( قد يأتي الخريف.. ربيعاً )
* عائدة الخالدي
* روايــة
لحظة انعتاق
طائرة "أليتاليا" المتجهة إلى ميلانو ما زالت جاثمة على أرض المطار، والركاب ما زالوا يدلفون إليها.. الموسيقى الكلاسيكية الخفيفة تدغدغ مسامعي وأنا أنظر عبر النافذة.. التفتّ تلقائياً إلى الرجل الذي على وشك الجلوس على المقعد بجانبي.. يا إلهي كم يشبهك بشعره الأشيب!.
عاودت النظر عبر النافذة وانهمرت الدموع من عيني رغماً عني غزيرة ساخنة.
الطائرة تتهادى على المدرج والمضيفة ترحب بالركاب وتشرح لهم أمور السلامة مرفقة بحركات زميلتيها زيادة في الإيضاح: "... وسنهبط في ميلانو الساعة...".
لم أسمعها؛ فنحن سنهبط على أي حال في ميلانو في وقت ما، والطائرة الأخرى ستكون حتماً بانتظاري لأتابع السفر إلى ليلى.
لم تعد تحصى المرات التي طرت فيها على متن مختلف الخطوط.
جواز السفر.. بطاقة السفر، والحقيبة..
أنا دائماً أحزم حقيبتي وأسافر.. سياحة.. عمل.. أمور طارئة.. كمرض ابنتي الذي بسببه أسافر هذه المرة.
كم مرة وطئت قدماي أرض مطار جديد، وكم مرة عبرت الحدود، وكم مرة التقيت بحرس الحدود ببزات وسحنات ولغات مختلفة باختلاف البلاد؟!.
ما أسرع أن يمتلأ جواز سفري بالأختام فاضطر لتبديله قبل انتهاء مدته.. لم تعد تحصى فعلاً تلك المرات.
وأنت؟!.. تباً لك.. لا أريد أن أفكر بك الآن.
مسحت دموعي وربطت حزامي الذي نسيته ومددت يدي إلى الحقيبة بحثاً عن الكتاب.
عندما لمحت رواية تلك الكاتبة عند صديقتي سوسن شرعت أقلّب صفحاتها..
أثارت سطور الصفحة الأولى شهيتي للقراءة، فوضعت الرواية على عجل في حقيبتي وأنا أودّع سوسن قبل سفري.
الطائرة تسابق الريح وتنطلق بأقصى سرعتها وترتفع فجأة في الجو.. كم أحب لحظة الانعتاق هذه.
رفعت عيني عن الكتاب، ونظرت إلى السماء..
كانت زرقاء صافية.. وسماء سورية على الأغلب زرقاء صافية في الربيع.. في نيسان.
نيسان ثان، وربيع ثان..
في الربيع بدأت قصتي معك.. منذ سنة.
الربيع الأول:سراب اسمه ضوء القمر
عدت أقرأ في الكتاب..
ما إن وصلت إلى الصفحة الرابعة حتى اكتشفت أن أحلام مستغانمي لا تروي لنا قصة بضمير "أنا-المرأة"؛ وإنما بضمير "أنا-الرجل".
إنها تتحدث بلسان رجل!.
رجل يروي لنا قصته ويفتح لنا نافذة نطلّ منها معه على ذكرياته من خلال حواره مع من كانت يوماً (أو ما زالت) حبيبته.
شعرت بالخيبة؛ فقد كنت أتوق لسماع رواية امرأة تتحدث بلسانها هي وتروي روايتها هي، علّها تتوازى أو تتقاطع في أحداثها مع قصتي أنا معك.. وقبلك وبعدك.
هل أخاطبك بضمير المخاطب أم بضمير الغائب؟.. فأنت دائماً غائب عندما تكون حاضراً، وحاضر عندما تكون غائباً!.
أقرأ في الكتاب كلاماً رائعاً: "لا تبحث كثيراً.. لا يوجد شيء تحت الكلمات. إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات.. لأنها شفافة بطبعها. إن الكتابة تطّهر مما يعلق بنا منذ لحظة الولادة.. ابحث عن القذارة حيث لا يوجد الأدب".
ولذا سأكتب...
