الحافلة التي تقلّه إلى العمل ، وأقعده (السؤال ذاته) في البيت ساعات ليسأل نفسه جملة من الأسئلة التي تناقش سنوات عمره الثماني والثلاثين ثم يغادر البيت من بعدها ويخطب بعمّال بلدته الصغيرة "نولو" محرضاً إياهم ضد ظلم السيد رودوي ، مالك مصنع العلب ، وجميع المرافق التي بُنيت حوله ، مؤسًّسَةً لتجمُّع من السكّان يرتهن له في جميع نواحي حياته.


لم تكتف ساشينكا باستفزاز أبيها ، بل واصلت طرح الأسئلة ، مؤمنة بقدراتها الفريدة ، لتدفع شرطيي السير إلى ترك عملهما بسؤالها المشكك حول ديمومة القوانين ، ثم تحرج مدير مدرستها - وهو صهر رودوي - لسؤاله عن ماهية الورقة البيضاء.


أسئلة ساشينكا تستدعي وقفة على كيفية التوجه للفتيان ، على وفق تصنيف الرواية: فهي تشير إلى ثقافة متقدمة ترى الفتى نداً يستوجب إشراكه في عملية بناء وعيه ضمن رؤية تؤمن بنسبية الحقيقة وتعددها ، إلى درجة تتطلب إعادة طرح الأسئلة حول كل اليقينيات في حياتنا ، على خلاف ثقافات أخرى ، ومن أبرزها ثقافتنا العربية التي تنظر إلى أدب الفتيان وأدب الطفل ، كذلك ، بوصفه مادة وعظية وإرشادية ، وتصنّف الأفعال والصفات والأشخاص ما هو شرير وما هو طيب.


بالانتقال إلى كتابة الرواية نفسها ، فإن "في خانة اليَك" تقدم نموذجاً خاصاً لكتابة موغلة في البساطة ، إلاّ أنها على درجة عالية من العمق والغنى سواء في مضامينها أو في تصورها لشكل الحكاية التي تحاك بعفوية لكنها تظل حمالّة مفاجئات ومفارقات تمنح القارئ الإثارة ، وتصنع له غموضاً ما يسعى لملاحقته طوال العمل ، إضافة إلى تلك اللغة النادرة في تملكها تساؤلاتْ فلسفية ومعرفية عميقة من دون أن يتخلى كاتبها عن مواجهة النشء وتورطيهم في لعبته.


ينتقد أيوجين نظام التعليم ، سواء في تشخيصه مديرَ المدرسة أم في تفسيره دواعي تعاطف المدرسات والمدرسين مع تمرّد ساشينكا ، من دون اللجوء إلى إيديولوجيا معينة ، أو التسليم بأفكار مسبقة ، وهو يمارس الانتقاد ذاته في مواجهة السلطة التي يمثلها رودوي ومستشارته فريمولو.


ولكن النقد الأخطر يظهر في تعامله مع العقل الإنساني من خلال طريقة تفكيره ، أو استجابته للأسئلة وما ينتج عنها من أجوبة وما تدفع به تلك الأجوبة من تساؤلات حولها مجدداً ، وهو بذلك يضع يده على أخطر ما يجب أن يتعلمه الطفل لكنْ يبدو مفقوداً في مجتمعاتنا ، أو إنه يُغفل عن سابق إصرار وتعمد.


في جملة الأحداث والإرباكات التي وقعت بفعل تساؤلات ساشينكا ، فإن أيوجين يبدع في خلقه شخصية السيد كاشكافال ، حارس المدرسة ، الذي يعجب بساشينكا ويدير معها حواراً عميقاً جدير بالانتباه له ، خاصة ، في قوله: "إن الناس الاستثنائيين ، لا بدّ أن يكونوا عاديين إلى حدّ ما ، والناس العاديون هم ، في أحيان كثيرة ، إن نحن كلّفنا أنفسنا عناء معرفتهم ، استثنائيّون" ، وهو لا ينفك عن إثارة مزيد من الأسئلة أو إبداء ملاحظاته حول تساؤلات الطفلة المشاكسة ليشير إلى "معرفة مهمة" لا نتلقاها في المدارس.


ويكون لهذه الشخصية دور رئيس في شحذ همة ساشينكا حتى تبلغ أسئلتها نهايتها بتحطيم سلطة رودوي عبر احتجاجات العمال التي حرّضتهم ، إذ ينجح كاشكافال في خلق معنى وغاية لسؤالات ساشينكا ، بإقناعه الجميع أنْ يُوْدعوا أسئلتهم لدى ما كان سابقاً يسمى مصنع برودوي ، ثم تباع كل تلك الأسئلة في أنحاء العالم أجمع ، حيث السؤال الجيّد من شأنه أن يزعزع الأفكار المستقّرة وأن يكسر العادات ، على حد قوله.


يختم أيوجين روايته بالإشارة إلى توقف ساشينكا عن استخدام قدرتها الخاصة ، لكنه يلمح إلى أنه قد يأتي يوم تشعر فيه ، مجدداً ، الحاجة إلى فعل ذلك ، ما دامت تعرف جيّداً أن الأمر لا يتعلق بقدرة يمكن استخدامها بطيش وخفة.