صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 11 إلى 15 من 15

الموضوع: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟

  1. #11
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟

     

    والواحة فقدت ذلك المعنى الذي كانت تنطوي عليه حتى ذلك الحين، لن تصبح بعد الآن، تلك البقعة الكبيرة ذات الخمسين ألفاً من أشجار النخيل، وذات الثلاثمائة بئراً، والتي كان يبتهج الحجيج عند الوصول إليها بعد سفر طويل، واعتباراً من هذا اليوم لن تكون الواحة سوى مكان خاو، منذ الآن ستكون الصحراء أكثر أهمية من الواحة، وستقضي وقتها مراقبة السماء، متسائلة أي نجم سيكون دليل الشاب في بحثه عن كنزه، ولسوف ترسل له قبلاتها عبر الأثير آملة أن تلامس وجهه وتخبره بأنها على قيد الحياة، وأنها بانتظاره، كامرأة تنتظر رجلاً جسوراً يتابع طريقه بحثاً عن الكنوز والأحلام.
    من اليوم لن يكون من الصحراء إلا الأمل بعودته ثانيةً.


    × × ×


    - لاتفكّر بمن خلّفت وراءك ـ قال الخيميائي عندما بدءا مسيرتهما في الصحراء ـ كل شيء منقوش في النفس الكليّة وسيبقى فيها إلى الأبد.
    قال الشاب الذي بدأ يألف صمت الصحراء من جديد:
    - الرجال لا يحلمون بالعودة أكثر مما يحلمون بالرحيل.
    - إن كان ماوجدته يتكوّن من المادة النقيّة فإنه لن يفسد مطلقاً، ولسوف تستطيع العودة إليه يوماً، وإن لم تكن إلا ومضة مؤقتة، كانفجار نجم، فإنك لن تجد شيئاً عند عودتك، ولكنك تكون قد رأيت ضوءاً يومض، وهذا وحده يستحق أن يُعاش.
    كان الرجل يتحدّث بلغة الخيمياء، لكن رفيق دربه فهم بأنه يلمّح إلى فاطمة.
    لقد كان من الصعب جداً عدم التفكير بمن خلف وراءه، فالصحراء ذات الشكل الواحد في كل مكان لاتتوقف عن الاكتناز بالأحلام، والشاب مازال يرى أشجار النخيل والآبار، ووجه محبوبته، كان يرى الانكليزي ومختبره، والجمّال الذي كان معلّماً وهو لا يعلم ذلك.
    - قد يكون الخيميائي لم يحب امرأة في حياته ـ قال لنفسه.
    كان الخيميائي يسير في المقدّمة، وعلى كتفه الصقر، إنه يعرف لغة الصحراء، فعندما كانا يتوقفان كان الصقر يفارق كتف الخيميائي ويطير للبحث عن الغذاء، وقد أحضر في اليوم الأول أرنباً بريّاً وفي اليوم التالي طائرين.
    في المساء مدَّا أغطيتهما على الأرض، لكنهما لم يشعلا النار. كانت ليالي الصحراء باردة، وظلمتها تشتد أكثر كلما أخذ القمر يفك تصالبه في القبة الزرقاء.
    خلال أسبوع بكامله، تقدّما بصمت، لم يتحدّثا إلا عن الاحتراسات التي صارت حتمية لتلافي الوقوع في خضم المعارك الدائرة، فحرب العشائر كانت مستمرة، والريح كانت تحمل أحياناً رائحة الدماء النقيّة، فلعلّ معركة قد شبّت في هذه النواحي، والريح مازالت تذكر الشاب بلغة العلامات المستعدة دوماً أن تكشف له مالا تستطيع عيناه أن تراه.
    في مساء اليوم السابع من السفر، قرر الخيميائي أن يخيّم في العراء، أبكر من المعتاد.
    انطلق الصقر بحثاً عن طريدة، فتناول الخيميائي قربة من الماء وقدّمها إلى الشاب قائلاً:
    - ها أنت ذا ستصل قريباً إلى نهاية رحلتك، لقد تتبّعت أسطورتك الشخصيّة، وأنا أهنئك.
    - لكنك قدتني دون أن تقول كلمة، لقد ظننت أنك ستعلّمني علمك كلّه، فمنذ بعض الوقت ألفيت نفسي في الصحراء، بصحبة رجل كان بحوزته كتب في الخيمياء لكنني لم أستطع أن أتعلّم شيئاً.
    أجاب الخيميائي:
    - ليس هناك إلا طريقة واحدة للتعلّم: " التعلّم بواسطة العمل "، إنه السفر من يعلّمك ماكنتَ بحاجة إلى معرفته، ولا ينقصك إلا شيء واحد.
    أراد الشاب أن يعرف ماهو، لكن الخيميائي حافظ على نظره محدّقاً في الأفق يراقب عودة الصقر.
    - لماذا يدعونك بالخيميائي؟
    - لأنني كذلك.
    - وماهو الأمر الذي جعل الخيميائيين يخفقون في بحثهم عن الذهب؟
    - لقد اكتفوا بالبحث عن الذهب، فقد بحثوا عن أسطورتهم الشخصيّة دون رغبة بأن يعيشوا الأسطورة نفسها.
    - وما الذي مايزال ينقص معرفتي؟ ألحّ الشاب.
    - لكن الخيميائي ظل يحدّق في الأفق.
    وبعد أن عاد الصقر بفريسته، حفرا حفرة، وأشعلا النار فيها حتى لا يتمكّن أحد من رؤية ضوء اللهب.
    - إنني خيميائي، لأنني خيميائي ـ أجاب بينما كانا يحضّران وجبتهما ـ وقد أخذتُ هذا العلم عن أسلافي الذين أخذوه عن أسلافهم، وهكذا على التوالي منذ خلق الكون، حيث كان من الممكن للإنجاز العظيم كلّه أن يكون مكتوباً على زمرّدة بسيطة. لكن البشر لم يعطوا أية أهمية للأشياء البسيطة وبدأوا بكتابة مؤلفات وترجمات ودراسات فلسفية، وادّعوا بأنهم قد عرفوا السبيل بشكل أفضل مما عرفه الآخرون.
    سأل الشاب:
    - ما الذي كان مدوّناً على لوحة الزمرّد؟
    بدأ عندها الخيميائي بالرسم على الرمل، ولم يستغرق معه هذا العمل أكثر من خمس دقائق.
    وبينما كان يرسم فقد تذكّر الشاب الملك العجوز، والمكان الي ضمّهما في يوم غابر وقد بدا له ذلك مغرقاً في القدم.
    قال الخيميائي:
    - هذا ماسُجّل على لوح الزمرّدة.
    عندما انتهى، اقترب الشاب وقرأ الكلمات المكتوبة على الرمل.
    - إنها رموز ـ قال وقد خاب ظنّه قليلاً بلوح الزمرّد، وحسبها تلك التي كانت موجودة في كتب الإنكليزي,
    أجاب الخيميائي:
    - لا إنه كطيران الصقرين. ولا ينبغي لهذا أن يفهم وذلك لسبب وحيد: هو أن لوح الزمرّد معبر مباشر يفضي إلى النفس الكليّة، ولقد فهم الحكماء أن هذا العالم الطبيعي ليس إلا صورة مشابهة او نسخة عن الجنّة، وطالما أن العالم موجود، فهذا وحده دليل كاف على أن هناك عالماً أكثر كمالاً منه، وقد خلقه الله كي يستطيع البشر إدراك تعاليمه الروحانية، ومعاجز حكمته، وهو ما أدعوه بالعمل.
    - هل يتوجب عليَّ أن أفهم لوح الزمرّد ـ سأل الشاب.
    - ربما، فلو كنت في مخبر خيميائي، لتسنّت لك دراسة أفضل الطرق لفهم لوح الزمرّد، لكنك في الصحراء، فخير لك أن تتوغل بها أكثر، فهي تفيد بفهم الكون أكثر من أي شيء آخر على سطح الأرض، حتى أنك لست بحاجة إلى فهم الصحراء، بل يكفي أن تتأمل حبة رمل بسيطة، لترى فيها عجائب الخلق كلّها.
    - كيف عليّ أن أتصرّف كي أوغل في رحم الصحراء؟
    - أصغِ إلى قلبك، إنه يعرف كل شيء، لأنه وُلد من النفس الكليّة، وإليها ذات يوم سيعود.


    × × ×


    سارا بصمت طيلة يومين، بدا الخيميائي محترساً أكثر، لأنهما كانا يقتربان من منطقة المعارك الأكثر ضراوة، بينما كان الشاب يجهد نفسه في سبيل الإصغاء إلى قلبه.
    كان قلباً عصيّاً على الاستجابة، فمن قبل كان مستعداً دائماً للرحيل، أما الآن فهو يريد الوصول مهم كلّف الثمن.
    لقد روى له قلبه مرّات عديدة قصصاً تلهب عنده الحنين إلى الوطن، وأحياناً كان قلبه يتأثر عن شروق الشمس في الصحراء، فيجعله يبكي ويبكي في الخفاء، لكنّه كان يخفق بسرعة عندما يحدّثه عن الكنز، وتتباطأ دقاته كلّما شردت عينا الفتى في أفق الصحراء اللامتناهي.
    غير أنه لم يكن ليصمت أبداً حتى عندما لم يكن الشاب يتبادل أية كلمة مع الخيميائي.
    - لماذا علينا أن نصغي إلى قلوبنا ؟ ـ سأل في ذلك المساء بينما كانا يتوقفان في استراحة.
    - لأنه حيث يكون قلبك يكون كنزك.
    قال الشاب:
    - قلبي مضطرب، إنه يحلم، يفكّر، وهو عاشق لفتاة من الصحراء، ويطالبني بأشياء تقضّ مضجعي عندما أفكّر بها.
    - هذا جيّد فقلبك حيّ، واظب على الاصغاء لما يقوله لك.
    وخلال ثلاثة أيام متتالية، التقيا عدة مقاتلين، ولمحا آخرين أيضاً عند خط الأفق، بدأ قلب الشاب يتحدّث عن الخوف، روى قصصاً قد سمعها من النفس الكليّة، قصص عن رجال ارتحلوا بحثاً عن كنوزهم، لكنهم لم يجدوها على الإطلاق.
    كان قلبه يخيفه أحياناً، من احتمال فكرة عدم توفقه في إدراك الكنز، أو احتمال موته في الصحراء، أو كان يقول له بأنه الآن راضٍ من فوزه بلقاء حبه واكتسابه العدد كبير من القطع الذهبيّة.
    - قلبي خائن ـ قال الشاب للخيميائي عندما توقفا لإراحة حصانيهما ـ إنه لا يريد لي أن أتابع طريقي.
    أجاب الخيميائي:

    - هذا جيّد، فهذا برهان على أن قلبك يحيا، وإنه لشيء طبيعي أن تخاف مبادلة كل مانجحت في الحصول عليه من قبل مقابل حلم.
    - إذن لماذا عليّ أن أصغي إلى قلبي؟
    - لأنك لن تتوصل أبداً إلى إسكاته، حتى لو تظاهرت بعدم سماع ما يقوله لك، سيبقى هنا في صدرك، ولن ينقطع عن ترديد مايفكّر به حول الحياة والكون.
    - حتى وهو خائن.
    - الخيانة هي الضربة التي لاتتوقعها، وإن كنتَ تعرف قلبك جيّداً، فإنه لن يستطيع مباغتتك على حين غرّة، لأنك ستعرف أحلامه، ورغباته وستعرب كيف تتحسب لها، لا أحد يستطيع التنكّر لقلبه، ولهذا يكون من الأفضل سماع مايقول كي لايوجه لك ضربة لم تكن تتوقعها أبداً.
    تابع الفتى الإصغاء إلى قلبه بينما كانا يتقدّمان في الصحراء، وقد توصّل إلى معرفة حيله ومناوراته، وانتهى إلى قبوله كما هو عليه، عندئذٍ أحجم عن الخوف، وعن الرغبة في العودة على أعقابه، لأن قلبه قال له ذات مساء أنه كان مسروراً: " حتى لو تذمرت قليلاً، فهذا لأنني قلب رجل وقلوب الرجال هي هكذا دوماً، إنهم يخافون تحقيق أعظم أحلامهم، لأنهم يظنون إنهم إما لا يستحقّون بلوغها، أو لا يستطيعون النجاح في بلوغها، فنحن القلوب نموت لمجرّد التفكير بحب توارى إلى الأبد، أو بلحظات وُئِدت، وكان من الممكن لها أن تكون رائعة، وبالكنوز التي لم يُقدّر لها أن تُكتشف وبقيت مطمورة في الرمال، وأخيراً عندما يحصل هذا فإننا نتعذّب بشكل رهيب ".
    - إن قلبي يخشى العذاب ـ قال الشاب للخيميائي في ليلة كانا يراقبان فيها السماء المظلمة.
    - قل له إن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه، وليس هناك من قلب يتعذّب عندما يتبع أحلامه، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله و الخلود.
    - كل لحظة في البحث هي لحظة لقاء ـ قال الشاب لقلبه ـ عندما كنت أبحث عن كنزي، فإن أيامي كلها كانت ساطعة، لأنني علمت أن كل ساعة تمر كانت جزءاً من حلم إيجاده، عندما كنت أبحث عن كنزي اكتشفت في طرقي أشياء لم أكن أحلم أبداً بمصادفتها لو لم أملك الشجاعة لمحاولة القيام بأشياء مستحيلة على الرعاة.
    دبت الطمأنينة في قلبه طيلة مابعد ظهيرة ذلك اليوم، وفي الليل نام بهدوء، وعندما أفاق أخذ قلبه يقصّ عليه أشياء عن النفس الكليّة، قال إن كل رجل سعيد كان هو ذاك الذي اعتنق الله في داخله، وأنه يمكن للسعادة أن تكون موجودة في حبة رمل بسيطة في الصحراء على حد قول الخيميائي، لأن حبة الرمل هي لحظة من عملية الخلق، وأن الكون قد كرّس ملايين وملايين السنين في خلقها.
    - " لكل امرئ على الأرض كنزه الذي ينتظره ـ قال له قلبه ـ فنحن القلوب، نادراً مانتحدّث عنها، لأن البشر لايريدون العثور على هذه الكنوز، نحن لا نتحدّث عنها إلا للأطفال الصغار، وبعد ذلك ندع للحياة أن تتحمّل مسئولية قيادة كل واحد نحو قدره، ولسوء الحظ فإن قليلاً من البشر يتبعون الدرب الذي خطّته لهم الحياة، والذي هو سبيل الوصول إلى الأسطورة الشخصيّة وإلى السعادة.
    جلّ الناس ينظرون إلى العالم كمصدر تهديد، ولهذا السبب فإن العالم يصبح في الواقع شيئاً مهدداً، عندئذٍ فإننا نحن القلوب نبادر إلى الحديث بصوت منخفض أكثر فأكثر لكننا لانصمت إطلاقاً، ونتمنّى بألا يكون كلامنا مسموعاً، نحن لانريد للبشر أن يتعذّبوا لأنهم لم يسلكوا الطريق التي أرشدناهم إليها ".
    - لماذا لاتقول القلوب للناس أن عليهم ملاحقة أحلامهم ؟ سأل الشاب الخيميائي.
    - لأن القلب هو من يتعذّب في هذه الحالة، والقلوب لاتحب العذاب.
    منذ ذلك اليوم، أصغى الشاب إلى قلبه فطلب منه ألا يتخلّى عنه أبداً، وأن ينقبض في صدره عندما يكون بعيداً عن أحلامه وأن يعطيه إنذار الخطر، وأقسم أنه سيأخذ حذره في كل مرة يسمع فيها هذا الإنذار.
    - ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ سأل الشاب.
    قال الخيميائي:
    - واصل السير باتجاه الأهرامات، وابق متيقظاً للعلامات، فقلبك الآن قادر أن يدلّك على مكان الكنز.
    - كان هذا إذن ما أجهله حتى الآن ؟!
    - لا، والشيء الذي ماتزال معرفتك تفتقر إليه هو التالي:
    " قبل تحقيق حلم ما، تريد النفس الكليّة أن تُقوّم كل ما اكتسبه المرء أثناء تجواله، وعندما تفعل، فليس ذلك نتيجة عدوانيّة تجاهنا، وإنما كي نستطيع وحلمنا اكتساب الدروس التي تعلمناها ونحن ماضون نحوها، إنها اللحظة التي يتراجع فيها معظم الناس، وهذا مانسميه بلغة الصحراء: الموت عطشاً عندما تكون أشجار النخيل على مرمى النظر في الأفق. إن أي بحث يبدأ بحظ المبتدئ، ويكتمل بامتحان الفاتح ".

    تذكّر الشاب المثل الشعبي القديم والشائع في بلده الذي يقول:
    " أشدّ ساعات اليوم ظلمة هي تلك التي تسبق طلوع الشمس ".