سأبدأ الرواية من هنا..
سأضيف إليها ما يستجد من أحداث ما زالت في الغيب، وأستذكر تفاصيلها الماضية..
معك..
أروي لك تفاصيلها أحياناً دون رابط زمني..
أرويها لك كما تأتيني عفو الخاطر..
***
في البناء القريب المخصص لسكن الطاقم الطبي أجلس في غرفتي الصغيرة التي استأجرتها فيه أستمع إلى الموسيقى وأكتب..
الجو ربيعي دافئ والطبيعة جميلة هنا في هذه القرية الصغيرة حيث المركز الطبي الكبير، حيث ابنتي ليلى تجلس على كرسيها المتحرك لا تقوى على الوقوف أو المشي..
لا تستطيع الكلام، ويداها المتشنجتين تؤلمانها فتضغط على راحتيها بأصابعها التي لم تعد تستطيع أن تمسك بها ملعقة أو قلماً.
تحتاج لمن يطعمها ويأخذها إلى الحمام.. تحتاج للمساعدة في كل شيء..
أما المدرسة فقد نسينا أمرها منذ أن فتحت أبوابها منذ أشهر.
يؤلمني منظرها كثيراً.. أحس كلما رأيتها برغبة في البكاء لكنني أتمالك نفسي أمامها وأنتظر حتى أغلق باب غرفتي على نفسي ثم أنفجر باكية.
ليلى.. ابنتي الصبية التي كانت تملأ حياتي فرحاً وحبوراً أصبحت معاقة إلى هذه الدرجة.
ليلى.. ابنتي الوحيدة التي أنجبتها بعد سبع سنوات من الزواج، وخمس سنوات من المحاولات حتى نفذ صبر الطبيب الشهير وقال لي ذات مرة متعجباً:
-غريب أمركما.. ربما يعاني زوجك من بعض الضعف؛ لكن المشكلة ليست صحية بحتة؛ بل مشكلة عدم انسجام فيزيولوجي!
زوجي لم يكن يرغب بالإنجاب.. كان يريدني رفيقة سفر لا يمنعها الحمل والولادة من المجازفة والترحال، ولكنني أقنعته أخيراً أن ذلك لن يكون عائقاً أبداً، وأصبحت حاملاً.. أخيراً؛ فأسرعت بكل فرحي أزف البشرى لحماتي عبر الهاتف.
-... ستصبحين جدة.
لأسمعها تجيبني ببرود:
-أوه.. أنت حامل إذن!
كانت ليلى تدهشني بأسئلتها الذكية وهي ما زالت طفلة صغيرة ونحن نطوف معها في أرجاء الدنيا.. كانت ترسم بشغف، وتركب الخيل بمهارة ثم فجأة أصابها هذا المرض العضال فلم تعد ترغب أو تقدر على القيام بشيء.
فرحة هي بوجودي معها، وأنا أقضي كل الوقت معها؛ فأنا جئت إلى هنا من أجلها فقط.. جئت لأعتني بها وأطعمها بدل المشرفات اللواتي كن يرجونني أن آخذ قسطاً من الراحة عندما يلمحن آثار الإرهاق على وجهي. في الليل عندما تنام ليلى كنت أعود إلى غرفتي لأشعر أني وحيدة.. وحيدة وقد جلبت معي أدوات الرسم والكتابة ولكن لا رغبة لي بذلك حتى الآن..
تمنيت لو أنك اتصلت ولو مرة.. ولو من باب المجاملة لتسأل عن حالها.. عندما كنت وحيدة هناك أنتظر. وحيدة أنتظر، والكوابيس تحرمني من النوم.. أبكي في نومي واستيقظ فجأة وأنا أشعر بشيء يطبق على أنفاسي، فأنهض وأمشي في الغرفة.. في العتمة.. وأبكي.
***
زوجي بيتر سافر عائداً إلى سورية؛ فنحن هنا بالتناوب من أجل ابنتنا.
لم نعد نلتقي إلا لأيام معدودة..
بيتر؟!
كيف أصبحت منذ البداية رفيقته؛ ولم أصبح أبداً حبيبته؟!..
