" الإخلاص شجرة في القلب "


قد يسعى بعض الأشخاص، ممن يحبون الظهور للمجتمع بأحسن الصفات وأسماها، إلى ضرورة ذكر أسمائهم في المحافل الخيرية والمساهمة الدائمة للخير، واللحاق المستمر بركب الأعمال الخيرية الظاهرة، لكي يشار إليهم بأن فلاناً من أهل الخير، وعلاناً صنع أمراً خيراً، ولولا وجوده لما كان حدث و..... من هذا القبيل، لتظل أسماؤهم وأعمالهم مرتبطة بالخير، ويبطنون عمل الخير الذي يقومون به، دون الإخلاص بالقول والعمل لوجه الله تعالى، وبالمقابل يتمنى أشخاص آخرون المساهمة ولو ببعض القليل في صنع ذلك الخير والمساهمة به، ولكن لقلة الحيلة وضعف الحال تعجز أياديهم عن المشاركة، ولكن تحدث هنا المفارقة التي نراها في القصة الآتية:

يحكى أن ملكاً من الملوك أراد أن يبني مسجداً في مدينته، وأمر أن لا يشارك أحد في بناء هذا المسجد لا بالمال ولا بغيره... حيث يريد أن يكون هذا المسجد هو من ماله فقط، دون مساعدة من أحد، وحذَّر وأنذر أنَّ من يساعد في ذلك يعاقب، وفعلاً تم البدء في بناء المسجد ووضع اسمه عليه، وفي ليلة من الليالي رأى الملك في المنام كأنًّ ملكاً من الملائكة نزل من السماء فمسح اسم الملك عن المسجد، وكتب اسم امرأة فلما استيقظ الملك من النوم نهض مفزوعاً، وأرسل جنوده ينظرون هل مازال اسمه على المسجد، فذهبوا ورجعوا وقالوا نعم..

اسمك مازال موجوداً ومكتوباً على المسجد، وقالت له حاشيته هذه أضغاث أحلام، وفي الليلة الثانية رأى الملك نفس الرؤيا أنَّ ملكاً من الملائكة ينزل من السماء فيمسح اسم الملك عن المسجد، ويكتب اسم امرأة عليه.

وفي الصباح استيقظ الملك وأرسل جنوده يتأكدون هل مازال اسمه موجوداً على المسجد ذهبوا ورجعوا وأخبروه أن اسمه مازال هو الموجود على المسجد، تعجب الملك وغضب، فلما كانت الليلة الثالثة تكررت الرؤيا فلما قام الملك من النوم قام وقد حفظ اسم المرأة التي يكتب اسمها على المسجد أمر بإحضار هذه المرأة، فحضرت وكانت امرأة عجوزاً فقيرة ترتعش، فسألها هل ساعدت في بناء المسجد الذي يبنى، قالت: يا أيها الملك أنا امرأة عجوز وفقيرة، وكبيرة في السن وقد سمعتك تنهى عن أن يساعد أحد في بنائه، فلا يمكنني أن أعصيك..

فقال لها أسألك بالله ماذا صنعت في بناء المسجد؟ قالت والله ما عملت شيئاً قط، في بناء هذا المسجد إلا.. قال الملك نعم.. إلا ماذا..؟ قالت إلا أنني مررت ذات يوم من جانب المسجد فإذا إحدى الدواب التي تحمل الأخشاب وأدوات البناء للمسجد مربوطة بحبل إلى وتد في الأرض، وبالقرب منها سطل فيه ماء، وهذا الحيوان يريد أن يقترب من الماء ليشرب فلا يستطيع بسبب الحبل، والعطش بلغ منه مبلغاً شديداً، فقمت وقربت سطل الماء منه فشرب من الماء، هذا والله الذي صنعت.

فقال الملك... عملت هذا لوجه الله فقبل الله منك، وأنا عملت عملي ليقال مسجد الملك فلم يقبل الله مني.. فأمر الملك أن يكتب اسم المرأة العجوز على هذا المسجد...

نستنتج من القصة عبراً كثيرة منها الإخلاص لله وحده تعالى في القول والعمل، وعدم ربط الخير بالظهور دائماً،

ثانيا عدم اقتصار عمل الخير على الذات فقط، ومنع الآخرين من المشاركة فيها،

ثالثاً أن لا يستهين الإنسان بالعمل الذي يقوم به سواء كان صغيراً أو كبيراً إذا أخلص النية فيها ونقاها من شوائب النفس؛ وتذكر القول المأثور: «الإخلاص شجرة في القلب فروعها الأعمال وثمارها الخير»..