    × × ×


    أولى إشارات الخطر الحقيقي بدت في الغد، فقد ظهر ثلاث محاربين، وسألوا المسارفين لدى اقترابهم منها، عمَّ كانا يفعلان هناك.
    أجاب الخيميائي:
    - جئت لأصطاد مع صقري.
    - علينا أن نفتّشكما كي نرى إن كنتما لاتحملان أسحلة ـ قال أحد المقاتلين.
    نزل الخيميائي عن حصانه بكل هدوء، وصاحبه حذا حذوه.
    - لماذا كل هذا المال؟ سأل المقاتل لذى رؤيته كيس نقود الشاب.
    - للوصول حتى مصر.
    الرجل الذي كان يفتّش الخيميائي وجد معه قارورة صغيرة من الزجاج مليئة بسائل، وبيضة من الزجاج صفراء اللون بحجم بيضة الدجاج تقريباً.
    - ماهذا؟ سأل.
    - إنه حجر الفلاسفة، وإكسير الحياة، إنجاز الخيميائيين العظيم، من يشرب من هذا السائل لن يتعرّض للمرض أبداً، وإن كسرة صغيرة جداً من هذا الحجر تحوّل أي معدن إلى ذهب.
    انفجر الرجال الثلاثة ضحكاً، وشاركهم الخيميائي بالضحك، فقد وجدوا الجواب مضحكاً، ثم سمحوا لهما بالذهاب مع كل مايملكانه دون أن يعرقلا مسيرتهما أكثر.
    - هل أنت مجنون ؟! ـ سأل الشاب، عندما صارا على مسافة منهم ـ لماذا أجبتَ هكذا؟
    - كي أظهر لك واحداً من قوانين العالم، قانوناً بسيطاً للغاية: " عندما تكون كنوزنا قريبة جداً منا، فإننا لا نلاحظها أبداً، أتعلم لماذا؟ لأن الناس لا يؤمنون بالكنوز ".
    تابعا مسيرهما في الصحراء، وكلما كانت الأيام تمرّ كان قلب الشاب يميل أكثر فأكثر إلى الصمت. لم يكن ليهتم بأشياء الماضي أو المستقبل بل اكتفى بتأمل الصحراء والارتواء مع الشاب من النفس الكليّة. فقلبه وهو صارا صديقين حميمين غير قادرين بعد الآن على أن يخون أحدهما الآخر.
    فعندما كان القلم يتكلّم، كان بقصد حث وتشجيع الشاب الذي كان يجد أيام الصمت الطويلة متعبة بشكل مقيت، وللمرة الأولى حدّثه قلبه عن مزاياه العظيمة: الشجاعة التي هوّنت عليه هجران أغنامه ليعيش أسطورته الشخصيّة، والحماس الذي أبداه في متجر الزجاجيّات.
    أخبره بشي آخر لم يلاحظه الشاب من قبل: الأخطار التي كان يسير بمحاذاتها ولم يتبيّنها، ففي إحدى المرّات كان قد أخفى المسدس الذي اختلسه من أبيه، وأوشك فعلاً أن يصيب نفسه به، ذكّره في يوم كان قد تألّم فيه، وهو في وسط الريف: تقيأ، ثم نام زمناً لابأس به، بينما كان هناك اثنان من قطّاع الطرق على مسافة منه، وكانا قد عزما على سرقة أغنامه واغتياله، وعندما لم يأت فقد رحلا ظناً منهما بأنه غيّر خط سيره.
    سأل الشاب الخيميائي:
    - هل القلوب تكون عوناً للناس دائماً؟
    - إنها تساعد فقط الذين يعيشون أسطورتهم الشخصيّة، لكنها تساعد كثيراً الأطفال، والسكّيرين والمسنّين.
    - هل هذا يعني أن الخطر لاوجود له؟
    - هذا يعني بكل بساطة أن القلوب تعمل كل مابوسعها ـ أجاب الخيميائي.
    مرّا ذات مساء على مضرب خيام لإحدى العشائر المتحاربة، حيث كان هناك الكثير من الأعراب بزيّهم الرائع، وأسلحتهم الجاهزة، كان الرجال يدخّنون النرجيلة ويثرثرون، متحدّثين عن الحروب، لكن أحداً لم يعر اهتماماً للمسافرين.
    - لايوجد أي خطر ـ قال الشاب بعد أن ابتعدا.
    غضب الخيميائي قائلاً:
    - ثق بقلبك، ولاتنسَ أبداً أنك في الصحراء، فعندما يتحارب الناس فإن النفس الكليّة هي أيضاً تسمع صيحات القتال، ولا أحد في منجى مما يمكن أن يحصل تحت السماء.
    - كل شيء هو شيء واحد وفريد ـ قال الشاب في نفسه.
    وفجأة ظهر فارسان وراء المسافرين، فكأن الصحراء كانت تريد أن تثبت حكمة الخيميائي الشيخ.
    قال أحدهما:
    - لن تستطيعا المضي بعيداً، فأنتما في منطقة المعارك.
    - أنا لستُ بذاهب إلى أبعد من ذلك.

    قال الخيميائي وهو ينظر في عيون المحاربين اللذين لم ينبسا ببنت شفة للحظات، ثم أذنا لهما بمتابعة المسير، كان الشاب قد عاين الموقف وهو مفتون.
    - لقد قهرتهما بنظرتك ـ قال.
    أجاب الخيميائي:
    - العيون تظهر قوّة الروح.
    - كان هذا صحيحاً ـ حدّث الشاب نفسه ـ فقد تذكّر أن مقاتلاً في جمهرة محاربي المخيّم قد حدّق بالخيميائي وبه، علماً بأنه كان بعيداً، بشكل لا يمكن للمرء أن يميّز ملامحه، لكنه كان متأكداً من مراقبته لهما.
    أخيراً، وبينما كانا يتأهّبان لاجتياز سلسة جبلية كانت تمتج على طول الأفق، قال الخيميائي بأنهما صارا على مسافة يومين، حتى يصلا إلى الأهرامات.
    - إن كان ينغي علينا أن نفترق عما قريب، فأرجو أن تعلّمني الخيمياء ـ قال الشاب.
    - أنت تعرف مسبقاً مايجب عليك معرفته، ليس عليك إلا أن تنفذ داخل النفس الكليّة، وأن تكتشف الكنز، الذي تدّخره لكل واحد منا.
    - ليس هذا ما أريد معرفته، إنني أتكلّم عن تحويل الرصاص إلى ذهب.
    احترم الخيميائي صمت الصحراء، ولم يجب إلا في اللحظة التي توقفا فيها كي يأكلا:
    - كل شيء يتطوّر في الكون، وبالنسبة للذين يعلمون، فإن الذهب هو أكثر المعادة تطوّراً، لاتسألني لماذا، فأنا أجهل ذلك، أنا أعلم فقط أن ما تعلمه التقاليد هو دائماً صحيح، لكن البشر هم الذين أخطئوا في تفسير كلام الحكماء، وبدل أن يكون الذهب رمزاً للتطوّر فقد صار علامة للحرب.
    - الأشياء تتحدّث بلغات عديدة، فقد لاحظت أن رغاء الجمل، لم يكن إلا مجرّد رغاء، ثم تحوّل إلى إشارة تنذر بالخطر، ثم عاد أخيراً مجرّد رغاء ـ أراد الشاب أن يقوله لكنّه صمت، فلا شك أن الخيميائي يعرف هذا كلّه.
    - عرفت خيميائيين حقيقين ـ أردف الخيميائي ـ كانوا ينزوون في مختبراتهم، وكانوا يحاولون التطوّر كالذهب، وقد اكتشفوا حجر الفلاسفة، هذا لأنهم قد أدركوا أنه عندما يتطوّر شيء ما فإن كل ماحوله يتطوّر أيضاً، وآخرون نجحوا مصادفة باكتشاف الحجر، فهم كانوا من الموهوبين، وأرواحهم كانت متيقظة أكثر من أرواح الآخرين، لكن هؤلاء لم يُؤخذوا بالحسبان لأنهم قلة، وأخيراً هناك آخرون كانوا يبحثون عن الذهب فقط، وهؤلاء لم يتوصلوا إلى السر أبداً، فقد غرب عن بالهم أن الرصاص والحديد والنحاس، هم أيضاً لهم أسطورتهم الشخصيّة التي يجم اتمامها، وأن من يدخل ويندمج في أسطورة الآخرين، فإنه لن يجد على الإطلاق اسطورته الخاصة.
    كلمات الخيميائي كان لها وقع اللعنة في نفسه.
    انحنى الخيميائي والتقط قوقعة من الأرض وقال:
    - لقد كانت هذه الأرض بحراً من قبل.
    - لقد سبق ولاحظتُ ذلك ـ ردّد الشاب.
    طلب منه الخيميائي أن يضع القوقعة على أذنه، فهو قد قام بهذه الحركة كثيراً عندما كان طفلاً، وقد سمع منها صوت البحر. فالبحر يقبع دائماً في هذه الصدفة، لأنها أسطورته الشخصية، ولن يفارقها إلى أن تعود البحار وتغمر الصحراء ثانية.
    إثر ذلك امتطيا حصانيهما، وأخذا وجهة أهرامات مصر.
    كانت الشمس تميل نحو الغروب، عندما أحسّ الفتى بأن قلبه يعطي إشارة خطر ما، كانا قد أُحيطا بكثبان رميلة هائلة، والشاب نظر إلى الخيميائي، الذي يبدو أنه لم يلاحظ شيئاً، وبعد خمس دقائق لمحا أمامهما مباشرة فارسين، كان خيالاهما يبدوان واضحين من جهة الغرب، وقبل أن يتمكّن من أن يقول للخيميائي أي شيء، فإن عدد الفرسان قد تزايد، بدل الاثنين صار هناك عشرة، ثم مائة. وأخيراً غطّى عدد هائل منطقة الكثبان بكاملها.
    كانوا محاربين يرتدون ثياباً زرقاء، ويضعون عقالات سوداء حول العمامات، وجوههم ملثّمة بألثمة زرقاء لا يظهر منها إلا فسحة صغيرة، إنها عيونهم. وعلى الرغم من بعد المسافة، كانت العيون تبدي قوة الروح وتنطق بالموت.

    × × ×

    اقتيد المسافران حتى المعسكر الحربي الذي كان في الجوار، ودفع أحد المحاربين الخيميائي وصاحبه داخل خيمة مختلفة تماماً عن خيام الواحة التي عرفاها، كان هناك قائد حربي محاط بأركانه.
    - إنهما الجاسوسان ـ قال أحد الرجال.
    - نحن لسنا إلا مسافرين ـ أجاب الخيميائي.
    - لقد رأيناكما في المعسكر المعادي منذ ثلاثة أيام، وقد تكلّمتما مع أحد المقاتلين.
    - أنا رجل أسير في الصحراء، ولي خبرة بالنجوم ـ قال الخيميائي ـ وليس لدي أية معلومة عن الجيوش، أو عن تحرّكات القبائل، كنت أرشد صاحبي إلى هنا فقط.
    - من هو صديقك؟ سأل الشيخ.
    - إنه خيميائي ـ قال الخيميائي ـ إنه يعرف قدرات الطبيعة، ويرغب أن يطلع القائد على قدراته الخارقة.
    كان الشاب يصغي وهو خائف.
    - ماذا يفعل غريب في أرضٍ غريبة؟ سأل وحد من الرجال.
    - لقد حملت مالاً لأقدّمه لعشيرتكم ـ تدخّل الخيميائي قبل أن ينطق الشاب بأية كلمة، ثم أخذ كيس المال من الشاب، وأعطى القطع الذهبية لكبير القوم الذي تناولها دون أن يقول شيئاً، ففيها مايكفي لشراء كمٍّ كبير من الأسلحة.
    - من هو الخيميائي؟ سأل العربي أخيراً.
    - إنه رجل يعرف الطبيعة والكون، ولو أراد لاستطاع تهديم هذا المخيّم مستعملاً في ذلك قوّة الريح فقط.
    ضحك الرجال، فقد كانوا قد تمرّسوا على قسوة الحرب، وكانوا يعلمون أن الريح لا تستطيع أن توجه ضربة قاضية. ومع ذلك شعر كل واحد منهم بقلبه ينقيض في صدره، فهم من رجال الصحراء ويخافون من السحرة.
    - بودي أن أرى شيئاً من هذا ـ قال الزعيم.
    - يلزمنا لذلك ثلاثة أيام ـ أجاب الخيميائي ـ وهذا ليس إلا ليطلعكم على قدراته الخاصة، فإن لم ينجح، نقدّم لكم بكل تواضع حياتنا إكراماً لشرف العشيرة.
    - لاتستطيع أن تهدي إليّ ماهو ملكي مسبقاً ـ أعلن الشيخ بتعجرف، لكنه منح مهلة ثلاثة أيام للمسافرين.
    كان الشاب الذعور عاجزاً عن القيام بأية حركة، فانبغى على الخيميائي سحبه من ذراعه كي يساعده على الخروج من الخيمة.
    - لاتظهر لهم أنك خائف، فهم رجالٌ بواسل ويحتقرون الجبناء.
    كان الفتى كالمبكوم، ولم يستعد صوته إلا بعد فترة من الزمن بينما كانا يمشيان وسط المخيّم. لم يكن هناك داع لسجنهما، فالأعربا بكل بساطة قد اكتفوا بانتزاع حصانيهما، وهاهي مرة أخرى يفصح فيها العالم عن لغات لاتحصى: فالصحراء التي كانت حتى الآن فضاءً رحباً، لاحدود له، قد تحوّلت إلى سور يتعذّر عبوره.

    - لقد أعطيتهم كنزي كله ـ قال الشاب ـ كل ماستطعت أن أجنيه خلال حياتي كلها !
    - وبماذا يفيدك المال إن كنت ستموت؟ مالك أنقذك من الموت لثلائة أيام، وليس غالباً أن يفيد المال في تأخير الأجل.
    أما الشاب فقد كان مذعوراً جداً كي يستطيع سماع كلام الحكمة، فهو لايعرف كيف ينقلب إلى ريح، فهو لم يكن خيميائياً.
    طلب الخيميائي الشاي من أحد المحاربين، وسكب بعضاً منه على رسغي الشاب، فانتشرب موجة من السكون في أعماقه، بينما كان الخيميائي يلفظ بعض الكلمات التي لم يوفّق الفتى بفهمها.
    لاتستسلم لليأس ـ قال الخيميائي بصوت عذب للغاية ـ فإن هذا يمنعك من التحادث مع قلبك.
    - لكنني لا أعرف أن أحوّل نفسي إلى ريح.
    من يعيش أسطورته الشخصيّة، يعرف كل ماهو بحاجة لمعرفته، وليس هناك إلا شيء واحد يمكن أن يجعل الحلم مستحيلاً: إنه الخوف من الإخفاق.
    - أنا لستُ خائفاً من الإخفاق، وكل مافي الأمر أنني لا أعرف أن أتحوّل إلى ريخ.
    - حسنٌ، عليك أن تتعلّم ! حياتك معلّقة بذلك.
    - وإن لم أتوصل إلى ذلك.
    - ستموت فداءً لنضالك في سبيل أسطورتك الشخصيّة، وهذه ميتى أثمن بكثير من ميتة هؤلاء الذين قضوا دون أن يعلموا شيئاً من وجود أسطورة شخصيّة، لكن لا تقلق، بشكل عام، فإن الموت يدفع الإنسان لأن يكون أكثر تيقّظاً للحياة.
    مضى اليوم الأول، وجرت خلاله معركة حامية في الجوار، ونُقل إلى المعكسر عدد كبير من الجرحى.