أين هو هذا الشيء المفقود بيننا.. هذا الشيء الذي اسمه الشغف؟!
الشغف!
كيف أدعوه مفقوداً، وهو شيئاً لم يكن منذ البداية موجوداً؟!!
ذاك الحاجز اللعين غير المرئي الذي يفصل بيننا!.. أصبح مرئياً!!
كيف السبيل إلى تحطيمه؟.. وهل من أمل في ذلك بعد حوالي عشرين سنة؟!
كيف يمكننا أن نخلق عاطفة لم نعرفها أبداً؟!
إرادتنا الطيبة وحدها لا قدرة لها على خلق عواطف جديدة من العدم..
إنها قادرة فقط على خلق حياة مشتركة منسجمة بما يتيسر لها من العواطف.. من العواطف الأخرى.. ود وإلفة وعطف وحنان.
أنا وبيتر بنينا حياتنا المشتركة المنسجمة بالتفاهم والصراحة.. فلماذا أستشعر الآن، وأكثر من أي وقت مضى هذا الخلل الذي لم أكن أعيره تلك الأهمية من قبل؛ لكنه يبدو لي الآن على هذا القدر الكبير من الأهمية؟!
إرادتنا الطيبة لا تخلق عواطف جديدة من العدم..
والعواطف لا تأتي حسب الطلب..
تأتي تلقائياً..
تأتي رغماً عنا، ورغماً عن إرادتنا.
تتحدى المنطق وتفاجئنا، وقد خلقت فجأة في وقت ما، قد لا يراه العقل مناسباً؛ لكن القلب يباركه..
يخلق الحب فجأة.. من تفاعل كيميائي في لحظة خاطفة من عمر الزمن.
ألم يكن هذا هو تفسيرك، وأنت تمسك بيدي في السيارة وتضغط عليها برفق وكأنك تريد أن تؤكد لي بذلك مصداقية كلامك..
مصداقية كلامك؟!!!
***
عندما اكتشفت تلك "العقد" استفسرت عن جراح ماهر؛ فدلوني عليك، وليتهم لم يفعلوا.. ليتني اكتشفتها قبل رحيلي من هنا، وأجريت العملية هنا، ولم أتعرف عليك قط!.
كانت غرفة الانتظار تعج بالمرضى، ومعظمهم قرويون.. بسيطين.. فقراء.
كان نديم يسجل أسمائهم ويتلقى المكالمات الهاتفية التي لا تنتهي.
كنت أنت في مكتبك، وكنت أنا أنتظر دوري كالباقين..
جاءت سيدة أنيقة سرعان ما أدخلها نديم إلى الغرفة الصغيرة التي تتوسط ما بين مكتبك وغرفة الانتظار، ثم ما لبثت أن دخلت المكتب!.
استفسرت من نديم:
-هل المرضى عندكم طبقات؟!
ولم يدر المسكين بما يجيبني؛ فقال بسرعة:
-إنها دكتورة!
-يا سلام.. وأنا صحفية.. وماذا عن كل هؤلاء المساكين الذين ينتظرون دورهم؟.. كم من الوقت عليهم إذن أن ينتظروا؟!
كنت أنت في الداخل تسمع ما أقول..
لم أنتظر طويلاً جداً..
دلفت غرفة المكتب فاستقبلتني بابتسامة عريضة، ليس من وراء مكتبك؛ بل وأنت واقف قبالتي تمد لي يدك بالتحية وتدعوني باليد الأخرى للجلوس مشيراً إلى مقعدين متجاورين قرب النافذة..
قلت:
-عذراً.. فأنا لا أستطيع إدخال كل هؤلاء البائسين دفعة واحدة..
إن الاستماع إلى مشاكلهم يحتاج إلى صبر وطاقة كبيرة.. أحتاج لفترات راحة أستقبل فيها أناس آخرين!
عرفت أنك سمعت ما قلته لنديم، وعجبت كيف تحدثني بهذه العفوية وأنت تراني لأول مرة، ولست بالتأكيد بحاجة لتبرير أفعالك تجاهي.
ابتسمت وأنا أتأملك:
رجلاً أسمراً متوسط الطول.. شعرك فضي كثيف، وطويل نوعاً ما.. بحاجة إلى مقص الحلاق!.
