اكتشاف
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
الجار في الإرث، والقريب أولاً ثم الصديق، والناس بالناس مقولة تلخص عبقاً تاريخياً ما زال يشع ويبهر . الناس، المجتمع، الازدحام والضجيج تشابك الأيدي في حركة التقدم . الساعد بالساعد والعين تحاول محاكاة العين، والرسائل دليل . رسائل المعرفة بأعمق المعاني قبل رسائل الغرام والانتقام . الرسائل التي لا تقولها الشفاه، لكنها تنتقل مباشرة من القلوب إلى القلوب، نحو غاية أبدية معلومة: المحبة، والمزيد من المحبة، في عالم يركض وراء نفسه وكأنه يلهث، بل هو يلهث بالفعل، ويتعب ويتصبب عرقاً، ويخيل إليه أنه وصل، ثم يكتشف أنه واهم، وأن الطريق طويل، والعمر قصير، والعثرات أكثر من سنوات عمر الإنسان وجميع أقربائه وجيرانه ومعارفه .
فكّرت بكل هذا لوهلة، ثم ذهبت إلى خيال يطاردني منذ طفولة الجموح والشغب: ماذا لو وجد الإنسان، أي إنسان، فجأة، أنه الوحيد في العالم؟
هل تقارن هذه الوحدة بأية وحدة سابقة، وكم فيها من العزلة؟ . . كم فيها من الراحة والسعادة؟ . . وكم فيها من التعاسة والحزن؟ . . كم في هذه الوحدة الافتراضية من حسن وسوء النيات؟ . . كم فيها من الحقيقة والمجاز والوهم والدهشة؟ . . كم فيها من الملل؟
أتخيل نفسي، والتخيل من حق الإنسان، وحيداً على الأرض، فيتراوح الشعور بين الضجر والفرح . جميل أن يكون الإنسان وحيداً في العالم، والأجمل ألا يكون وحيداً . المسألة أبعد من الحل السهل حيث الإنسان اجتماعي بالفطرة .
الغريزة قبل الفطرة، والإنسان الحقيقي لا يجد نفسه إلا إذا كان وسط الناس، خصوصاً حين يكون وسط الزحمة .
ليست دعوة مبطنة إلى استمرار الازدحام المروري القاتل مثلاً، لكنها دعوة أكيدة إلى اللقاء، وإلى تأكيد قيمة اللقاء، وإلى العمل سوياً على كسر العزلة .
كشاعر أو كاتب أو متخصص في لغة العيون، فأنا بطبعي مؤيد للعزلة، ومن خلال تجربة طويلة في الكتابة والحياة، اكتشفت أن العزلة، حتى العزلة، لا تحلو إلا وسط الناس .





رد مع اقتباس