    - لاشيء يتغيّر بالموت ـ فكّر الشاب ، فالمقاتلون الذين ماتوا، سيستعاض عنهم بآخرين والحياة تستمر.
    - كان من الممكن لك أن تموت فيما بعد يا صديقي ـ قال أحدهم مخاطباً جثة أحد رفاقة ـ كان من الممكن أن تموت حين حلول السلام، فهي ميتة واحدة، ومهما يكن من أمر فإنك ستموت في النهاية.
    عند المساء ذهب الشاء يلتقي الخيميائي الذي كان يصطحب الصقر معه في الصحراء وكرّر:
    - لا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
    - تذكّر ماقلته لك: " العالم ليس إلا الجزء المرئي من الله، والخيمياء هي نقل للكمال الروحي إلى العالم المادي " .
    - ماذا تفعل؟
    - أطعم صقري.
    - إن لم أنجح في التحوّل إلى ريح، ستموت، فما الحاجة إلى إطعام الصقر؟
    - أنت ستموت ـ أجاب الخيميائي ـ أما أنا، أنا أعرف كيف أتحوّل إلى ريح.
    في اليوم الثاني تسلّق الشاب ذروة صخرة تقع على مقربة من المعسكر، وقد تركه الخفراء يمر، كانوا يتحدّثون عن ساحر يتحوّل إلى ريح، ولم يكونوا يودون الاقتراب منه، بالاضافة إلى ذلك فإن الصحراء كانت تشكّل سوراً يتعذّر عبوره.
    قضى بقيّة ظهيرة اليوم الثاني في تأمّل الصحراء، أصغى إلى قلبه، وأصغت الصحراء إلى الخوف الذي يتملّكه.
    كلاهما كان يتكلّم اللغة نفسها.
    في اليوم الثالث جمع الزعيم أعوانه الرئيسيين.
    - هيا بنا نرَ ذلك الولد الذي يتحوّل إلى ريح ـ قال للخيميائي.
    - هيا بنا ـ أجاب الخيميائي.
    قادهم الشاب إلى المكان الذي كان قد جاء إليه يوم أمس، ثم طلب من الجميع أن يجلسوا.
    - إن هذا سيتطلّب قليلاً من الوقت ـ قال الخيميائي.
    - لسنا مستعجلين ـ أجاب الزعيم ـ فنحن من رجال الصحراء.
    أخذ الشاب يتأمل الأفق قبالته، جبال كانت تبدو من بعيد، كثبان رميلة، صخور، ونباتات زاحفة تتشبّث بالحياة، هناك حيث البقاء شبه مستحيل. وحيث كانت تجثم الصحراء التي جابها طيلة شهور وشهور، ولم يكن يعرف منها على الرغم من ذلك إلا جزءاً يسيراً. في ذلك الجزء كان قد التقى إنكليزياً، وقوافل، ونزاعات بين العشائر، وواحة ذات خمسين ألف شجرة نخيل، وثلاثمائة بئراً.
    - ماذا تريد مني اليوم ـ سألت الصحراء ـ ألم نتأمّل بعضنا بعضاً كفاية يوم البارحة؟
    - أنتِ تحتفظين في مكانٍ ما بتلك التي أحبها، وعندما أتأمل مساحتك الرملية الشاسعة فأنا أتأملها هي أيضاً، أريد الرجوع إليها، وأحتاج إلى مساعدتك كي أتحوّل إلى ريخ
    - ماهو الحب؟ سألت الصحراء.
    - الحب هو عندما يحلّث الصقر فوق رمالك، لأنك بالنسبة له ريف أخضر، لم يعد منه قط دون فريسة، وهو يعرف صخورك، كثبانك، جبالك، وأنتِ كريمة معه.
    قالت الصحراء:
    - إن منقار الصقر ينتزع مني قطعاً، هذه الفريسة قد غذّيتها طيلة أعوام، رويتها بالقليل من الماء الذي أملكه، وأرشدها إلى المكان الذي تجد فيه قوّتها، ويوم كبرت وأوشكت أشعر بها تحبو على رمالي، هاهو الصقر ينتفض من السماء ليختطف ما كنتُ جعلته ينمو ويكبر.
    - ماكنت فعلته لهذه الطريه من إطعام ورعاية كان لهذه الغاية بالذات ـ أجاب الشاب ، لتطعم الصقر، والصقر سيطعم الإنسان، والإنسان سيطعم رمالك يوماً ما، ومنها ستولد الطريدة من جديد، وهكذا يسير العالم.
    - هل هذا هو الحب؟
    - هو ذا نعم، هو من يجعل الفريسة تتحوّل إلى صقر، والصقر إلى إنسان، والإنسان إلى تراب، هو من جعل الرصاص يتحوّل إلى ذهب، ويجعل الذهب يعود ليختبئ في بطن الأرض.
    - لم أفهم كلامك ـ قالت الصحراء.
    - إذن افهمي على الأقل، أن في بقعة ما وسط رمالك هناك امرأة تنتظرني، ولكي أستجيب إلى انتظارها عليَّ أن أتحوّل إلى ريح.
    - أقدّم لك رمالي كي تستطيع الريح أن تهب، لكن بمفردي لا أستطيع شيئاً، أطلب مساعدة الريح.
    نسمة خفيفة أخذت تهب، وزعماء الحرب كانوا يرقبون من بعيد الشاب الذي كان يتكلّم لغة مجهولة بالنسبة لهم.
    الخيميائي كان يبتسم.
    وصلت الريح إلى الشاب، وداعبت وجهه، كانت قد سمعت حديثه مع الصحراء، لأن الرياح تعرف دائماً كل شيء، فهي تطوف العالم دون أن يكون لها موقع تولد فيه، أو موقع تموت فيه.
    - ساعديني ـ قال الشاب ـ فأنا قد سمعت فيك صوت حبيبتي ذات يوم.
    - من علّمك التكلّم بلغة الصحراء والريح؟
    - قلبي ـ أجاب الشاب.
    الريح كانت تحمل عدة أسماء فهي تدعى هنا بالسيروكو أو السموم، العرب كانوا يعتقدون بأنها كانت تأتي من الأراضي ذات المياه الغزيرة والمأهولة بسكان سود، وفي البلد البعيد الذي قدم منه الشاب كانت تسمّى بالشرقيّة لأن الناس كانوا يظنّون بأنها تحمل الرمل وصيحات العرب القتالية، وربما في مكان آخر بعيد عن الحقول التي ترتعي فيها القطعان، يعتقد الناس فيه بأنها تنشأ في الأندلس.
    لكنها لاتولد من جهة، ولاتنتهي إلى جهة، لذلك فهي أقوى من الصحراء، فمن الممكن يوماً أن تنغرس الأشجار في الصحراء، وحتى أن نربّي فيها الأغنام، لكننا لانستطيع إطلاقاً أن نتحكّم بالريح أو نقهرها.
    - أنت لاتستطيع أن تكون ريحاً فطبيعتانا مختلفتان ـ قالت الريح للشاب.
    - هذا ليس صحيحاً، فأنا قد تعلّمت أسرار الخيمياء، بينما كنت أجوب العالم معك، فأنا أملك في داخلي الرياح، والصحاري، والمحيطات، والنجوم، وكل ماخُلق في الكون، وكلّنا خلقتنا يد واحدة، ولنا الروح نفسها، أريد أن أكون مثلكِ أخترق كل مكان، أعبر البحار، أنتزع الرمل الذي يغطّي كنزي، وأقرّب صوت حبيبتي مني.
    - لقد سمعت محادثتك مع الخيميائي، في ذلك اليوم، كان يقول أن لكل شيء أسطورته الشخصيّة، والبشر لا يمكن لهم أن يتحوّلوا إلى ريح.
    طلب الشاب:
    - علّميني أن أكون ريحاً لبضع لحظات، كي نستطيع التحدّث سويّة عن الامكانات غير المحدودة للرياح والبشر.
    كانت الرياح فضولية وكان هناك شيء ما لم تكن تعرفه، علماً بأنها كانت تعرفه الكثير من الأشياء، كانت تستطيع إنشاء صحراء، إغراق مراكب، إبادة غابات بأسرها، وأن تتجوّل في مدن تعج بالموسيقى وأنواع غريبة من الضوضاء. كانت تؤمن بقدراتها اللامحدودة، وهاهي الآن أمام شاب يؤكد أن بإمكان الريح أن تقوم بأشياء أخرى.
    - هذا مايسمّونه الحب ـ قال الشاب لدى رؤيته أن الريح قد أوشكت أن تستجيب لطلبه ـ وعندما نحب، نستطيع أن نكون شيئاً من الخليقة، ولسنا بحاجة لفهم مايجري، لأن كل شيء إنما يجري في داخلنا، وإن الناس يستطيعون أن يتحولوا إلى ريح بشرط أن تساعدهم الريح طبعاً.
    كانت الريح متعالية، وماقاله الشاب أثار سخطها، فراحت تعصب بقوّة كبيرة، مذرية رمال الصحراء، لكن عليها أن تعترف أنها وبعد كل هذا التطواف في العالم بأسره، فهي مازالت تجهل تحويل رجل إلى ريح، وانها لم تكن تعرف الحب.
    قالت الريح:
    - خلال جولاتي عبر العالم لاحظت، الكثير من الناس يتحدّثون عن الحب، وهم ينظرون إلى السماء ساخطين لأن عليهم أن يسلّموا بحدودها، ربما من الأفضل لك أن تستعيد بالسماء.
    أجاب الشاب:
    - إذن ساعديني، وغطي هذا المكان بالغبار، كي أستطيع النظر في الشمس دون أن أصاب بالعمى.
    عصفت الريح بشكل أقوى، فاكتسحت الرمال وجه السماء حتى بدت السماء مجرّد قرص ذهبي.
    في المعسكر، صار من الصعب تمييز أي كان، فرجال الصحراء خبروا جيّداً هذه الريح، ريح السموم، كانت أسوأ من عاصفة البحر، لكنهم لا يعرفون البحر، وأخذت الخيول تصهل، والأسلحة تغطّت بالرمال.
    على الصخرة التفت رجل من أعيان الحرب نحو الزعيم وقال:
    - ربما سيكون من الأقضل التوقف عند هذا الحد.
    كانوا يميّزون بصعوبة الشاب، كانت وجوهم ملثّمة، ونظراتهم يبدو فيها القلق والذعر.
    - لننهِ الأمر ـ ألحّ رجل أعيان حرب آخر.
    - أريد أن أرى عظمة الله، قال الزعيم بصوت فيه كل الخشوع ـ أريد أن أرى تحوّل رجل إلى ريح.
    لكنه سجّل في ذهنه اسمي هذين الرجلين الخانثين، وبمجرّد أن تهدأ الريح، سيخلعهما من مهامهما فليس من حق رجال الصحراء أن يخافوا.
    قال الشاب للشمس:

    - أخبرتني الريح بأنك تعرفين الحب، وإن كنت تعرفين الحب فلابد أنك تعرفين النفس الكليّة التي خُلقت من الحب.
    اجابت الشمس:
    - من مكاني هذا أستطيع رؤية النفس الكليّة، فهي على اتصال مع روحي، ومع تعاوننا نحن الإثنين تنمو النباتات، وتندفع الأغنام التي تبحث عن الظل، ومن حيث أنا استطعت أن أحب، قدرتُ أن أحب من مكاني هذا، واعلم أنني لو اقتربت قليلاً من الأرض لأنقرض كل ماعليها، ولتوقّفت النفس الكليّة عن الوجود، وهكذا فنحن الإثنين نتبادل النظر ونحب بعضنا بعضاً، فأنا أمدّها بالحياة والحرارة، وهي تعطيني سبب البقاء.
    كرّر الشاب:
    - أنتِ تعرفين الحب؟
    تابعت الشمس:
    - إنني أعرف النفس الكليّة، لأن بيننا أحاديث لاتنتهي أثناء سفرنا الأبدي في هذا الكون، لقد حدّثتني بأن أفدح مشكلاتها حتى الآن هو أن المعادن والنباتات وحدها فقط، قد أدركت أن كل شيء هو واحد وفريد، لهذا فإنه ليس من الضروري أن يكون الحديد مشابهاً للنحاس، والنحاس مشابهاً للذهب، فكل يشغل وظيفته الدقيقة في هذا الشيء الأوحد، وسوف يكون من الكل سيمفونية السلام، لو أن اليد التي كتبت كل هذا توقفت في اليوم الخامس، لكن كان هناك يوم سادس.

    قال الشاب:
    - أنتِ عالمة لأنكِ ترين كل شيء عن بعد، لكنكِ لا تعرفين الحب، لو لم يكن هناك اليوم السادس، لما وُجد الإنسان، ولكان النحاس نحاساً، والرصاص رصاصاً. لكل أسطورته الشخصيّة ـ هذا صحيح ـ لكن هذه الأسطورة ستكتمل ذات يوم، فيجب التحوّل إلى ماهو أرقى، إلى أسطورة شخصيّة جديدة، إلى أن تصبح النفس الكليّة حقاً شيئاً واحداً وفريداً.
    ظلّت الشمس حالمة، ثم أخذت تلمع لمعاناً عجيباً، والريح التي كانت معجبة بهذه المحادثة عصفت بقوة أيضاً كي لاتذهب الشمس ببصر الشاب.
    - لهذا وُجدت الخيمياء ـ قال هذا الأخير ـ كي يبحث كل انسان عن كنزه ويجده، ويسعى أن يعيش فيما بعد أفضل مما كان عليه، والرصاص سيقوم بدوره إلى أن يصبح العالم بغنى عنه، عندئذٍ ينبغي عليه أن يتحوّل إلى ذهب.
    الخيميائيون يتوصّلون إلى تحقيق هذا التحوّل، ويبيّنون لنا أنه عندما نسعى لأن نكون أفضل مما نحن عليه، فإن كل شيء حولنا يتحسّن.
    سألت الشمس:
    - ولماذا قلت أنني لا أعرف الحب؟
    - لأن الحب لا يستدعي الجمود كالصحراء، ولا تجواب العالم كالريح، ولا النظر في كل شيء من بعيد مثلك. الحب هو القوّة التي تحوّل وتصقل النفس الكليّة، فعندما دخلت عالمها للمرة الأولى، كنت أظنها كاملة، أما فيها بعد، فقد رأيت أنها كانت انعكاساً لكل ماخُلق وكانت لها نزعاتها وأهواؤها، نحن الذين نغذّي النفس الكليّة، أما الأرض التي نحيا عليها، فإنها ستصبح بأفضل أو أسوأ، بقدر مانكون نحن أفصل أو أسوأ، وهنا تتدخّل قوة الحب، لأننا عندما نحب فإننا لانريد دائماً أن نكون أفضل مما نحن عليه.
    - ماذا تنتظر مني؟ سألت الشمس
    - أن تساعديني كي أتحوّل إلى ريح.
    - الطبيعة تعرفني كأكبر عالمة بين كل المخلوقات، لكنني أجهل كيف أحوّلك إلى ريح.
    - إلى من أتوّجه إذن؟
    - صمتت الشمس لحظة، وكانت الريح تصغي وتستعد لتفشي في العالم بأسره محدودية علمها، فلم يكن بوسعها التهرّب من هذا الشاب الذي كان يتكلّم اللغة الكونية.
    - توجّه إلى اليد التي كتبت كل شيء ـ قالت الشمس أخيراً.
    أطلقت الريح صرخة رضى، وهبّت بقوة لاعهد لها بها، اقتلعت الخيام المنتصبة في الصحراء، وتحررت الحيوانات من قيودها، وعلى الصخرة صار الناس يتشبّثون ببعضهم خوفاً من أن تحملهم الريح.
    عندئذٍ التفت الشاب إلى اليد التي كتبت كل شيء، وبدل أن يقول أدنى كلمة، فقد أحس أن الكون كلّه مكث من حوله صامتاً، ومكث هو صامتاً أيضاً.
    اندفاع من الحب انبثق من قلبه، وأخذ بالصلاة، صلاة لم يفعل مثلها من قبل، لأنها كانت صلاة من دون كلام، لم يطلب شيئاً من خلالها، لم يكن يشكر لأنه وجد مرعىً لأغنامه، لم يكن يبتهل لأنه باع المزيد من الزجاجيّات، لم يكن يطلب أن تنتظر المرأة التي التقاها عودته.
    لكنه أدرك من خلال الصمت الذي خيّم، أن الصحراء والريح والشمس، كانت هي أيضاً تبحث عن العلامات، التي كانت تلك اليد قد خطّتها، وكانت تريد متابعة طريقها، وتدرك ماكان منقوشاً على زمرّدة بسيطة، كان يعلم أن هذه العلامات منتشرة على الأرض وفي الفضاء والتي ليس لوجودها أي مبرر من حيث الظاهر، أي معنى، بحيث أن لا الصحارى، ولا الريح ولا االشمس، ولا البشر في النهاية لم يكونوا ليعلموا لماذا خُلقوا، لكن تلك اليد كان لها سببها بالنسبة لكل هذا وهي وحدها القادرة، على صنع المعجزات، وتحويل المحيطات إلى صحاري، والبشر إلى ريح، لأنها وحدها التي تفهم أن هناك هدفاً سامياً دفع الكون إلى النقطة التي تحوّلت فيها أيام الخلق الستة إلى إنجاز عظيم.
    واندمج الشاب في النفس الكليّة، ورأى أن النفس الكليّة هي جزء من روح الإله، وأن روح الإله هي روحه الخاصة.
    وأنه كان يستطيع منذ ذلك الوقت أن يحقق المعجزات. هبّت رياح السموم في ذلك اليوم على نحو لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وعلى مدى أجيال فإن العرب كانوا يروون أسطورة شاب كان قد تحوّل إلى ريح، وكاد أن يزيل معسكراً متحدّياً بذلك بأس أهم زعيم حربي من زعماء الصحراء.
    عندما توقفت ريح السموم عن العصف، حملقوا كلّهم باتجاه المكان الذي كان فيه الشاب الذي لم يعد هناك، بل كان في الجانب الآخر يراقب العاصفة.
    كان الناس مذعورين من الشعوذة، وشخصان كانا يبتسمان آنذاك: الخيميائي لأنه وجد تلميذه الحقيقي، ثم الزعيم، لأن هذا التلميذ قد أدرك مجد الإله.
    وفي الغد ودّع الزعيم الشاب والخيميائي، وسيّر معهما موكباً من الحرس ليرافقهما إلى المكان الذي يبغيان الذهاب إليه.



  2. #12
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟

    ×

    مشيا نهاراً كاملاً، وعند هبوط المساء وصلا أمام ديرقبطي، فطلب الخيميائي من مرافقيه العودة وترجَّل، ثم قال للشاب
    :
    -
    ستذهب منذالآن بمفردك، لم يبق لك إلا ثلاث ساعات من السير كي تصل إلى الأهرامات.
    أجابالشاب:
    -
    شكراً، إنك علّمتني اللغة الكونية.
    -
    لم أعمل إلا على تذكيرك، بماكنت تعرفه مسبقاً.
    قرع الخيميائي باب الدير، وجاء راهب يرتدي السواد ليفتح لهماالباب، تحادثا للحظات باللغة القبطية، ثم أدخل الخيميائي الشاب.
    -
    طلبتُ منه أنيسمح لي باستعمال المطبخ لبعض الوقت ـ قال الخيميائي.
    ذهبا إلى مطبخ الدير،أشعل الخيميائي النار، وأحضر الراهب قليلاً من الرصاص الذي صهره الخيميائي في وعاءمن الحديد، وعندما صار الرصاص سائلاً تناول من جعبته البيضة الصفراء الزجاجيةالغريبة التي كانت بحوزته، وكشط عنها قشرة لتتجاوز سماكتها الشعرة، وغلّفها بالشمع،ورماها في الإناء الذي كان يحتوي على الرصاص المصهور، تلوّن المزيج بالأحمر القاني،عندئذٍ رفع الخيميائي الوعاء عن النار، وتركه يبرد، وبانتظار ذلك تجاذب أطرافالحديث مع الراهب الذي كان مساءً ـ فمنذ زمن طويل، قد شلّت حركة القوافل في الجيزةبانتظار نهاية النزاع.
    -
    لكنّها مشيئة الله.
    -
    آمين ـ أجاب الخيميائي.
    عندما برد المستحضر، نظر الراهب والشاب بتعجّب، فالمعدن كان قد جفّ حول الجانبالداخل للإناء، لكنّه لم يعد من الرصاص وإنما أصبح من الذهب.
    -
    هل أستطيع أنأتعلّم مافعلته؟ سأل الشاب.
    -
    إنها أسطورتي الشخصيّة، وليست أسطورتك ـ أجابالخيميائي ـ لكنني أردت أن أبيّن لك أن هذا ممكن.
    عاودا إلى مدخل الدير، وهناكجزّأ الخيميائي القرص إلى أربع قطع متساوية.
    -
    هذه لكَ ـ قال وهو يقدّم واحداًمن هذه الأجزاء إلى الراهب ـ لقاء كرمك تجاه الحجّاج.
    -
    هذا أكثر مما أستحقبكثير ـ أجاب الراهب.
    -
    لاتتكلّم هكذا، فإن الحياة تستطيع أن تسمعك، وتعطيكالأقل مرة أخرى.
    ثم اقترب من الشاب:
    -
    هذا لك كي أعوّضك الذهب الذي سُلبمنك، وبقي في حوزة الزعيم الحربي.
    أوشك الشاب أن يقول أن هذا أكثر بكثير مماخسره، لكنه سمع ماقال الخيميائي للراهب، فأمسك عن الكلام.