قميصك مفتوح الصدر بلا ربطة عنق وبنطالك من الجينز الأزرق..
كنت تدخن سيجاراً أيها الطبيب!!
كان كل ما فيك غريباً جذّاباً، وكانت ابتسامتك وعفويتك أجمل ما فيك.
أحسست وكأني أعرفك منذ زمن بعيد؛ ولكني كنت مضطربة مع أني لم أكن كذلك قبل أن أدخل إليك.. كان شيئاً غريباً يتحرك في داخلي..
شيئاً لم أدرك كنهه في البداية؛ لكنه كان الحب!
كان الحب من النظرة الأولى!!
قلت لك:
-أنا آسفة.. ليس من حقي طبعاً أن أبدي ملاحظاتي لنديم.. أنا صحفية، والصحفية طويلة اللسان رغماً عنها!
وضحكنا معاً، ثم أخبرتك عن سبب الزيارة، وأريتك الصور، وتناقشنا في أمر العملية.. وشرعنا نتحدث عن أمور أخرى.
****
كنت مستلقية في السرير في غرفتي بالمستشفى عندما جئت في المساء تنظف لي الجرح وأنت تدندن..
شعرت بالفرح يدغدغني وأنا أسمعك، ثم باغتني سؤالك:
-من أين أتيت بهذا الرجل الوسيم؟!
(كنت تقصد زوجي الذي خرج لتوه لأمر ما..)
هذا السؤال..
كم سمعته يتردد على ألسنة الكثيرين؛ ولكن لماذا لم يرقني أن أسمعه منك أنت بالذات؟!
أجل.. رجل وسيم هذا الذي تزوجته.. وسيم، ويبدو أنه يصغرني بسنوات.. كبرت أنا ولم يكبر هو).
-... قولي لي يا كارمن.. عما تكتبين في المجلات؟
-إني أجري استطلاعات صحفية، وتحقيقات من بلاد العالم المختلفة التي أزورها، وأكتب عن انطباعاتي عنها، كما أني أكتب نقداً اجتماعياً وخواطر.
-هل لي بعدد من مجلة تكتبين فيها؟
فرحت جداً لطلبك، ورجوت باندفاع طفولي من زوجي أن يجلب لي أعداداً من البيت كي تختار واحداً منها.
(اخترت مجلة؛ ولكنك أضعتها فيما بعد بدل أن تقرأها.. قرأها نديم بدلاً منك!!.
قال لي نديم ذلك بحماس، وهو يذكر لي ما ورد في تحقيقي عن تلك البلاد البعيدة من معلومات وأخبار.
أما أنت، فقد اعتذرت بحجة أن نديم لديه متسع من الوقت أكثر!..
حقاً؟!!.. وهل كان يهمني أن يقرأ كتاباتي نديم أم أنت؟).
جئت إليك بعد أيام في العيادة لتفحص الجرح؛ فأخبرتني أنك مسافر إلى أمريكا الجنوبية، ثم فاجأتني مرة أخرى بسؤال خرج من بين شفتيك عفوياً للغاية:
-هل ترغبين بالسفر معي؟!
-ولمَ لا؟!... أود أن أكتب عن هؤلاء المغتربين هناك.
-وأنا يمكنني مساعدتك.. إن لي صلاتي الوثيقة هناك!
كانت فكرة مجنونة؛ ولكني تمنيت لو حدث هذا الجنون.. لو اتصلت بي ودعوتني حقاً لمرافقتك.. لم يكن لدي مانع، ولم يكن بيتر ليمانع.. بالتأكيد!!
كنت أجد دائماً سبباً ما يجعلني أزورك في العيادة، وكنت تفرح برؤيتي.. تقبّلني على الوجنتين مرحبّاً كصديق قديم وترجوني كلما نهضت مستأذنة بالانصراف أن أجلس قليلاً:
-إنك تنسيني الوقت؛ فاجلسي بعد ودعينا نتناول القهوة معاً.
عندما مرضت ليلى والتبس علي مرضها جئت إليك أستفسر عن طبيب أعصاب مختص فدللتني عليه، ورجوتني أن أوافيك إلى العيادة لأطمئنك، ولكني لم أفعل..