    -
    أما هذه الحصةفهي لي ـ قال الخيميائي ـ لأنه ينبغي عليّ أن أعود من جديد مجتازاً الصحراء، والحربمازالت مستمرّة بين العشائر.
    تناول حينذاك القطعة الرابعة، وأعطاها للراهبأيضاً، هذا الجزء من أجل الشاب الموجود هنا في حال احتاج إليها.
    أجاب الشاب:
    -
    لكنني ذاهب للبحث عن كنزي، وها أنذا صرت قريباً جداً منه الآن.
    -
    وأنامتأكد من أنك ستجده ـ قال الخيميائي.
    -
    إذن لماذا هذا الجزء الإضافي؟
    -
    ذلكلأنك فقدت المال الذي جنيته مرتين في غضون سفرك، مرة مع اللص، وأخرى مع الزعيمالحربي، وأنا عربي عجوز أعتقد بحكم وأمثال بلدي، وإليك واحداً منها: مايحصل مرةيمكن ألا يحصل ثانية أبداً، لكن مايحصل مرتين يحصل بالتأكيد مرة ثالثة.
    ثمامتطيا فرسيهما.

    أوّد أن أقصّ عليك قصّة عن الأحلام ـ قال الخيميائي.
    قرّب الشاب حصانه منه.
    - "
    في روما القديمة، وفي عهد الإمبراطور تيباريوس،عاش رجل طيب، كان أبا لولدين، الأول انخرط في الجيش، وأُرسل إلى أقصى أقاليمالإمبراطورية، والثاني كان شاعراً سحر روما بشعره، البديع.
    ذات ليلة حلم الأبحلماً، فقد ظهر عليه ملاك ليقول له أن كلام واحد من أبنائه سيُعرف وسيُرَدّد فيالعالم بأسره، وعبر أجيال المستقبل كلّها. أفاق الرجل العجوز وهو يبكي من الفرح لأنالحياة أظهرت له سخاءها، وتجلّى له الوحي يبشّره بشيء يجعل من أي أب كان أباًفخوراً.
    بعد زمن وجيز، مات الأب وهو يحاول إنقاذ طفل أوشك أن يُدهس تحت عجلاتعربة، ولمّا كان عادلاً وطيّباً في سلوكه طيلة حياته، فقد صعدت روحه إلى السماءمباشرة، وهناك التقى الملاك الذي كان قد تراءى له في الحلم.
    -
    لقد كنتَ رجلاًطيّباً ـ قال له الملاك ـ عشتَ مُحاطاً بالحب، ومت بكرامة، أستطيع الآن أن أحقق لكواحدة من أمنياتك.
    -
    الحياة أيضاً كانت جميلة بالنسبة لي ـ أجاب العجوز ـوعندما ظهرت لي في الحلم، قد فهمت أن في هذا مباركة لي، لأن أشعار ولدي ستبقى فيذاكرة الناس إلى الأبد، فأنا ليس لدي أيّ طلب من أجل نفسي، غير أن كل أب يعتزّبمشاهدة من رعاه صغيراً وهذّبه يافعاً، ذائع الصيت، أتمنى أن تريني كلمات ابني فيالمستقبل البعيد.
    ربّت الملاك على كتف العجوز، ومن ثم انقذفا معاً إلى مستقبلبعيد، فشاهدا أمامها ساحة مكتظّة بآلاف الناس الذين يتكلّمون بلغة غريبة.
    بكىالعجوز فرحاً، كنت اعلم ـ قال للملاك ـ أن أشعار ابني جميلة وخالدة، ألا تريد أنتقول لي أيّا من قصائده التي يرددها هؤلاء الآن؟
    اقترب منه الملاك عندئذٍ،بكثير من اللباقة، وجلسا على أحد مقاعد تلك الساحة الفسيحة وقال له:
    -
    قصائدابنك الشاعر، كانت شعبيّة جداً في روما، وكل الناس قد أحبوها، واستمتعوا بها، ولكنعندما انتهى حكم تيباريوس، فإنهم نسوها، الكلمات التي يردّدها هؤلاء الناس الآن هيكلمات ابنك الآخر، الجندي.
    نظر العجوز للملاك بدهشة، وتابع الملاك:
    -
    ابنكذهب للخدمة العسكرية في ولاية بعيدة، وصار قائد المائة (سانتوريون) لقد كان رجلاًطيّباً وعادلاً، ذات مساء مرض أحد خدمه وأشرف على الموت، وسمع ولدك برجل اسمه يسوع،كان يشفي المرضى، فقضى أياماً طوالا بالبحث عنه، أثناء تجواله، اكتشف أن من يبحثعنه هو ابن الإله، وقد التقى أشخاصاً آخرين، وقدّر لهم الشفاء على يديه.
    فبدأيتعلّم تعاليمه، ورغم أنه قائد مئة، فقد اعتنق دينه، أخيراً ذات صباح جاء إلى جواريسوع، روى له أن أحد خدمه كان مريضاً وأبدى يسوع استعداده لمرافقته حتى بيته، لكنقائد المائة، كان رجلاً مؤمناً، فعندما نظر إلى يسوع بعمق، أيقن أنه كان بحق يقفأمام ابن الله، فقد كان الناس المحيطون به ينهضون إجلالاً له.
    كانت هذه كلماتابنك ـ قال الملاك للعجوز. الكلمات لم تكن لتُنسى إطلاقاً: " يارب لست مستحقاً أنتدخل تحت سقفي، لكن قل كلمة لاغير فيبرأ فتاي ".
    حثّ الخيميائي حصانه علىالسير.
    -
    على أية حال، إن كل شخص على الأرض يلعب الدور الرئيس في سيرة العالموهو لايدري.
    ابتسم الشاب، لم يكن قد تصوّر إطلاقاً، أنه من الممكن للحياة أنتكون مهمّة جداً بالنسبة لراعٍ.
    -
    وداعاً ـ قال الخيميائي.
    -
    وداعاً ـأجابه.

    × × ×

    مشى في الصحراء لمدة ساعتين ونصف الساعة، محاولاًالاصغاء بانتباه لحديث قلبه، فهو الذي سيكشف له المكان المخبأ فيه الكنز.
    وتذكّر ماكان الخيميائي يقول: حيث يكون كنزك، يكون قلبك.
    لكن قلبي كانيتحدّث عن أشياء أخرى، فقد كان يروي بكبرياء سيرة راعٍ ترك أغنامه من أجل اللحاقبحلم حلم به مرّتين، كان يتحدّث عن الأسطورة الشخصيّة، بالنسبة لكل الرجال الذين قدعملوا الشيء نفسه، ورحلوا بحثاُ عن أراضِ جديدة أو نساء حسناوات، متصدّين لرجالعصرهم، بما حملوا من أفكار وادّعاءات.
    طيلة هذه المسافة، كان يتحدّث عنالاكتشافات، عن الكتب، عن الاضطرابات الكبيرة، وبينما كان يجهّز نفسه لتسلّق كثيّبرملي، سمع قلبه يهمس ـ انتبه جيّداً إلى المكان الذي ستبكي فيه، لأنه هو المكانالذي أوجد أنا فيه، وهو المكان الذي تجد كنزك فيه.
    أخذ بتسلّق الكثيّب ببطء،كانت السماء مليئة بالنجوم، والبدر يضيئهما من جديد، كانا قد مشيا شهراً كاملاً فيالصحراء، وهاهو القمر يضيء الكثيب، وأخذ سحر الظلال يعطي الصحراء هيئة البحرالهائج، كان يعود ويذكر الشاب باليوم الذي أرخى فيه لجام حصانه، وأعطى للخيميائيالعلامة التي كان ينتظرها. كان ضوء القمر يغمر صمت الصحراء، وذلك السفر الطويل الذييقوم به الرجال بحثاً عن الكنوز.
    وعندما وصل بعد عدة دقائق إلى قمّة الكثيّبخفق قلبه في صدره: هاهي ذي أمامه تنتصب بعظمة وجلال أهرامات مصر، يضيئهما ضوءالقمر.
    جثا على ركبتيه وبكى، وشكر الله لأنه آمن بأسطورته الشخصيّة، وللقائهذات يوم ملكاً وتاجراً وانكليزياً وخيميائياً، وفوق كل ذلك لقاؤه بامرأة من الصحراءجعلته يفهم أنه لايمكن للحب أبداً أن يبعد الانسان عن أسطورته الشخصيّة.
    كانتالأهرامات بما مر عليها من أجيال تراقب من عليائها ذاك الذي عند أقدامها، لو أرادلكان باستطاعته الآن العودة إلى الواحة، والزواج من فاطمة، والعيش كراعٍ بسيطللغنم، لأن الخيميائي كان يعيش في الصحراء، على الرغم من أنه يفهم لغة العالم، وعلىالرغم من انه خبر تحويل الرصاص إلى ذهب، ولم يكن بحاجة لأن يشرح لأحد علمه وفنّه. وبينما هو ذاهب لتحقيق أسطورته الشخصيّة، كان قد تعلّم كل ما كان بحاجة لمعرفتهوعاش كل ما حلم أن يعيشه.
    هاهو ذا قد توصّل إلى كنزه، والإنجاز لايتم إلا عندإدراك الهدف، هناك من على قمة الكثيّب بكى. نظر إلى الأرض فرأى في المكان الري سقطتفيه دموعه جعلاً يمشي، وقد تعلّم مما أمضاه في الصحراء أن الجعلان رمز للإله فيمصر.
    إنها علامة أيضاً، لذلك فقد بدأ يحفر، متذكّراً تاجر الزجاجيّات: حتى لوأمضى الانسان حياته كلّها في تكويم الأحجار، فإنه لن ينجح إطلاقاً في بناء هرم فيحديقته.
    حفر في المكان المحدد طيلة الليل، دون أن يجد شيئاً، ومن أعاليالأهرامات، كانت القرون الغابرة تتأمّله بصمت، لكنّه لم يتراجع، كان يحفر ويحفر دونتوقف، مصارعاً الريح التي كانت تعيد أكثر من مرة الرمل إلى داخل الحفرة، وتعبت يداهوجُرحتا، لكنه استمر بالاعتقاد بقلبه، وقلبه قال له أن يحفر في المكان الذي ستسقطفيه دموعه.
    فجأة، وبينما كان يحاول انتزاع بعض الأحجار التي كان قد كشف عنها فيالصباح، سمع وقع خطى ... بضع رجال كانوا يقتربون، وبما أن القمر كان خلفهم فإنه لميستطع رؤية عيونهم أو وجوههم.
    -
    ماذا تفعل هنا؟ سأل أحد القادمين.
    لم يجببشيء، لكنه خاف، فعليه أن ينبش كنزه من التراب ولهذا خاف.
    -
    نحن لاجئوا حرب ـقال آخر ـ ونريد أن نعرف ما تخبئ هنا، فنحن بحاجة إلى المال.
    -
    أنا لم أخبئشيئاً ـ أجاب الشاب.
    لكن أحد الرجال أخذه من ذراعه، وجرّه خارج الحفرة، وأخذآخر بتفتيشه.
    ووجدوا قطعة الذهب التي كانت في إحدى جيوبه.
    -
    إنه يملك الذهبـ قال أحد المهاجمين.
    أضاءت أشعة القمر وجه ذلك الذي كان يفتّشه، وفي عينيه رأىحتفه.
    -
    لابد أن يكون لديه أيضاً من الذهب المخبأ في الأرض ـ قال آخر:
    اجبروه على مواصلة الحفر، ولأنه لم يجد شيئاً فقد انهالوا عليه ضرباً. ضربوهزمناً طويلاً، حتى ظهور خيوط الشمس الأولى، ثيابه صار مزقاً وأحسّ بأن الموت صارقريباً.

    -
    مانفع المال، إن كان على المرء أن يموت؟ فإنه لمن النادر أنيستطيع المال إنقاء أحد من الموت ـ هكذا قال الخيميائي.
    -
    ابحث عن الكنز ـ قالأخيراً، وعلى الرغم من الجروح التي أدمت فمه المتوّرم إثر اللكمات التي تلقّاها،فقد روى لمهاجميه أنه كان قد حلم مرّتين بكنزٍ مطمور على مقربة من أهرامات مصر.
    ذاك الذي يبجو عليه زعيمهم، بقي صامتاً لفترة، ثم توجّه إلى واحد من أتباعه.
    -
    نستطيع أن نتركه ينصرف، فليس معه شيء آخر، وهذا الذهب قد سرقه على الأرجح.
    سقط الشاب منكبّاً على الأرض، وعينان اثنتان كانتا تبحثان عن عينيه، لقد كانزعيم العصابة، لكن الشاب كان ينظر صوب الأهرامات.
    -
    هيا بنا نذهب ! قال الزعيملأصحابه ثم التفت نحو الشاب قائلاً :
    -
    لن تموت، سوف تعيش، وتعلم أنه ليس من حقالمرء أن يكون غبيّاً بهذا القدر، فهنا بالضبط، وفي هذا المكان الذي أنت فيه الآنومنذ عامين تقريباً، كنت قد حلمت بحلم تكرر، حلمتُ أنه كان ينبغي عليَّ الذهاب إلىإسبانيه، أبحث في الريف عن كنيسة صارت أطلالاً، حيث كان الرعاة يذهبون إليها غالباًمع أغنامهم، وحيث تنبت شجرة جميز في الموهف، وأنني لو حفرت عند أسفل شجرة الجميز،لوجدتُ كنزاً مخبّأ، لكنني لستُ غبيّاً للحد الذي يجعلني أجتاز الصحراء كلّها، فقطلأنني حلمت بالحلم نفسه مرّتين، ثم انصرف.

    نهض الشاب بصعوبه، ونظر مرة أخرىإلى الأهرامات.
    ابتسمت له الأهرامات، وابتسم لها هو بالمقابل، وقلبه مفعمبالفرح.
    كان قد وجد كنزه !

    × × ×

    ::
    الخاتمة ::

    كانيدعى سانتياغو
    وصل إلى الكنيسة الصغيرة المهجورة، عندما كان الليل على وشكالهبوط.
    كانت شجرة الجميز ماتزال في الموهف، وكان مايزال بالإمكان رؤية النجومتلمع من خلال السقف المتهدّم، وتذكّر أنه جاء ذات مّرة إلى هناك مع أغنامه، وكان قدأمضى ليلة هادئة باستثناء الحلم الذي رآه.
    إنه هناك الآن بلا قطيعه لكن كان معهمجرفة.
    بقي وقتاً طويلاً يتأمّل السماء، ثم تناول من جعبته زجاجة من الخمر،وفجأة تذكّر تلك الليلة في الصحراء، والتي شاهد فيها النجوم وشرب الخمر أيضاً معالخيميائي، لقد تذكّر كل الدروب التي سلكها، والطريقة الغريبة التي أظهر الله بهاكنزه، ولو أنه لم يكن يؤمن بالأحلام التي كانت تتكرّر، لما كان قد التقى الغجريّةولا الملك العجوز ولا اللص لا ... القائمة طويلة جداً، هذا صحيح، لكن الدرب كانتمرسومة بالعلامات، ولم يكن هناك سبب لأضلّ الطريق ـ قال في نفسه.
    نام دون أنيعرف كيف نام، وعندما أفاق كانت الشمس في أوج إشراقها، عندها أخذ يحفر عند أسفلشجرة الجميز.
    -
    أيها الساحر العجوز ـ حدّث نفسه ـ كيف تحيط علماً بكل شيء، حتىأنك كنت قد تركت لي قليلاً من الذهب كي أستطيع العودة حتى هذه الكنيسة. لقد ضحكالراهب كثيراً عندما رآني أعود بثوب رث ممزّق، ألم يكن بإمكانك أن توفّر علي كل هذاالعناء؟
    سمع الريح تجيبه:
    -
    لا، فلو كنت قد قلت لك ذلك لما كنت رأيتالأهرامات، فهي جميلة جداً، ألم تجدها كذلك؟
    كان هذا هو صوت الخيميائي، ابتسمثم أخذ يحفر، وبعد انقضاء نصف ساعة، اصطدمت المجرفة بشيء قاس، وبعد ساعة كان هناكأمامه صندوق مليء بقطع الذهب الأسبانيّة القديمة، كان فيها أيضاً أحجار كريمة،وأقنعة ذهبيّة مزيّنة بريش أحمر وأبيض، وتماثيل مرصّعة بالألماس، إنها مخلّفات فتحكانت البلاد قد نسيتها منذ زمن بعيد، وكان الفاتح قد نسي أن يذكرها إلى أحفاده.
    سحب من جعبته أوريم وتوميم، فهو لم يكن قد استخدم هاتين الحجرين إلا مرة واحدةذات صباح في السوق الأسبوعي.
    الحياة ودربه كانتا محفوفتين دائماً بالعلامات.
    وضع أوريم وتوميم في صندوق الذهب، فهاتان الحجران تمثّلان هنا أيضاً جزءاً منكنزه، فربّما تذكّرانه بذلك الملك العجوز الذي لن يلتقيه بعد الآن أبداً.
    -
    فيالحقيقة إن الحياة كريمة مع من يعيش أسطورته الشخصيّة ـ قال في سرّه.
    وتذكّرعندئذٍ بأن عليه الذهاب إلى مدينة طريفه، ليعطي العشر من كل هذا للغجريّة.
    -
    كمالغجر خبثاء ! قال لنفسه ـ ربّما لأنهم يرتحلون كثيراً.
    لكن الريح أخذت تعصف،إنها الريح الشرقيّة القادمة من إفريقية، فهي لم تكن تحمل رائحة الصحراء، ولاخطرغزو عربي.
    وعِوضاً عن ذلك، كانت تحمله رائحة عطر يعرفه جيّداً، وهفيف قبلة وصلتبرفق، وبكل رفق، لتستقرّ على شفتيه.

    ابتسم، تلك كانت المرّة الأولى التيتفعل بها هذا، وصاح قائلاً:
    -
    ها أنذا يا فاطمة، إني قادم.

    *
    تمـــت *



  3. #13
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟


    ( قد يأتي الخريف.. ربيعاً )

    * عائدة الخالدي

    * روايــة





    لحظة انعتاق

    طائرة "أليتاليا" المتجهة إلى ميلانو ما زالت جاثمة على أرض المطار، والركاب ما زالوا يدلفون إليها.. الموسيقى الكلاسيكية الخفيفة تدغدغ مسامعي وأنا أنظر عبر النافذة.. التفتّ تلقائياً إلى الرجل الذي على وشك الجلوس على المقعد بجانبي.. يا إلهي كم يشبهك بشعره الأشيب!.‏

    عاودت النظر عبر النافذة وانهمرت الدموع من عيني رغماً عني غزيرة ساخنة.‏

    الطائرة تتهادى على المدرج والمضيفة ترحب بالركاب وتشرح لهم أمور السلامة مرفقة بحركات زميلتيها زيادة في الإيضاح: "... وسنهبط في ميلانو الساعة...".‏

    لم أسمعها؛ فنحن سنهبط على أي حال في ميلانو في وقت ما، والطائرة الأخرى ستكون حتماً بانتظاري لأتابع السفر إلى ليلى.‏

    لم تعد تحصى المرات التي طرت فيها على متن مختلف الخطوط.‏

    جواز السفر.. بطاقة السفر، والحقيبة..‏

    أنا دائماً أحزم حقيبتي وأسافر.. سياحة.. عمل.. أمور طارئة.. كمرض ابنتي الذي بسببه أسافر هذه المرة.‏

    كم مرة وطئت قدماي أرض مطار جديد، وكم مرة عبرت الحدود، وكم مرة التقيت بحرس الحدود ببزات وسحنات ولغات مختلفة باختلاف البلاد؟!.‏

    ما أسرع أن يمتلأ جواز سفري بالأختام فاضطر لتبديله قبل انتهاء مدته.. لم تعد تحصى فعلاً تلك المرات.‏

    وأنت؟!.. تباً لك.. لا أريد أن أفكر بك الآن.‏

    مسحت دموعي وربطت حزامي الذي نسيته ومددت يدي إلى الحقيبة بحثاً عن الكتاب.‏

    عندما لمحت رواية تلك الكاتبة عند صديقتي سوسن شرعت أقلّب صفحاتها..‏

    أثارت سطور الصفحة الأولى شهيتي للقراءة، فوضعت الرواية على عجل في حقيبتي وأنا أودّع سوسن قبل سفري.‏

    الطائرة تسابق الريح وتنطلق بأقصى سرعتها وترتفع فجأة في الجو.. كم أحب لحظة الانعتاق هذه.‏

    رفعت عيني عن الكتاب، ونظرت إلى السماء..‏

    كانت زرقاء صافية.. وسماء سورية على الأغلب زرقاء صافية في الربيع.. في نيسان.‏

    نيسان ثان، وربيع ثان..‏

    في الربيع بدأت قصتي معك.. منذ سنة.‏




    الربيع الأول:سراب اسمه ضوء القمر

    عدت أقرأ في الكتاب..‏

    ما إن وصلت إلى الصفحة الرابعة حتى اكتشفت أن أحلام مستغانمي لا تروي لنا قصة بضمير "أنا-المرأة"؛ وإنما بضمير "أنا-الرجل".‏

    إنها تتحدث بلسان رجل!.‏

    رجل يروي لنا قصته ويفتح لنا نافذة نطلّ منها معه على ذكرياته من خلال حواره مع من كانت يوماً (أو ما زالت) حبيبته.‏

    شعرت بالخيبة؛ فقد كنت أتوق لسماع رواية امرأة تتحدث بلسانها هي وتروي روايتها هي، علّها تتوازى أو تتقاطع في أحداثها مع قصتي أنا معك.. وقبلك وبعدك.‏

    هل أخاطبك بضمير المخاطب أم بضمير الغائب؟.. فأنت دائماً غائب عندما تكون حاضراً، وحاضر عندما تكون غائباً!.‏

    أقرأ في الكتاب كلاماً رائعاً: "لا تبحث كثيراً.. لا يوجد شيء تحت الكلمات. إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات.. لأنها شفافة بطبعها. إن الكتابة تطّهر مما يعلق بنا منذ لحظة الولادة.. ابحث عن القذارة حيث لا يوجد الأدب".‏

    ولذا سأكتب...‏

    سأبدأ الرواية من هنا..‏

    سأضيف إليها ما يستجد من أحداث ما زالت في الغيب، وأستذكر تفاصيلها الماضية..‏

    معك..‏

    أروي لك تفاصيلها أحياناً دون رابط زمني..‏

    أرويها لك كما تأتيني عفو الخاطر..‏

    ***‏

    في البناء القريب المخصص لسكن الطاقم الطبي أجلس في غرفتي الصغيرة التي استأجرتها فيه أستمع إلى الموسيقى وأكتب..‏

    الجو ربيعي دافئ والطبيعة جميلة هنا في هذه القرية الصغيرة حيث المركز الطبي الكبير، حيث ابنتي ليلى تجلس على كرسيها المتحرك لا تقوى على الوقوف أو المشي..‏

    لا تستطيع الكلام، ويداها المتشنجتين تؤلمانها فتضغط على راحتيها بأصابعها التي لم تعد تستطيع أن تمسك بها ملعقة أو قلماً.‏

    تحتاج لمن يطعمها ويأخذها إلى الحمام.. تحتاج للمساعدة في كل شيء..‏

    أما المدرسة فقد نسينا أمرها منذ أن فتحت أبوابها منذ أشهر.‏

    يؤلمني منظرها كثيراً.. أحس كلما رأيتها برغبة في البكاء لكنني أتمالك نفسي أمامها وأنتظر حتى أغلق باب غرفتي على نفسي ثم أنفجر باكية.‏

    ليلى.. ابنتي الصبية التي كانت تملأ حياتي فرحاً وحبوراً أصبحت معاقة إلى هذه الدرجة.‏

    ليلى.. ابنتي الوحيدة التي أنجبتها بعد سبع سنوات من الزواج، وخمس سنوات من المحاولات حتى نفذ صبر الطبيب الشهير وقال لي ذات مرة متعجباً:‏

    -غريب أمركما.. ربما يعاني زوجك من بعض الضعف؛ لكن المشكلة ليست صحية بحتة؛ بل مشكلة عدم انسجام فيزيولوجي!‏

    زوجي لم يكن يرغب بالإنجاب.. كان يريدني رفيقة سفر لا يمنعها الحمل والولادة من المجازفة والترحال، ولكنني أقنعته أخيراً أن ذلك لن يكون عائقاً أبداً، وأصبحت حاملاً.. أخيراً؛ فأسرعت بكل فرحي أزف البشرى لحماتي عبر الهاتف.‏

    -... ستصبحين جدة.‏

    لأسمعها تجيبني ببرود:‏

    -أوه.. أنت حامل إذن!‏

    كانت ليلى تدهشني بأسئلتها الذكية وهي ما زالت طفلة صغيرة ونحن نطوف معها في أرجاء الدنيا.. كانت ترسم بشغف، وتركب الخيل بمهارة ثم فجأة أصابها هذا المرض العضال فلم تعد ترغب أو تقدر على القيام بشيء.‏

    فرحة هي بوجودي معها، وأنا أقضي كل الوقت معها؛ فأنا جئت إلى هنا من أجلها فقط.. جئت لأعتني بها وأطعمها بدل المشرفات اللواتي كن يرجونني أن آخذ قسطاً من الراحة عندما يلمحن آثار الإرهاق على وجهي. في الليل عندما تنام ليلى كنت أعود إلى غرفتي لأشعر أني وحيدة.. وحيدة وقد جلبت معي أدوات الرسم والكتابة ولكن لا رغبة لي بذلك حتى الآن..‏

    تمنيت لو أنك اتصلت ولو مرة.. ولو من باب المجاملة لتسأل عن حالها.. عندما كنت وحيدة هناك أنتظر. وحيدة أنتظر، والكوابيس تحرمني من النوم.. أبكي في نومي واستيقظ فجأة وأنا أشعر بشيء يطبق على أنفاسي، فأنهض وأمشي في الغرفة.. في العتمة.. وأبكي.‏

    ***‏

    زوجي بيتر سافر عائداً إلى سورية؛ فنحن هنا بالتناوب من أجل ابنتنا.‏

    لم نعد نلتقي إلا لأيام معدودة..‏

    بيتر؟!‏

    كيف أصبحت منذ البداية رفيقته؛ ولم أصبح أبداً حبيبته؟!..‏

    أين هو هذا الشيء المفقود بيننا.. هذا الشيء الذي اسمه الشغف؟!‏

    الشغف!‏

    كيف أدعوه مفقوداً، وهو شيئاً لم يكن منذ البداية موجوداً؟!!‏

    ذاك الحاجز اللعين غير المرئي الذي يفصل بيننا!.. أصبح مرئياً!!‏

    كيف السبيل إلى تحطيمه؟.. وهل من أمل في ذلك بعد حوالي عشرين سنة؟!‏

    كيف يمكننا أن نخلق عاطفة لم نعرفها أبداً؟!‏

    إرادتنا الطيبة وحدها لا قدرة لها على خلق عواطف جديدة من العدم..‏

    إنها قادرة فقط على خلق حياة مشتركة منسجمة بما يتيسر لها من العواطف.. من العواطف الأخرى.. ود وإلفة وعطف وحنان.‏

    أنا وبيتر بنينا حياتنا المشتركة المنسجمة بالتفاهم والصراحة.. فلماذا أستشعر الآن، وأكثر من أي وقت مضى هذا الخلل الذي لم أكن أعيره تلك الأهمية من قبل؛ لكنه يبدو لي الآن على هذا القدر الكبير من الأهمية؟!‏

    إرادتنا الطيبة لا تخلق عواطف جديدة من العدم..‏

    والعواطف لا تأتي حسب الطلب..‏

    تأتي تلقائياً..‏

    تأتي رغماً عنا، ورغماً عن إرادتنا.‏

    تتحدى المنطق وتفاجئنا، وقد خلقت فجأة في وقت ما، قد لا يراه العقل مناسباً؛ لكن القلب يباركه..‏

    يخلق الحب فجأة.. من تفاعل كيميائي في لحظة خاطفة من عمر الزمن.‏

    ألم يكن هذا هو تفسيرك، وأنت تمسك بيدي في السيارة وتضغط عليها برفق وكأنك تريد أن تؤكد لي بذلك مصداقية كلامك..‏

    مصداقية كلامك؟!!!‏

    ***‏

    عندما اكتشفت تلك "العقد" استفسرت عن جراح ماهر؛ فدلوني عليك، وليتهم لم يفعلوا.. ليتني اكتشفتها قبل رحيلي من هنا، وأجريت العملية هنا، ولم أتعرف عليك قط!.‏

    كانت غرفة الانتظار تعج بالمرضى، ومعظمهم قرويون.. بسيطين.. فقراء.‏

    كان نديم يسجل أسمائهم ويتلقى المكالمات الهاتفية التي لا تنتهي.‏

    كنت أنت في مكتبك، وكنت أنا أنتظر دوري كالباقين..‏

    جاءت سيدة أنيقة سرعان ما أدخلها نديم إلى الغرفة الصغيرة التي تتوسط ما بين مكتبك وغرفة الانتظار، ثم ما لبثت أن دخلت المكتب!.‏

    استفسرت من نديم:‏

    -هل المرضى عندكم طبقات؟!‏

    ولم يدر المسكين بما يجيبني؛ فقال بسرعة:‏

    -إنها دكتورة!‏

    -يا سلام.. وأنا صحفية.. وماذا عن كل هؤلاء المساكين الذين ينتظرون دورهم؟.. كم من الوقت عليهم إذن أن ينتظروا؟!‏

    كنت أنت في الداخل تسمع ما أقول..‏

    لم أنتظر طويلاً جداً..‏

    دلفت غرفة المكتب فاستقبلتني بابتسامة عريضة، ليس من وراء مكتبك؛ بل وأنت واقف قبالتي تمد لي يدك بالتحية وتدعوني باليد الأخرى للجلوس مشيراً إلى مقعدين متجاورين قرب النافذة..‏

    قلت:‏

    -عذراً.. فأنا لا أستطيع إدخال كل هؤلاء البائسين دفعة واحدة..‏

    إن الاستماع إلى مشاكلهم يحتاج إلى صبر وطاقة كبيرة.. أحتاج لفترات راحة أستقبل فيها أناس آخرين!‏

    عرفت أنك سمعت ما قلته لنديم، وعجبت كيف تحدثني بهذه العفوية وأنت تراني لأول مرة، ولست بالتأكيد بحاجة لتبرير أفعالك تجاهي.‏

    ابتسمت وأنا أتأملك:‏

    رجلاً أسمراً متوسط الطول.. شعرك فضي كثيف، وطويل نوعاً ما.. بحاجة إلى مقص الحلاق!.‏

    قميصك مفتوح الصدر بلا ربطة عنق وبنطالك من الجينز الأزرق..‏

    كنت تدخن سيجاراً أيها الطبيب!!‏

    كان كل ما فيك غريباً جذّاباً، وكانت ابتسامتك وعفويتك أجمل ما فيك.‏

    أحسست وكأني أعرفك منذ زمن بعيد؛ ولكني كنت مضطربة مع أني لم أكن كذلك قبل أن أدخل إليك.. كان شيئاً غريباً يتحرك في داخلي..‏

    شيئاً لم أدرك كنهه في البداية؛ لكنه كان الحب!‏

    كان الحب من النظرة الأولى!!‏

    قلت لك:‏

    -أنا آسفة.. ليس من حقي طبعاً أن أبدي ملاحظاتي لنديم.. أنا صحفية، والصحفية طويلة اللسان رغماً عنها!‏

    وضحكنا معاً، ثم أخبرتك عن سبب الزيارة، وأريتك الصور، وتناقشنا في أمر العملية.. وشرعنا نتحدث عن أمور أخرى.‏

    ****‏

    كنت مستلقية في السرير في غرفتي بالمستشفى عندما جئت في المساء تنظف لي الجرح وأنت تدندن..‏

    شعرت بالفرح يدغدغني وأنا أسمعك، ثم باغتني سؤالك:‏

    -من أين أتيت بهذا الرجل الوسيم؟!‏

    (كنت تقصد زوجي الذي خرج لتوه لأمر ما..)‏

    هذا السؤال..‏

    كم سمعته يتردد على ألسنة الكثيرين؛ ولكن لماذا لم يرقني أن أسمعه منك أنت بالذات؟!‏

    أجل.. رجل وسيم هذا الذي تزوجته.. وسيم، ويبدو أنه يصغرني بسنوات.. كبرت أنا ولم يكبر هو).‏

    -... قولي لي يا كارمن.. عما تكتبين في المجلات؟‏

    -إني أجري استطلاعات صحفية، وتحقيقات من بلاد العالم المختلفة التي أزورها، وأكتب عن انطباعاتي عنها، كما أني أكتب نقداً اجتماعياً وخواطر.‏

    -هل لي بعدد من مجلة تكتبين فيها؟‏

    فرحت جداً لطلبك، ورجوت باندفاع طفولي من زوجي أن يجلب لي أعداداً من البيت كي تختار واحداً منها.‏

    (اخترت مجلة؛ ولكنك أضعتها فيما بعد بدل أن تقرأها.. قرأها نديم بدلاً منك!!.‏

    قال لي نديم ذلك بحماس، وهو يذكر لي ما ورد في تحقيقي عن تلك البلاد البعيدة من معلومات وأخبار.‏

    أما أنت، فقد اعتذرت بحجة أن نديم لديه متسع من الوقت أكثر!..‏

    حقاً؟!!.. وهل كان يهمني أن يقرأ كتاباتي نديم أم أنت؟).‏

    جئت إليك بعد أيام في العيادة لتفحص الجرح؛ فأخبرتني أنك مسافر إلى أمريكا الجنوبية، ثم فاجأتني مرة أخرى بسؤال خرج من بين شفتيك عفوياً للغاية:‏

    -هل ترغبين بالسفر معي؟!‏

    -ولمَ لا؟!... أود أن أكتب عن هؤلاء المغتربين هناك.‏

    -وأنا يمكنني مساعدتك.. إن لي صلاتي الوثيقة هناك!‏

    كانت فكرة مجنونة؛ ولكني تمنيت لو حدث هذا الجنون.. لو اتصلت بي ودعوتني حقاً لمرافقتك.. لم يكن لدي مانع، ولم يكن بيتر ليمانع.. بالتأكيد!!‏

    كنت أجد دائماً سبباً ما يجعلني أزورك في العيادة، وكنت تفرح برؤيتي.. تقبّلني على الوجنتين مرحبّاً كصديق قديم وترجوني كلما نهضت مستأذنة بالانصراف أن أجلس قليلاً:‏

    -إنك تنسيني الوقت؛ فاجلسي بعد ودعينا نتناول القهوة معاً.‏

    عندما مرضت ليلى والتبس علي مرضها جئت إليك أستفسر عن طبيب أعصاب مختص فدللتني عليه، ورجوتني أن أوافيك إلى العيادة لأطمئنك، ولكني لم أفعل..‏

    أردت أن أكبح جماح رغبتي برؤيتك..‏

    أن أشغل نفسي عن التفكير بك.‏

    ***‏

    لم يكتشف طبيب الأعصاب ما بها وهو يمعن النظر في الصور التي طلبها، وطلب مني أن أزور طبيباً نفسياً؛ فجئت ثانية إليك، وأنا أوهم نفسي أني أزورك لمجرد الاستشارة..‏

    كتبت لي اسم الطبيب وعنوانه في دمشق على ورقة وطلبت مني أن أزوره في ذاك اليوم بالذات.. رجوتني أن آتي إليك بعد ذلك إلى العيادة، واقترحت علي أن توصلنا إلى البيت؛ فأنت مسافر إلى اللاذقية- كالعادة- مساء اليوم.‏

    لم أستطع أن أقاوم هذه المرة رغبتي برؤيتك، وبرفقتك على الطريق؛ فدخلت العيادة..‏

    كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً، وكانت قريبتك سناء تجلس في مكتبك..‏