أردت أن أكبح جماح رغبتي برؤيتك..
أن أشغل نفسي عن التفكير بك.
***
لم يكتشف طبيب الأعصاب ما بها وهو يمعن النظر في الصور التي طلبها، وطلب مني أن أزور طبيباً نفسياً؛ فجئت ثانية إليك، وأنا أوهم نفسي أني أزورك لمجرد الاستشارة..
كتبت لي اسم الطبيب وعنوانه في دمشق على ورقة وطلبت مني أن أزوره في ذاك اليوم بالذات.. رجوتني أن آتي إليك بعد ذلك إلى العيادة، واقترحت علي أن توصلنا إلى البيت؛ فأنت مسافر إلى اللاذقية- كالعادة- مساء اليوم.
لم أستطع أن أقاوم هذه المرة رغبتي برؤيتك، وبرفقتك على الطريق؛ فدخلت العيادة..
كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً، وكانت قريبتك سناء تجلس في مكتبك..
تعرّفت عليها، واحتضنت ليلى باسمة وهي تقول:
-كم أحب هذا الاسم.
كان عدم الارتياح بادياً على وجهك عندما انصرفت سناء، وبادرتني قائلاً:
-في الحقيقة.. إنها ليست ابنة خالي؛ بل ابنة ابن خالي.
لم يكن الأمر يعنيني من قريب أو بعيد؛ فلم أجب.
-أتعرفين؟!.. لقد كنت في غاية الترقب أتساءل إن كنت ستحضرين أم لا.
-لقد وعدتك بالحضور، وليس من عادتي أن أخلف بوعودي.
كنت ترتب أوراقك استعداداً للذهاب، وتشاغلت أنا بتقليب الصحيفة ريثما تنتهي، وريثما تعود ليلى من المرحاض.. وجاءني سؤالك دون مقدمات:
-لاحظت أنه لا يوجد affection
بينك وبين بيتر!!
فاجأني سؤالك الجريء جداً؛ فأجبتك بسؤال مغلّف بالسخرية محاولة إخفاء اضطرابي:
-هه.. هل علينا إذن أن نتعانق ونتبادل القبل علناً لنبرهن عكس ذلك؟!
(كنت أغالط نفسي، وأعرف ذلك.. ولكني أحاول أن لا أفضح نفسي أمامك).
-طبعاً لا.. ولكني أشعر أن لا شيء بينكما من هذا القبيل!!.
-...
(لم أحر جواباً.. أنا أعرف في قرارة نفسي أنك على حق.
أنا لم أشعر أبداً تجاه بيتر بالشغف.. بل بالمودة.. مجرد مودة؛ ولكن لا داعي لأن تعرف أنت بالذات ذلك).
عادت ليلى من المرحاض.. ضممتها إليك وقبلتها وأنت تريها صورتك في جواز السفر، ثم تضعه في حقيبة يدك الصغيرة قائلاً:
-هيا بنا.
لكن الهاتف ما لبث أن زعق، فسرت باتجاهه متذمراً:
-كثرت المكالمات اليوم، لأني قررت الذهاب باكراً.
أنهيت المكالمة بسرعة؛ فناولتك ونحن نهم بالخروج علبة كبيرة، وقلت لك:
-هذا الكاتو صنعته لك.. شكراً لك لاصطحابك لنا بسيارتك.
-سأحمله إلى أمي وآكله معها!
ما إن انطلقت السيارة حتى شعرت براحة يدك تلامس خدي برفق وأنت تقول:
-تبدين حزينة.
-لا شيء.. أنا شاردة الذهن قليلاً.
-لا.. هناك غلالة من الحزن على وجهك.. عيناك حزينتان.. وأنا أعرف لماذا!!
نظرت إليك بدهشة وبقيت صامتة..
(أيها الماكر.. إنك تنفذ إلى أعماقي وتقرأ ما بداخلي..
تعرّيني وتواجهني بالحقيقة.. هكذا.. بكل جرأة.. بجرأة تصل ربما حد الوقاحة، وأنا إن تفوهت فإني أخدع نفسي فقط!)