    تعرّفت عليها، واحتضنت ليلى باسمة وهي تقول:‏

    -كم أحب هذا الاسم.‏

    كان عدم الارتياح بادياً على وجهك عندما انصرفت سناء، وبادرتني قائلاً:‏

    -في الحقيقة.. إنها ليست ابنة خالي؛ بل ابنة ابن خالي.‏

    لم يكن الأمر يعنيني من قريب أو بعيد؛ فلم أجب.‏



    -أتعرفين؟!.. لقد كنت في غاية الترقب أتساءل إن كنت ستحضرين أم لا.‏

    -لقد وعدتك بالحضور، وليس من عادتي أن أخلف بوعودي.‏

    كنت ترتب أوراقك استعداداً للذهاب، وتشاغلت أنا بتقليب الصحيفة ريثما تنتهي، وريثما تعود ليلى من المرحاض.. وجاءني سؤالك دون مقدمات:‏

    -لاحظت أنه لا يوجد
    affection
    بينك وبين بيتر!!‏

    فاجأني سؤالك الجريء جداً؛ فأجبتك بسؤال مغلّف بالسخرية محاولة إخفاء اضطرابي:‏

    -هه.. هل علينا إذن أن نتعانق ونتبادل القبل علناً لنبرهن عكس ذلك؟!‏

    (كنت أغالط نفسي، وأعرف ذلك.. ولكني أحاول أن لا أفضح نفسي أمامك).‏

    -طبعاً لا.. ولكني أشعر أن لا شيء بينكما من هذا القبيل!!.‏

    -...‏

    (لم أحر جواباً.. أنا أعرف في قرارة نفسي أنك على حق.‏

    أنا لم أشعر أبداً تجاه بيتر بالشغف.. بل بالمودة.. مجرد مودة؛ ولكن لا داعي لأن تعرف أنت بالذات ذلك).‏

    عادت ليلى من المرحاض.. ضممتها إليك وقبلتها وأنت تريها صورتك في جواز السفر، ثم تضعه في حقيبة يدك الصغيرة قائلاً:‏

    -هيا بنا.‏

    لكن الهاتف ما لبث أن زعق، فسرت باتجاهه متذمراً:‏

    -كثرت المكالمات اليوم، لأني قررت الذهاب باكراً.‏

    أنهيت المكالمة بسرعة؛ فناولتك ونحن نهم بالخروج علبة كبيرة، وقلت لك:‏

    -هذا الكاتو صنعته لك.. شكراً لك لاصطحابك لنا بسيارتك.‏

    -سأحمله إلى أمي وآكله معها!‏

    ما إن انطلقت السيارة حتى شعرت براحة يدك تلامس خدي برفق وأنت تقول:‏

    -تبدين حزينة.‏

    -لا شيء.. أنا شاردة الذهن قليلاً.‏

    -لا.. هناك غلالة من الحزن على وجهك.. عيناك حزينتان.. وأنا أعرف لماذا!!‏

    نظرت إليك بدهشة وبقيت صامتة..‏

    (أيها الماكر.. إنك تنفذ إلى أعماقي وتقرأ ما بداخلي..‏

    تعرّيني وتواجهني بالحقيقة.. هكذا.. بكل جرأة.. بجرأة تصل ربما حد الوقاحة، وأنا إن تفوهت فإني أخدع نفسي فقط!)‏

    -حقاً؟!.. أتعرف لماذا أنا حزينة؟‏

    كانت ليلى قد استلقت على المقعد الخلفي لتغفو قليلاً؛ فاستدرت إليها، وجذبت سترتك أغطيها بها..‏

    وعدت تكرر:‏

    There is no affection

    أين هو؟!‏

    وبسرعة، أمسكت يدي تشد عليها، وأنت تقول:‏

    -... إنه هنا... بيني وبينك.. إنه هذه الكيمياء العجيبة التي لا يمكن تفسيرها أبداً.. هذا التفاعل الذي يحدث بين اثنين.. يحدث فجأة وبعفوية دون أن نعرف كيف ولماذا!.‏

    -...‏

    ارتحت للمساتك، ولم أمانع، بل تركت يدي ترتاح في يدك.‏

    تأكدت عندئذ أن شيئاً خطيراً قد حدث لي.‏

    شعرت بالحرارة، ثم بالعرق يتصبب مني.. يتصبب من مسامات جسدي كلها!‏

    تمنيت لو أن الطريق يمتد إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن لا تترك يدي تفلت أبداً من يدك..‏

    كانت فيروز تشدو.. تذوب رومانسية، وتذيبني معها..‏

    ونسيت من أنا، ومن أنت.. نسيت ابنتي..‏

    نسيت كل شيء، ولم يعد يهمني إلا أني بقربك في هذه اللحظات بالذات.‏

    -أنت لست جميلة يا كارمن!...‏

    (يا للإطراء...) بقيت صامتة انتظر أن تكمل جملتك:‏

    -... لكن فيك شيء غريب.. في وجهك شيء آسر يجذبني إليك.. طبعاً، لا بد أنك سمعت ذلك من غيري.‏

    -بالفعل..‏

    وتذكرته..‏

    مازن.. ذلك الطيار الشاب الذي كان يلاحقني بالسيارة على طريق الجامعة..‏

    تقدم مني مرة بجرأة وعفوية، وعرّفني على نفسه، ثم دعاني لتناول فنجاناً من القهوة، وعندما رفضت بلطف وأنا أبتسم لخفة دمه تبعني إلى مكتبة الجامعة، وظل جالساً بقربي وأنا أرجوه أن ينصرف كي لا يزعج الآخرين، ولكي أتمكن من المطالعة؛ لكنه أصر على البقاء حتى أذعنت لرغبته وتناولنا القهوة معاً في مقصف الجامعة..‏

    تعرّفت على أهله، وتعرّف على أهلي.. كنت أجلب له من البلدان المختلفة هدايا صغيرة لطيفة، وكنا نلتقي بعفوية عندما يشعر أحدنا بالسأم فنشرب شيئاً ما ونحن نضحك ونتحدث، ثم نفترق دون وعود..‏

    قال لي مرة أنه لم يتعرّف أبداً على فتاة مرحة وصادقة وعفوية مثلي، معترفاً أنه تعرّف على فتيات كثيرات، وكن بالطبع أجمل مني؛ لكنهن كن يفتقدن إلى جاذبيتي.. إلى هذا الشيء "الآسر" في وجهي!‏

    عندما عدت من زيارة بيتر، وقد اتفقت معه على الزواج، كان مازن ينتظرني في المطار..‏

    نظر إلي بحزن، وقال:‏

    -ستتزوجينه إذن.‏

    -أجل‏

    -أتمنى لك التوفيق، وأرجو أن لا تبخلي علينا برؤيتك.‏

    تمنيت في تلك اللحظة لو أنه قال لي شيئاً آخر..‏

    لو أنه صرخ في وجهي وفاجأني بقوله:‏

    -كارمن.. أنا أحبك!‏

    لكنه لم يفعل، ولم أعرف لماذا تمنيت أنا ذلك؛ فليس بيننا وعود.. مجرد صداقة.‏

    أيقظتني من خواطري وأنت تقول:‏

    -أنت لم تمريّ عليّ مرور الكرام.. أقسم لك يا كارمن..‏

    حدثيني عن نفسك.. انفتحي لي!.. ماذا تفعلين في الأمسيات مثلاً؟‏

    -أقرأ وأكتب وأصنع أشياء جميلة داخل البيت، وأرسم في بعض الأحيان؛ فالرسم يتطلب وقتاً ومكاناً لا يمكن توفرهما غالباً إلا في الصيف عندما تكون ليلى في إجازتها المدرسية، ولا حاجة لتدريسها... عندئذ يمكنني أيضاً أن أسافر وأكتب تحقيقاتي الصحفية.. أما التلفاز؛ فأنا لا أشاهده إلا نادراً.‏

    -وأنا أيضاً.‏

    وتبسطت في الحديث معك، وأخبرتك أشياء وأشياء، وأخبرتني مثلها..‏

    جذبت يدي فجأة إلى صدرك.. إلى قلبك وأنت تقول:‏



    -أنا أحبك يا كارمن.. أحبك، فهل تحبينني؟!‏

    -ربما أحبك.. ربما!‏

    لم أدر كيف قبَّلتك بسرعة وأنا أقول:‏

    -أنت شيطان!‏

    -أنا؟!.. أنا إنسان مسكين..‏

    انظري إلى هذه الأشجار تتراقص ظلالها في العتمة، وإلى هذا البدر الرائع يتلألئ في السماء، وينير لنا الطريق.. يا لها من أمسية ربيعية رائعة.. تعالي نجن معاً؛ فنحن لا نؤذي أحداً!.‏

    -لا.. بل نؤذي أحداً بالتأكيد.. أرجوك كن عاقلاً ولا تفقدني صوابي!‏

    لاحت مشارف المدينة من بعيد، وأتاني صوت ليلى وقد استيقظت للتو تسأل:‏

    -هل وصلنا؟‏

    أوصلتنا للبيت، ودعوتك من باب المجاملة للدخول وتناول القهوة، وأنا أتمنى ألا تفعل..‏

    ولم تفعل؛ بل صافحتني مودّعاً.‏

    فتح لي بيتر الباب وسألني عنك؛ فقد كان يتوقع أن أدعوك- حسب الأصول- لتناول القهوة.‏

    قلت لـه أنك اعتذرت لأنك متعب، وتشاغلت بمساعدة ليلى للذهاب إلى الفراش كي تهدأ نفسي قليلاً، ولا يلاحظ بيتر مدى اضطرابي..‏

    جلست في الغرفة أمام التلفاز مرهقة ساهمة.. أستعيد في بالي تفاصيل مشوارنا.. سألني بيتر:‏

    -هل ترغبين بشرب الشاي؟‏

    -نعم.. شكراً لك.‏



    وذهب بيتر إلى المطبخ ليعد الشاي، وتركني لشرودي ومشاعري المضطربة..‏

    ****‏

    كان شخير بيتر يرتفع فأربت على ساعده برفق كي يستدير إلى الجانب الآخر..‏

    لقد استسلم للنوم بعد أن مسّدت له رأسه كالعادة، أما أنا.. فكيف أجد للنوم سبيلاً؟‏

    عيناي تحدق في الظلمة.. أفكر بك وأتساءل:‏

    أينبغي للمرء أن يكون متطلباً هكذا؟..‏

    أنانياً هكذا؟..‏

    أليست الحياة أولويات؟‏

    شعرت بالرغبة أن أوقظك أيها الشرقي العابث من أحلامك الوردية وأحرمك من النوم الذي حرمتني منه؛ ولكني أشفقت عليك، وانتظرت ساعات حتى أتصل.‏

    كنت بحاجة للتحدث إليك.. بحاجة لأن أضع النقاط على الحروف، وأبرر حماقة لم أرتكبها من قبل..‏

    جاءني صوتك عبر الهاتف يغالبه النعاس.‏

    (ماذا كنت أتوقع بحق السماء؟.. أن تساهر النجوم من أجلي؟!..‏

    أقسمت لي أن لقائك بي لم يكن لقاءاً عابراً، وأنا أخشى أن يكون ضوء القمر مجرد سراب تلألئ في عينيك ذات مساء ثم.. اختفى!)‏

    ***‏

    اتصلت بك ذات مساء:‏

    -مساء الخير.. كيف حالك؟‏

    -آ.. أهلاً بك كارمن.. كيف حالك؟‏

    -بخير..‏

    -ذاك المساء كان كالحلم.‏

    -دعه يظل كذلك.‏

    -ليتك ترافقيني كل مرة في ترحالي ما بين دمشق واللاذقية.‏

    -غير ممكن، فإن لي التزاماتي.. أريد أن أتحدث إليك في أمر هام.‏

    أدركت بسرعة ما الذي أود التحدث إليك بشأنه؛ فأجبتني:‏

    -أراك إذن في العيادة بعد أيام.‏

    -إلى اللقاء إذن.‏

    -إلى اللقاء يا حبيبتي.‏



  4. #14
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟

    ( قد يأتي الخريف.. ربيعاً )

    * عائدة الخالدي

    * روايــة





    لحظة انعتاق

    طائرة "أليتاليا" المتجهة إلى ميلانو ما زالت جاثمة على أرض المطار، والركاب ما زالوا يدلفون إليها.. الموسيقى الكلاسيكية الخفيفة تدغدغ مسامعي وأنا أنظر عبر النافذة.. التفتّ تلقائياً إلى الرجل الذي على وشك الجلوس على المقعد بجانبي.. يا إلهي كم يشبهك بشعره الأشيب!.‏

    عاودت النظر عبر النافذة وانهمرت الدموع من عيني رغماً عني غزيرة ساخنة.‏

    الطائرة تتهادى على المدرج والمضيفة ترحب بالركاب وتشرح لهم أمور السلامة مرفقة بحركات زميلتيها زيادة في الإيضاح: "... وسنهبط في ميلانو الساعة...".‏

    لم أسمعها؛ فنحن سنهبط على أي حال في ميلانو في وقت ما، والطائرة الأخرى ستكون حتماً بانتظاري لأتابع السفر إلى ليلى.‏

    لم تعد تحصى المرات التي طرت فيها على متن مختلف الخطوط.‏

    جواز السفر.. بطاقة السفر، والحقيبة..‏

    أنا دائماً أحزم حقيبتي وأسافر.. سياحة.. عمل.. أمور طارئة.. كمرض ابنتي الذي بسببه أسافر هذه المرة.‏

    كم مرة وطئت قدماي أرض مطار جديد، وكم مرة عبرت الحدود، وكم مرة التقيت بحرس الحدود ببزات وسحنات ولغات مختلفة باختلاف البلاد؟!.‏

    ما أسرع أن يمتلأ جواز سفري بالأختام فاضطر لتبديله قبل انتهاء مدته.. لم تعد تحصى فعلاً تلك المرات.‏

    وأنت؟!.. تباً لك.. لا أريد أن أفكر بك الآن.‏

    مسحت دموعي وربطت حزامي الذي نسيته ومددت يدي إلى الحقيبة بحثاً عن الكتاب.‏

    عندما لمحت رواية تلك الكاتبة عند صديقتي سوسن شرعت أقلّب صفحاتها..‏

    أثارت سطور الصفحة الأولى شهيتي للقراءة، فوضعت الرواية على عجل في حقيبتي وأنا أودّع سوسن قبل سفري.‏

    الطائرة تسابق الريح وتنطلق بأقصى سرعتها وترتفع فجأة في الجو.. كم أحب لحظة الانعتاق هذه.‏

    رفعت عيني عن الكتاب، ونظرت إلى السماء..‏

    كانت زرقاء صافية.. وسماء سورية على الأغلب زرقاء صافية في الربيع.. في نيسان.‏

    نيسان ثان، وربيع ثان..‏

    في الربيع بدأت قصتي معك.. منذ سنة.‏



    الربيع الأول:سراب اسمه ضوء القمر

    عدت أقرأ في الكتاب..‏

    ما إن وصلت إلى الصفحة الرابعة حتى اكتشفت أن أحلام مستغانمي لا تروي لنا قصة بضمير "أنا-المرأة"؛ وإنما بضمير "أنا-الرجل".‏

    إنها تتحدث بلسان رجل!.‏

    رجل يروي لنا قصته ويفتح لنا نافذة نطلّ منها معه على ذكرياته من خلال حواره مع من كانت يوماً (أو ما زالت) حبيبته.‏

    شعرت بالخيبة؛ فقد كنت أتوق لسماع رواية امرأة تتحدث بلسانها هي وتروي روايتها هي، علّها تتوازى أو تتقاطع في أحداثها مع قصتي أنا معك.. وقبلك وبعدك.‏

    هل أخاطبك بضمير المخاطب أم بضمير الغائب؟.. فأنت دائماً غائب عندما تكون حاضراً، وحاضر عندما تكون غائباً!.‏

    أقرأ في الكتاب كلاماً رائعاً: "لا تبحث كثيراً.. لا يوجد شيء تحت الكلمات. إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات.. لأنها شفافة بطبعها. إن الكتابة تطّهر مما يعلق بنا منذ لحظة الولادة.. ابحث عن القذارة حيث لا يوجد الأدب".‏

    ولذا سأكتب...‏

    سأبدأ الرواية من هنا..‏

    سأضيف إليها ما يستجد من أحداث ما زالت في الغيب، وأستذكر تفاصيلها الماضية..‏

    معك..‏

    أروي لك تفاصيلها أحياناً دون رابط زمني..‏

    أرويها لك كما تأتيني عفو الخاطر..‏

    ***‏

    في البناء القريب المخصص لسكن الطاقم الطبي أجلس في غرفتي الصغيرة التي استأجرتها فيه أستمع إلى الموسيقى وأكتب..‏

    الجو ربيعي دافئ والطبيعة جميلة هنا في هذه القرية الصغيرة حيث المركز الطبي الكبير، حيث ابنتي ليلى تجلس على كرسيها المتحرك لا تقوى على الوقوف أو المشي..‏

    لا تستطيع الكلام، ويداها المتشنجتين تؤلمانها فتضغط على راحتيها بأصابعها التي لم تعد تستطيع أن تمسك بها ملعقة أو قلماً.‏

    تحتاج لمن يطعمها ويأخذها إلى الحمام.. تحتاج للمساعدة في كل شيء..‏

    أما المدرسة فقد نسينا أمرها منذ أن فتحت أبوابها منذ أشهر.‏

    يؤلمني منظرها كثيراً.. أحس كلما رأيتها برغبة في البكاء لكنني أتمالك نفسي أمامها وأنتظر حتى أغلق باب غرفتي على نفسي ثم أنفجر باكية.‏

    ليلى.. ابنتي الصبية التي كانت تملأ حياتي فرحاً وحبوراً أصبحت معاقة إلى هذه الدرجة.‏

    ليلى.. ابنتي الوحيدة التي أنجبتها بعد سبع سنوات من الزواج، وخمس سنوات من المحاولات حتى نفذ صبر الطبيب الشهير وقال لي ذات مرة متعجباً:‏