-حقاً؟!.. أتعرف لماذا أنا حزينة؟
كانت ليلى قد استلقت على المقعد الخلفي لتغفو قليلاً؛ فاستدرت إليها، وجذبت سترتك أغطيها بها..
وعدت تكرر:
There is no affection
أين هو؟!
وبسرعة، أمسكت يدي تشد عليها، وأنت تقول:
-... إنه هنا... بيني وبينك.. إنه هذه الكيمياء العجيبة التي لا يمكن تفسيرها أبداً.. هذا التفاعل الذي يحدث بين اثنين.. يحدث فجأة وبعفوية دون أن نعرف كيف ولماذا!.
-...
ارتحت للمساتك، ولم أمانع، بل تركت يدي ترتاح في يدك.
تأكدت عندئذ أن شيئاً خطيراً قد حدث لي.
شعرت بالحرارة، ثم بالعرق يتصبب مني.. يتصبب من مسامات جسدي كلها!
تمنيت لو أن الطريق يمتد إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن لا تترك يدي تفلت أبداً من يدك..
كانت فيروز تشدو.. تذوب رومانسية، وتذيبني معها..
ونسيت من أنا، ومن أنت.. نسيت ابنتي..
نسيت كل شيء، ولم يعد يهمني إلا أني بقربك في هذه اللحظات بالذات.
-أنت لست جميلة يا كارمن!...
(يا للإطراء...) بقيت صامتة انتظر أن تكمل جملتك:
-... لكن فيك شيء غريب.. في وجهك شيء آسر يجذبني إليك.. طبعاً، لا بد أنك سمعت ذلك من غيري.
-بالفعل..
وتذكرته..
مازن.. ذلك الطيار الشاب الذي كان يلاحقني بالسيارة على طريق الجامعة..
تقدم مني مرة بجرأة وعفوية، وعرّفني على نفسه، ثم دعاني لتناول فنجاناً من القهوة، وعندما رفضت بلطف وأنا أبتسم لخفة دمه تبعني إلى مكتبة الجامعة، وظل جالساً بقربي وأنا أرجوه أن ينصرف كي لا يزعج الآخرين، ولكي أتمكن من المطالعة؛ لكنه أصر على البقاء حتى أذعنت لرغبته وتناولنا القهوة معاً في مقصف الجامعة..
تعرّفت على أهله، وتعرّف على أهلي.. كنت أجلب له من البلدان المختلفة هدايا صغيرة لطيفة، وكنا نلتقي بعفوية عندما يشعر أحدنا بالسأم فنشرب شيئاً ما ونحن نضحك ونتحدث، ثم نفترق دون وعود..
قال لي مرة أنه لم يتعرّف أبداً على فتاة مرحة وصادقة وعفوية مثلي، معترفاً أنه تعرّف على فتيات كثيرات، وكن بالطبع أجمل مني؛ لكنهن كن يفتقدن إلى جاذبيتي.. إلى هذا الشيء "الآسر" في وجهي!
عندما عدت من زيارة بيتر، وقد اتفقت معه على الزواج، كان مازن ينتظرني في المطار..
نظر إلي بحزن، وقال:
-ستتزوجينه إذن.
-أجل
-أتمنى لك التوفيق، وأرجو أن لا تبخلي علينا برؤيتك.
تمنيت في تلك اللحظة لو أنه قال لي شيئاً آخر..
لو أنه صرخ في وجهي وفاجأني بقوله:
-كارمن.. أنا أحبك!
لكنه لم يفعل، ولم أعرف لماذا تمنيت أنا ذلك؛ فليس بيننا وعود.. مجرد صداقة.
أيقظتني من خواطري وأنت تقول:
-أنت لم تمريّ عليّ مرور الكرام.. أقسم لك يا كارمن..
حدثيني عن نفسك.. انفتحي لي!.. ماذا تفعلين في الأمسيات مثلاً؟
-أقرأ وأكتب وأصنع أشياء جميلة داخل البيت، وأرسم في بعض الأحيان؛ فالرسم يتطلب وقتاً ومكاناً لا يمكن توفرهما غالباً إلا في الصيف عندما تكون ليلى في إجازتها المدرسية، ولا حاجة لتدريسها... عندئذ يمكنني أيضاً أن أسافر وأكتب تحقيقاتي الصحفية.. أما التلفاز؛ فأنا لا أشاهده إلا نادراً.
-وأنا أيضاً.
وتبسطت في الحديث معك، وأخبرتك أشياء وأشياء، وأخبرتني مثلها..
جذبت يدي فجأة إلى صدرك.. إلى قلبك وأنت تقول:
-أنا أحبك يا كارمن.. أحبك، فهل تحبينني؟!
-ربما أحبك.. ربما!
لم أدر كيف قبَّلتك بسرعة وأنا أقول:
-أنت شيطان!
-أنا؟!.. أنا إنسان مسكين..
انظري إلى هذه الأشجار تتراقص ظلالها في العتمة، وإلى هذا البدر الرائع يتلألئ في السماء، وينير لنا الطريق.. يا لها من أمسية ربيعية رائعة.. تعالي نجن معاً؛ فنحن لا نؤذي أحداً!.
-لا.. بل نؤذي أحداً بالتأكيد.. أرجوك كن عاقلاً ولا تفقدني صوابي!
لاحت مشارف المدينة من بعيد، وأتاني صوت ليلى وقد استيقظت للتو تسأل:
-هل وصلنا؟
أوصلتنا للبيت، ودعوتك من باب المجاملة للدخول وتناول القهوة، وأنا أتمنى ألا تفعل..
ولم تفعل؛ بل صافحتني مودّعاً.
فتح لي بيتر الباب وسألني عنك؛ فقد كان يتوقع أن أدعوك- حسب الأصول- لتناول القهوة.
قلت لـه أنك اعتذرت لأنك متعب، وتشاغلت بمساعدة ليلى للذهاب إلى الفراش كي تهدأ نفسي قليلاً، ولا يلاحظ بيتر مدى اضطرابي..
جلست في الغرفة أمام التلفاز مرهقة ساهمة.. أستعيد في بالي تفاصيل مشوارنا.. سألني بيتر:
-هل ترغبين بشرب الشاي؟
-نعم.. شكراً لك.
وذهب بيتر إلى المطبخ ليعد الشاي، وتركني لشرودي ومشاعري المضطربة..
****
كان شخير بيتر يرتفع فأربت على ساعده برفق كي يستدير إلى الجانب الآخر..
لقد استسلم للنوم بعد أن مسّدت له رأسه كالعادة، أما أنا.. فكيف أجد للنوم سبيلاً؟
عيناي تحدق في الظلمة.. أفكر بك وأتساءل:
أينبغي للمرء أن يكون متطلباً هكذا؟..
أنانياً هكذا؟..
أليست الحياة أولويات؟
شعرت بالرغبة أن أوقظك أيها الشرقي العابث من أحلامك الوردية وأحرمك من النوم الذي حرمتني منه؛ ولكني أشفقت عليك، وانتظرت ساعات حتى أتصل.
كنت بحاجة للتحدث إليك.. بحاجة لأن أضع النقاط على الحروف، وأبرر حماقة لم أرتكبها من قبل..
جاءني صوتك عبر الهاتف يغالبه النعاس.
(ماذا كنت أتوقع بحق السماء؟.. أن تساهر النجوم من أجلي؟!..
أقسمت لي أن لقائك بي لم يكن لقاءاً عابراً، وأنا أخشى أن يكون ضوء القمر مجرد سراب تلألئ في عينيك ذات مساء ثم.. اختفى!)
***
اتصلت بك ذات مساء:
-مساء الخير.. كيف حالك؟
-آ.. أهلاً بك كارمن.. كيف حالك؟
-بخير..
-ذاك المساء كان كالحلم.
-دعه يظل كذلك.
-ليتك ترافقيني كل مرة في ترحالي ما بين دمشق واللاذقية.
-غير ممكن، فإن لي التزاماتي.. أريد أن أتحدث إليك في أمر هام.
أدركت بسرعة ما الذي أود التحدث إليك بشأنه؛ فأجبتني:
-أراك إذن في العيادة بعد أيام.
-إلى اللقاء إذن.
-إلى اللقاء يا حبيبتي.