    -غريب أمركما.. ربما يعاني زوجك من بعض الضعف؛ لكن المشكلة ليست صحية بحتة؛ بل مشكلة عدم انسجام فيزيولوجي!‏

    زوجي لم يكن يرغب بالإنجاب.. كان يريدني رفيقة سفر لا يمنعها الحمل والولادة من المجازفة والترحال، ولكنني أقنعته أخيراً أن ذلك لن يكون عائقاً أبداً، وأصبحت حاملاً.. أخيراً؛ فأسرعت بكل فرحي أزف البشرى لحماتي عبر الهاتف.‏

    -... ستصبحين جدة.‏

    لأسمعها تجيبني ببرود:‏

    -أوه.. أنت حامل إذن!‏

    كانت ليلى تدهشني بأسئلتها الذكية وهي ما زالت طفلة صغيرة ونحن نطوف معها في أرجاء الدنيا.. كانت ترسم بشغف، وتركب الخيل بمهارة ثم فجأة أصابها هذا المرض العضال فلم تعد ترغب أو تقدر على القيام بشيء.‏

    فرحة هي بوجودي معها، وأنا أقضي كل الوقت معها؛ فأنا جئت إلى هنا من أجلها فقط.. جئت لأعتني بها وأطعمها بدل المشرفات اللواتي كن يرجونني أن آخذ قسطاً من الراحة عندما يلمحن آثار الإرهاق على وجهي. في الليل عندما تنام ليلى كنت أعود إلى غرفتي لأشعر أني وحيدة.. وحيدة وقد جلبت معي أدوات الرسم والكتابة ولكن لا رغبة لي بذلك حتى الآن..‏

    تمنيت لو أنك اتصلت ولو مرة.. ولو من باب المجاملة لتسأل عن حالها.. عندما كنت وحيدة هناك أنتظر. وحيدة أنتظر، والكوابيس تحرمني من النوم.. أبكي في نومي واستيقظ فجأة وأنا أشعر بشيء يطبق على أنفاسي، فأنهض وأمشي في الغرفة.. في العتمة.. وأبكي.‏

    ***‏

    زوجي بيتر سافر عائداً إلى سورية؛ فنحن هنا بالتناوب من أجل ابنتنا.‏

    لم نعد نلتقي إلا لأيام معدودة..‏

    بيتر؟!‏

    كيف أصبحت منذ البداية رفيقته؛ ولم أصبح أبداً حبيبته؟!..‏

    أين هو هذا الشيء المفقود بيننا.. هذا الشيء الذي اسمه الشغف؟!‏

    الشغف!‏

    كيف أدعوه مفقوداً، وهو شيئاً لم يكن منذ البداية موجوداً؟!!‏

    ذاك الحاجز اللعين غير المرئي الذي يفصل بيننا!.. أصبح مرئياً!!‏

    كيف السبيل إلى تحطيمه؟.. وهل من أمل في ذلك بعد حوالي عشرين سنة؟!‏

    كيف يمكننا أن نخلق عاطفة لم نعرفها أبداً؟!‏

    إرادتنا الطيبة وحدها لا قدرة لها على خلق عواطف جديدة من العدم..‏

    إنها قادرة فقط على خلق حياة مشتركة منسجمة بما يتيسر لها من العواطف.. من العواطف الأخرى.. ود وإلفة وعطف وحنان.‏

    أنا وبيتر بنينا حياتنا المشتركة المنسجمة بالتفاهم والصراحة.. فلماذا أستشعر الآن، وأكثر من أي وقت مضى هذا الخلل الذي لم أكن أعيره تلك الأهمية من قبل؛ لكنه يبدو لي الآن على هذا القدر الكبير من الأهمية؟!‏

    إرادتنا الطيبة لا تخلق عواطف جديدة من العدم..‏

    والعواطف لا تأتي حسب الطلب..‏

    تأتي تلقائياً..‏

    تأتي رغماً عنا، ورغماً عن إرادتنا.‏

    تتحدى المنطق وتفاجئنا، وقد خلقت فجأة في وقت ما، قد لا يراه العقل مناسباً؛ لكن القلب يباركه..‏

    يخلق الحب فجأة.. من تفاعل كيميائي في لحظة خاطفة من عمر الزمن.‏

    ألم يكن هذا هو تفسيرك، وأنت تمسك بيدي في السيارة وتضغط عليها برفق وكأنك تريد أن تؤكد لي بذلك مصداقية كلامك..‏

    مصداقية كلامك؟!!!‏

    ***‏

    عندما اكتشفت تلك "العقد" استفسرت عن جراح ماهر؛ فدلوني عليك، وليتهم لم يفعلوا.. ليتني اكتشفتها قبل رحيلي من هنا، وأجريت العملية هنا، ولم أتعرف عليك قط!.‏

    كانت غرفة الانتظار تعج بالمرضى، ومعظمهم قرويون.. بسيطين.. فقراء.‏

    كان نديم يسجل أسمائهم ويتلقى المكالمات الهاتفية التي لا تنتهي.‏

    كنت أنت في مكتبك، وكنت أنا أنتظر دوري كالباقين..‏

    جاءت سيدة أنيقة سرعان ما أدخلها نديم إلى الغرفة الصغيرة التي تتوسط ما بين مكتبك وغرفة الانتظار، ثم ما لبثت أن دخلت المكتب!.‏

    استفسرت من نديم:‏

    -هل المرضى عندكم طبقات؟!‏

    ولم يدر المسكين بما يجيبني؛ فقال بسرعة:‏

    -إنها دكتورة!‏

    -يا سلام.. وأنا صحفية.. وماذا عن كل هؤلاء المساكين الذين ينتظرون دورهم؟.. كم من الوقت عليهم إذن أن ينتظروا؟!‏

    كنت أنت في الداخل تسمع ما أقول..‏

    لم أنتظر طويلاً جداً..‏

    دلفت غرفة المكتب فاستقبلتني بابتسامة عريضة، ليس من وراء مكتبك؛ بل وأنت واقف قبالتي تمد لي يدك بالتحية وتدعوني باليد الأخرى للجلوس مشيراً إلى مقعدين متجاورين قرب النافذة..‏

    قلت:‏

    -عذراً.. فأنا لا أستطيع إدخال كل هؤلاء البائسين دفعة واحدة..‏

    إن الاستماع إلى مشاكلهم يحتاج إلى صبر وطاقة كبيرة.. أحتاج لفترات راحة أستقبل فيها أناس آخرين!‏

    عرفت أنك سمعت ما قلته لنديم، وعجبت كيف تحدثني بهذه العفوية وأنت تراني لأول مرة، ولست بالتأكيد بحاجة لتبرير أفعالك تجاهي.‏

    ابتسمت وأنا أتأملك:‏

    رجلاً أسمراً متوسط الطول.. شعرك فضي كثيف، وطويل نوعاً ما.. بحاجة إلى مقص الحلاق!.‏

    قميصك مفتوح الصدر بلا ربطة عنق وبنطالك من الجينز الأزرق..‏

    كنت تدخن سيجاراً أيها الطبيب!!‏

    كان كل ما فيك غريباً جذّاباً، وكانت ابتسامتك وعفويتك أجمل ما فيك.‏

    أحسست وكأني أعرفك منذ زمن بعيد؛ ولكني كنت مضطربة مع أني لم أكن كذلك قبل أن أدخل إليك.. كان شيئاً غريباً يتحرك في داخلي..‏

    شيئاً لم أدرك كنهه في البداية؛ لكنه كان الحب!‏

    كان الحب من النظرة الأولى!!‏

    قلت لك:‏

    -أنا آسفة.. ليس من حقي طبعاً أن أبدي ملاحظاتي لنديم.. أنا صحفية، والصحفية طويلة اللسان رغماً عنها!‏

    وضحكنا معاً، ثم أخبرتك عن سبب الزيارة، وأريتك الصور، وتناقشنا في أمر العملية.. وشرعنا نتحدث عن أمور أخرى.‏

    ****‏

    كنت مستلقية في السرير في غرفتي بالمستشفى عندما جئت في المساء تنظف لي الجرح وأنت تدندن..‏

    شعرت بالفرح يدغدغني وأنا أسمعك، ثم باغتني سؤالك:‏

    -من أين أتيت بهذا الرجل الوسيم؟!‏

    (كنت تقصد زوجي الذي خرج لتوه لأمر ما..)‏

    هذا السؤال..‏

    كم سمعته يتردد على ألسنة الكثيرين؛ ولكن لماذا لم يرقني أن أسمعه منك أنت بالذات؟!‏

    أجل.. رجل وسيم هذا الذي تزوجته.. وسيم، ويبدو أنه يصغرني بسنوات.. كبرت أنا ولم يكبر هو).‏

    -... قولي لي يا كارمن.. عما تكتبين في المجلات؟‏

    -إني أجري استطلاعات صحفية، وتحقيقات من بلاد العالم المختلفة التي أزورها، وأكتب عن انطباعاتي عنها، كما أني أكتب نقداً اجتماعياً وخواطر.‏

    -هل لي بعدد من مجلة تكتبين فيها؟‏

    فرحت جداً لطلبك، ورجوت باندفاع طفولي من زوجي أن يجلب لي أعداداً من البيت كي تختار واحداً منها.‏

    (اخترت مجلة؛ ولكنك أضعتها فيما بعد بدل أن تقرأها.. قرأها نديم بدلاً منك!!.‏

    قال لي نديم ذلك بحماس، وهو يذكر لي ما ورد في تحقيقي عن تلك البلاد البعيدة من معلومات وأخبار.‏

    أما أنت، فقد اعتذرت بحجة أن نديم لديه متسع من الوقت أكثر!..‏

    حقاً؟!!.. وهل كان يهمني أن يقرأ كتاباتي نديم أم أنت؟).‏

    جئت إليك بعد أيام في العيادة لتفحص الجرح؛ فأخبرتني أنك مسافر إلى أمريكا الجنوبية، ثم فاجأتني مرة أخرى بسؤال خرج من بين شفتيك عفوياً للغاية:‏

    -هل ترغبين بالسفر معي؟!‏

    -ولمَ لا؟!... أود أن أكتب عن هؤلاء المغتربين هناك.‏

    -وأنا يمكنني مساعدتك.. إن لي صلاتي الوثيقة هناك!‏

    كانت فكرة مجنونة؛ ولكني تمنيت لو حدث هذا الجنون.. لو اتصلت بي ودعوتني حقاً لمرافقتك.. لم يكن لدي مانع، ولم يكن بيتر ليمانع.. بالتأكيد!!‏

    كنت أجد دائماً سبباً ما يجعلني أزورك في العيادة، وكنت تفرح برؤيتي.. تقبّلني على الوجنتين مرحبّاً كصديق قديم وترجوني كلما نهضت مستأذنة بالانصراف أن أجلس قليلاً:‏

    -إنك تنسيني الوقت؛ فاجلسي بعد ودعينا نتناول القهوة معاً.‏

    عندما مرضت ليلى والتبس علي مرضها جئت إليك أستفسر عن طبيب أعصاب مختص فدللتني عليه، ورجوتني أن أوافيك إلى العيادة لأطمئنك، ولكني لم أفعل..‏

    أردت أن أكبح جماح رغبتي برؤيتك..‏

    أن أشغل نفسي عن التفكير بك.‏

    ***‏

    لم يكتشف طبيب الأعصاب ما بها وهو يمعن النظر في الصور التي طلبها، وطلب مني أن أزور طبيباً نفسياً؛ فجئت ثانية إليك، وأنا أوهم نفسي أني أزورك لمجرد الاستشارة..‏

    كتبت لي اسم الطبيب وعنوانه في دمشق على ورقة وطلبت مني أن أزوره في ذاك اليوم بالذات.. رجوتني أن آتي إليك بعد ذلك إلى العيادة، واقترحت علي أن توصلنا إلى البيت؛ فأنت مسافر إلى اللاذقية- كالعادة- مساء اليوم.‏

    لم أستطع أن أقاوم هذه المرة رغبتي برؤيتك، وبرفقتك على الطريق؛ فدخلت العيادة..‏

    كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءً، وكانت قريبتك سناء تجلس في مكتبك..‏

    تعرّفت عليها، واحتضنت ليلى باسمة وهي تقول:‏

    -كم أحب هذا الاسم.‏

    كان عدم الارتياح بادياً على وجهك عندما انصرفت سناء، وبادرتني قائلاً:‏

    -في الحقيقة.. إنها ليست ابنة خالي؛ بل ابنة ابن خالي.‏

    لم يكن الأمر يعنيني من قريب أو بعيد؛ فلم أجب.‏



    -أتعرفين؟!.. لقد كنت في غاية الترقب أتساءل إن كنت ستحضرين أم لا.‏

    -لقد وعدتك بالحضور، وليس من عادتي أن أخلف بوعودي.‏

    كنت ترتب أوراقك استعداداً للذهاب، وتشاغلت أنا بتقليب الصحيفة ريثما تنتهي، وريثما تعود ليلى من المرحاض.. وجاءني سؤالك دون مقدمات:‏


    -لاحظت أنه لا يوجد affection
    بينك وبين بيتر!!‏


    فاجأني سؤالك الجريء جداً؛ فأجبتك بسؤال مغلّف بالسخرية محاولة إخفاء اضطرابي:‏



    -هه.. هل علينا إذن أن نتعانق ونتبادل القبل علناً لنبرهن عكس ذلك؟!‏



    (كنت أغالط نفسي، وأعرف ذلك.. ولكني أحاول أن لا أفضح نفسي أمامك).‏



    -طبعاً لا.. ولكني أشعر أن لا شيء بينكما من هذا القبيل!!.‏



    -...‏



    (لم أحر جواباً.. أنا أعرف في قرارة نفسي أنك على حق.‏



    أنا لم أشعر أبداً تجاه بيتر بالشغف.. بل بالمودة.. مجرد مودة؛ ولكن لا داعي لأن تعرف أنت بالذات ذلك).‏



    عادت ليلى من المرحاض.. ضممتها إليك وقبلتها وأنت تريها صورتك في جواز السفر، ثم تضعه في حقيبة يدك الصغيرة قائلاً:‏



    -هيا بنا.‏



    لكن الهاتف ما لبث أن زعق، فسرت باتجاهه متذمراً:‏



    -كثرت المكالمات اليوم، لأني قررت الذهاب باكراً.‏



    أنهيت المكالمة بسرعة؛ فناولتك ونحن نهم بالخروج علبة كبيرة، وقلت لك:‏



    -هذا الكاتو صنعته لك.. شكراً لك لاصطحابك لنا بسيارتك.‏



    -سأحمله إلى أمي وآكله معها!‏



    ما إن انطلقت السيارة حتى شعرت براحة يدك تلامس خدي برفق وأنت تقول:‏



    -تبدين حزينة.‏



    -لا شيء.. أنا شاردة الذهن قليلاً.‏



    -لا.. هناك غلالة من الحزن على وجهك.. عيناك حزينتان.. وأنا أعرف لماذا!!‏



    نظرت إليك بدهشة وبقيت صامتة..‏



    (أيها الماكر.. إنك تنفذ إلى أعماقي وتقرأ ما بداخلي..‏



    تعرّيني وتواجهني بالحقيقة.. هكذا.. بكل جرأة.. بجرأة تصل ربما حد الوقاحة، وأنا إن تفوهت فإني أخدع نفسي فقط!)‏



    -حقاً؟!.. أتعرف لماذا أنا حزينة؟‏



    كانت ليلى قد استلقت على المقعد الخلفي لتغفو قليلاً؛ فاستدرت إليها، وجذبت سترتك أغطيها بها..‏



    وعدت تكرر:‏



    There is no affection‏



    أين هو؟!‏



    وبسرعة، أمسكت يدي تشد عليها، وأنت تقول:‏



    -... إنه هنا... بيني وبينك.. إنه هذه الكيمياء العجيبة التي لا يمكن تفسيرها أبداً.. هذا التفاعل الذي يحدث بين اثنين.. يحدث فجأة وبعفوية دون أن نعرف كيف ولماذا!.‏



    -...‏



    ارتحت للمساتك، ولم أمانع، بل تركت يدي ترتاح في يدك.‏



    تأكدت عندئذ أن شيئاً خطيراً قد حدث لي.‏



    شعرت بالحرارة، ثم بالعرق يتصبب مني.. يتصبب من مسامات جسدي كلها!‏



    تمنيت لو أن الطريق يمتد إلى ما لا نهاية.. تمنيت أن لا تترك يدي تفلت أبداً من يدك..‏



    كانت فيروز تشدو.. تذوب رومانسية، وتذيبني معها..‏



    ونسيت من أنا، ومن أنت.. نسيت ابنتي..‏



    نسيت كل شيء، ولم يعد يهمني إلا أني بقربك في هذه اللحظات بالذات.‏



    -أنت لست جميلة يا كارمن!...‏



    (يا للإطراء...) بقيت صامتة انتظر أن تكمل جملتك:‏



    -... لكن فيك شيء غريب.. في وجهك شيء آسر يجذبني إليك.. طبعاً، لا بد أنك سمعت ذلك من غيري.‏



    -بالفعل..‏



    وتذكرته..‏



    مازن.. ذلك الطيار الشاب الذي كان يلاحقني بالسيارة على طريق الجامعة..‏



    تقدم مني مرة بجرأة وعفوية، وعرّفني على نفسه، ثم دعاني لتناول فنجاناً من القهوة، وعندما رفضت بلطف وأنا أبتسم لخفة دمه تبعني إلى مكتبة الجامعة، وظل جالساً بقربي وأنا أرجوه أن ينصرف كي لا يزعج الآخرين، ولكي أتمكن من المطالعة؛ لكنه أصر على البقاء حتى أذعنت لرغبته وتناولنا القهوة معاً في مقصف الجامعة..‏



    تعرّفت على أهله، وتعرّف على أهلي.. كنت أجلب له من البلدان المختلفة هدايا صغيرة لطيفة، وكنا نلتقي بعفوية عندما يشعر أحدنا بالسأم فنشرب شيئاً ما ونحن نضحك ونتحدث، ثم نفترق دون وعود..‏



    قال لي مرة أنه لم يتعرّف أبداً على فتاة مرحة وصادقة وعفوية مثلي، معترفاً أنه تعرّف على فتيات كثيرات، وكن بالطبع أجمل مني؛ لكنهن كن يفتقدن إلى جاذبيتي.. إلى هذا الشيء "الآسر" في وجهي!‏



    عندما عدت من زيارة بيتر، وقد اتفقت معه على الزواج، كان مازن ينتظرني في المطار..‏



    نظر إلي بحزن، وقال:‏



    -ستتزوجينه إذن.‏



    -أجل‏



    -أتمنى لك التوفيق، وأرجو أن لا تبخلي علينا برؤيتك.‏



    تمنيت في تلك اللحظة لو أنه قال لي شيئاً آخر..‏



    لو أنه صرخ في وجهي وفاجأني بقوله:‏



    -كارمن.. أنا أحبك!‏



    لكنه لم يفعل، ولم أعرف لماذا تمنيت أنا ذلك؛ فليس بيننا وعود.. مجرد صداقة.‏



    أيقظتني من خواطري وأنت تقول:‏



    -أنت لم تمريّ عليّ مرور الكرام.. أقسم لك يا كارمن..‏



    حدثيني عن نفسك.. انفتحي لي!.. ماذا تفعلين في الأمسيات مثلاً؟‏



    -أقرأ وأكتب وأصنع أشياء جميلة داخل البيت، وأرسم في بعض الأحيان؛ فالرسم يتطلب وقتاً ومكاناً لا يمكن توفرهما غالباً إلا في الصيف عندما تكون ليلى في إجازتها المدرسية، ولا حاجة لتدريسها... عندئذ يمكنني أيضاً أن أسافر وأكتب تحقيقاتي الصحفية.. أما التلفاز؛ فأنا لا أشاهده إلا نادراً.‏



    -وأنا أيضاً.‏



    وتبسطت في الحديث معك، وأخبرتك أشياء وأشياء، وأخبرتني مثلها..‏



    جذبت يدي فجأة إلى صدرك.. إلى قلبك وأنت تقول:‏





    -أنا أحبك يا كارمن.. أحبك، فهل تحبينني؟!‏



    -ربما أحبك.. ربما!‏



    لم أدر كيف قبَّلتك بسرعة وأنا أقول:‏



    -أنت شيطان!‏



    -أنا؟!.. أنا إنسان مسكين..‏



    انظري إلى هذه الأشجار تتراقص ظلالها في العتمة، وإلى هذا البدر الرائع يتلألئ في السماء، وينير لنا الطريق.. يا لها من أمسية ربيعية رائعة.. تعالي نجن معاً؛ فنحن لا نؤذي أحداً!.‏



    -لا.. بل نؤذي أحداً بالتأكيد.. أرجوك كن عاقلاً ولا تفقدني صوابي!‏



    لاحت مشارف المدينة من بعيد، وأتاني صوت ليلى وقد استيقظت للتو تسأل:‏



    -هل وصلنا؟‏



    أوصلتنا للبيت، ودعوتك من باب المجاملة للدخول وتناول القهوة، وأنا أتمنى ألا تفعل..‏



    ولم تفعل؛ بل صافحتني مودّعاً.‏



    فتح لي بيتر الباب وسألني عنك؛ فقد كان يتوقع أن أدعوك- حسب الأصول- لتناول القهوة.‏



    قلت لـه أنك اعتذرت لأنك متعب، وتشاغلت بمساعدة ليلى للذهاب إلى الفراش كي تهدأ نفسي قليلاً، ولا يلاحظ بيتر مدى اضطرابي..‏



    جلست في الغرفة أمام التلفاز مرهقة ساهمة.. أستعيد في بالي تفاصيل مشوارنا.. سألني بيتر:‏



    -هل ترغبين بشرب الشاي؟‏



    -نعم.. شكراً لك.‏





    وذهب بيتر إلى المطبخ ليعد الشاي، وتركني لشرودي ومشاعري المضطربة..‏



    ****‏



    كان شخير بيتر يرتفع فأربت على ساعده برفق كي يستدير إلى الجانب الآخر..‏



    لقد استسلم للنوم بعد أن مسّدت له رأسه كالعادة، أما أنا.. فكيف أجد للنوم سبيلاً؟‏



    عيناي تحدق في الظلمة.. أفكر بك وأتساءل:‏



    أينبغي للمرء أن يكون متطلباً هكذا؟..‏



    أنانياً هكذا؟..‏



    أليست الحياة أولويات؟‏



    شعرت بالرغبة أن أوقظك أيها الشرقي العابث من أحلامك الوردية وأحرمك من النوم الذي حرمتني منه؛ ولكني أشفقت عليك، وانتظرت ساعات حتى أتصل.‏



    كنت بحاجة للتحدث إليك.. بحاجة لأن أضع النقاط على الحروف، وأبرر حماقة لم أرتكبها من قبل..‏



    جاءني صوتك عبر الهاتف يغالبه النعاس.‏



    (ماذا كنت أتوقع بحق السماء؟.. أن تساهر النجوم من أجلي؟!..‏



    أقسمت لي أن لقائك بي لم يكن لقاءاً عابراً، وأنا أخشى أن يكون ضوء القمر مجرد سراب تلألئ في عينيك ذات مساء ثم.. اختفى!)‏



    ***‏



    اتصلت بك ذات مساء:‏



    -مساء الخير.. كيف حالك؟‏



    -آ.. أهلاً بك كارمن.. كيف حالك؟‏



    -بخير..‏



    -ذاك المساء كان كالحلم.‏



    -دعه يظل كذلك.‏



    -ليتك ترافقيني كل مرة في ترحالي ما بين دمشق واللاذقية.‏



    -غير ممكن، فإن لي التزاماتي.. أريد أن أتحدث إليك في أمر هام.‏



    أدركت بسرعة ما الذي أود التحدث إليك بشأنه؛ فأجبتني:‏



    -أراك إذن في العيادة بعد أيام.‏



    -إلى اللقاء إذن.‏



    -إلى اللقاء يا حبيبتي.‏




    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 6 - 5 - 2010 الساعة 05:24 PM

  5. #15
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ماذا تقــرأ هذا الأسبوع؟

    اتفقنا أن أزورك في العيادة الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً.‏

    كنت أشعر بالذنب...‏

    أردت أن أوضح لك الأمور، وأقول إن ما حدث لم يكن سوى نزوة عابرة.‏

    كنت أسرع الخطى قاصدة عيادتك عندما بدأ المطر ينهمر بغزارة؛ فأسرعت إلى أحد المتاجر لأشتري مظلة.. أردت أن أتصل بك لتعلم أني في طريقي إليك، ولكني نسيت رقم الهاتف وأعطتني عاملة الاستعلامات رقماً لم يكن رقمك!.‏

    عندما وصلت العيادة كان الباب مغلقاً، وعدت إلى المنزل حانقة.‏

    في المساء حزم بيتر حقيبة السفر وودعنا وسافر كالعادة..‏

    سافر إلى بلاده لمتابعة عمله هناك.‏

    ذهبت في اليوم التالي لأشتري بطاقة سفر إلى دمشق لأزور أمي بمناسبة عيد الأم.‏

    ألقيت نظرة إلى الساعة في معصمي لأراها تشير إلى الحادية عشر.‏

    إنه موعد قدومك إلى العيادة..‏

    فكرت أن أزورك سريعاً وأعاتبك بشأن البارحة.‏

    وفجأة.. التقيتك في الشارع، عند مدخل المبنى، وقد ترجلت لتوك من السيارة..‏

    وقفنا نتحدث تحت المطر:‏

    -لقد انتظرتك ولم تحضري... I missyou

    -ولكني حضرت، وكانت العيادة مغلقة مع أني لم أتأخر سوى خمس دقائق عن الثانية عشر والنصف.. ألم يكن بوسعك انتظاري بضع دقائق إضافية؟‏

    -كنت في هذا الوقت أجري عملية جراحية.. لقد انتظرتك حتى الساعة الثانية عشر إلا ربعاً.. ظننت أن موعدنا كان الساعة الحادية عشر والنصف!.‏

    -لا بأس.. لقد أردت لقاءك لأقول لك أن علينا أن ننسى ما حدث.. إنها مجرد غلطة لا ينبغي أن تتكرر.‏

    - كيف تقولين ذلك؟.. نحن لسنا أطفالاً.. إلى أين أنت ذاهبة الآن؟‏

    -ذاهبة لأشتري بطاقة سفر؛ فغداً عيد الأم وعلي أن أزور أمي.‏

    -لماذا لا ترافقينني على الطريق؟.. أنا ذاهب غداً الساعة الثالثة بعد الظهر، وليس في الصباح الباكر كعادتي.‏

    -حسناً.. علي أن أتدبر أولاً أمر ليلى، ثم أتصل بك هاتفياً.‏

    -ولم لا تتركيها عند والدها؟‏

    -لقد سافر البارحة.‏

    -انتظر مكالمتك غداً.. سأكون عند والدتي.. ها هو رقم الهاتف..‏

    لقد أكلت الكاتو مع أمي ودعونا لك.. كان لذيذاً.. ليتك تأتين إلى القرية غداً!.‏

    -لا أستطيع.. سأتصل بك لنتفق على مكان اللقاء.‏

    -أتعلمين؟!.. من حسن الحظ أني لم ألقاك البارحة في العيادة.. سأحظى برفقتك غداً، وهذا أفضل.. إلى اللقاء إذن.‏

    -إلى اللقاء.‏

    ****‏

    اليوم يوم عطلة..‏

    تركت ليلى في رعاية أم فادي؛ فهي لم تبد على أي حال حماساً للسفر معي، وهرعت إلى سيارة الأجرة.. ما إن ترجلت منها في المكان المتفق عليه حتى سمعت السائق يناديني؛ فقد نسيت من لهفتي بلقائك الحقيبة في السيارة!.‏

    وقفت أنتظرك، وأنا أتخوف من أن تنسى الموعد وتنساني..‏

    كان الجو ما زال مشبعاً بالرطوبة، والنسمة باردة..‏

    الأرض مبتلة، والسماء ما زالت ملبّدة بالغيوم تبشّر بالمزيد من الأمطار.‏

    لم يطل انتظاري؛ فقد لمحت سيارتك قادمة من بعيد..‏

    كان يجلس بجوارك رجل سرعان ما ترجل من السيارة وجلس في المقعد الخلفي ليترك لي مكانه..‏

    ابتسمت لي محيياً، وفتحت باب السيارة الخلفي لتضع حقيبتي فيها..‏

    عند أحد المنعطفات ترجّل الرجل وودعك شاكراً.‏

    (الحمد لله.. كنت أخشى أن يرافقنا طوال الطريق!).‏

    وانطلقت السيارة بنا..‏

    أنا وأنت.. لوحدنا.‏

    شعرت بيدك تداعب وجنتي وأنت تسألني:‏

    -كيف حالك؟‏

    -بخير..‏

    (وصمتّ.. لم أعد أرغب أن أطلب منك نسيان شيء لا أرغب أنا بنسيانه!).‏

    -لا أعرف إلى أين أهرب بك يا كارمن.. كل العيون ترصدنا؛ فأين يهرب المرء بحبيبته في هذا البلد اللعين؟!‏

    بقيت صامتة أبتسم لك.. فرحة بملامساتك الرقيقة.‏

    ثم قلت لك:‏

    -أتعرف؟.. لقد أوحيت لي بخاطرة كتبتها وجلبتها لك لتقرأها.‏

    -اقرئيها لي.‏

    -سأنفعل وأنا أقرأها.. اقرأها أنت.‏

    -لا.. اقرئيها لي، فأنا أحتاج لنظارات من أجل ذلك.‏

    -ها هي النظارات.. ضعها على عينيك واقرأ.‏

    -يا لك من عنيدة.. هيا اقرئيها لي!‏

    -نعم أنا عنيدة؛ ولكن لا بأس.. سأقرأها لك إن كنت مصراً على ذلك.‏

    وقرأتها وأنا في غاية الانفعال.. صوتي مضطرب، والعرق يتصبب مني.. من جديد!‏

    كنت تسمع وتبتسم وتلامسني بلطف.‏

    غريب ولذيذ هذا الشعور بالأمان الذي يمنحني إياه الجلوس بقربك.. شعور لم أختبره من قبل، ولا أريد أن أفتقده.‏

    كانت الشمس تغمر الأشجار على جانبي الطريق بأشعة الذهب، وقلبي تغمره مشاعر شتى.‏

    كان يخفق بشدة، وكأنه يريد أن يخرج من صدري!.‏

    مراهقة عدت أنا من جديد..‏

    مراهقة كانت تجلس تحت شجيرة الياسمين لترسم وتكتب شعراً وتحلم..‏

    كان يوم الغسيل هو أسعد أيامي!.‏

    كنت أهرع إلى أمي أعرض عليها مساعدتي، وكانت أمي تتجاهل الأمر، وكأنها لا تعرف.‏

    تتركني أصعد إلى السطح لأنشر الغسيل وأرى جاري الممشوق القامة يبتسم لي ويرشقني بزهرة فل ثّبتها بملقط الغسيل كي تصل السطح بسلام وترتمي عند قدمي؛ فالتقطها فرحة واحتفظ بها بين صفحات كتابي.‏

    كان قلبي يخفق بشدة كلما رأيته، وكأنه سيخرج من صدري، وكنت يومها في السابعة عشر..‏

    فما بالي اليوم تنتابني نفس المشاعر وقد بلغت الأربعين؟!!.‏

    غربت الشمس وراء الأفق، واصطبغت السماء بلون أرجواني، ولاحت من بعيد سلسلة الجبال، وقد كستها طبقة رقيقة من الثلج، تلمع بلون فضي يعكسه بعض من ضوء النهار المتبقي قبل أن يحل الظلام.‏

    كان الجو بارداً في الخارج، وقد دخلنا مدينة النبك.‏

    قلت لي أننا سنتوقف هنا لنزور سريعاً أحد معارفك.‏

    استقبلنا الرجل وابنته الجامعية بالترحاب، ودخلنا غرفة الضيوف وأنا أرتجف من البرد -وربما من الانفعال- في سترتي الصوفية الرقيقة، فخلعت سترتك ووضعتها على كتفي..‏

    شعرت بالدفء وغمرتني السكينة، وأنا أجلس بقربك..‏

    سترتك تلفني فأشتم منها بعضاً من رائحتك، وأتلذذ بالاستماع إليك وأنت تحاور صديقك.‏

    كان الظلام قد أرخى سدوله، ونحن نتابع طريقنا.. قلت لي:‏

    -خسارة.. لقد أوشكنا على الوصول وأنا لم أقبّلك بعد!‏

    -لا بأس.. نؤجلها للمرة القادمة.. لقد تأخر الوقت ومنزل أمي ما زال بعيداً.‏

    -وهل أنا حافلة نقل عام؟!‏



    (فاجأتني عبارتك.. بل صدمتني.. ماذا كنت تقصد بقولك هذا؟!).‏

    نظرت إليك باستغراب:‏

    -طبعاً لا.. أنا آسفة.‏

    والتزمت أنا بالصمت، وأنت تقود سيارتك حتى العيادة.‏

    ترجلنا من السيارة وأنت تسرع في مشيتك.. تسبقني في السير..‏

    تصعد الدرج وتفتح الباب، وأنا أتبعك صامتة وحقيبتي في يدي، وأنا أشعر أني لست أنا..‏

    أحاور نفسي وأضع اللوم عليها.. كل اللوم:‏

    "ماذا كنت تظنين إذن يا مجنونة؟!.. أنت وافقت على اللعبة، وعليك إتمامها".‏

    أغلقت الباب دوننا، ثم احتضنتني بسرعة.‏

    كنت مستعجلاً..‏

    احتويتني بذراعيك القويتين، وغمرتني بقبلات محمومة.‏

    عندما استعدت وعيي كنت تحضر لي فنجاناً من القهوة.. تساءلت:‏

    -لمَ القهوة؟.. أنا لست من محبيها.‏

    -كي تصحي!‏

    -أنا صاحية من دون قهوة.. و..‏

    قطع رنين الهاتف كلامي؛ فأردفت ساخرة:‏

    -ألا تريد أن ترد على الهاتف؟.. هناك من يطلبك، وأنت مستعجل على أي حال.‏

    كنت مدعواً للعشاء في إحدى السفارات، وتركتني أرتشف القهوة المرة وحدي، ودخلت إلى تلك الغرفة الداخلية ترتدي على عجل ثياباً أخرى تليق بالحفل!.‏



    فتحت لي الباب بعد أن تأكدت من خلو الدرج من الجيران، وودعتني عنده:‏

    Call me tomorrow!‏

    -ربما.‏

    وأسرعت أهبط الدرج.‏

    طلبت سيارة أجرة لتقلني إلى حيث تقطن أمي، وتركت لدموعي أن تنساب في عتمة الطريق على خدّي دون حرج.‏ ‏‏‏‏‏



المواضيع المتشابهه

  1. ماذا يرى الديك و ماذا يرى الحمار ؟
    بواسطة المتميزة في المنتدى مجلس الدين والحياة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 28 - 12 - 2009, 09:03 PM
  2. ماذا فعل الشاب بالخادمة و ماذا فعلت به؟؟
    بواسطة عيون راك في المنتدى المجلس المنوع
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 20 - 5 - 2009, 12:55 AM
  3. الام ماذا تقول لبنتها والاب ماذا يقول لولده
    بواسطة أبو عبادي في المنتدى مجلس الحوار والمناقشة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 1 - 5 - 2009, 03:23 PM
  4. معاني ايام الأسبوع
    بواسطة الامبراطور الرمساوي في المنتدى المجلس المنوع
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 26 - 3 - 2009, 12:37 AM
  5. أنظر ماذا أحبوا وأنت ماذا تحب
    بواسطة ماء الورد في المنتدى مجلس الدين والحياة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 22 - 2 - 2008, 10:28 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •