اتفقنا أن أزورك في العيادة الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً.
كنت أشعر بالذنب...
أردت أن أوضح لك الأمور، وأقول إن ما حدث لم يكن سوى نزوة عابرة.
كنت أسرع الخطى قاصدة عيادتك عندما بدأ المطر ينهمر بغزارة؛ فأسرعت إلى أحد المتاجر لأشتري مظلة.. أردت أن أتصل بك لتعلم أني في طريقي إليك، ولكني نسيت رقم الهاتف وأعطتني عاملة الاستعلامات رقماً لم يكن رقمك!.
عندما وصلت العيادة كان الباب مغلقاً، وعدت إلى المنزل حانقة.
في المساء حزم بيتر حقيبة السفر وودعنا وسافر كالعادة..
سافر إلى بلاده لمتابعة عمله هناك.
ذهبت في اليوم التالي لأشتري بطاقة سفر إلى دمشق لأزور أمي بمناسبة عيد الأم.
ألقيت نظرة إلى الساعة في معصمي لأراها تشير إلى الحادية عشر.
إنه موعد قدومك إلى العيادة..
فكرت أن أزورك سريعاً وأعاتبك بشأن البارحة.
وفجأة.. التقيتك في الشارع، عند مدخل المبنى، وقد ترجلت لتوك من السيارة..
وقفنا نتحدث تحت المطر:
-لقد انتظرتك ولم تحضري... I missyou
-ولكني حضرت، وكانت العيادة مغلقة مع أني لم أتأخر سوى خمس دقائق عن الثانية عشر والنصف.. ألم يكن بوسعك انتظاري بضع دقائق إضافية؟
-كنت في هذا الوقت أجري عملية جراحية.. لقد انتظرتك حتى الساعة الثانية عشر إلا ربعاً.. ظننت أن موعدنا كان الساعة الحادية عشر والنصف!.
-لا بأس.. لقد أردت لقاءك لأقول لك أن علينا أن ننسى ما حدث.. إنها مجرد غلطة لا ينبغي أن تتكرر.
- كيف تقولين ذلك؟.. نحن لسنا أطفالاً.. إلى أين أنت ذاهبة الآن؟
-ذاهبة لأشتري بطاقة سفر؛ فغداً عيد الأم وعلي أن أزور أمي.
-لماذا لا ترافقينني على الطريق؟.. أنا ذاهب غداً الساعة الثالثة بعد الظهر، وليس في الصباح الباكر كعادتي.
-حسناً.. علي أن أتدبر أولاً أمر ليلى، ثم أتصل بك هاتفياً.
-ولم لا تتركيها عند والدها؟
-لقد سافر البارحة.
-انتظر مكالمتك غداً.. سأكون عند والدتي.. ها هو رقم الهاتف..
لقد أكلت الكاتو مع أمي ودعونا لك.. كان لذيذاً.. ليتك تأتين إلى القرية غداً!.
-لا أستطيع.. سأتصل بك لنتفق على مكان اللقاء.
-أتعلمين؟!.. من حسن الحظ أني لم ألقاك البارحة في العيادة.. سأحظى برفقتك غداً، وهذا أفضل.. إلى اللقاء إذن.
-إلى اللقاء.
****
اليوم يوم عطلة..
تركت ليلى في رعاية أم فادي؛ فهي لم تبد على أي حال حماساً للسفر معي، وهرعت إلى سيارة الأجرة.. ما إن ترجلت منها في المكان المتفق عليه حتى سمعت السائق يناديني؛ فقد نسيت من لهفتي بلقائك الحقيبة في السيارة!.
وقفت أنتظرك، وأنا أتخوف من أن تنسى الموعد وتنساني..
كان الجو ما زال مشبعاً بالرطوبة، والنسمة باردة..
الأرض مبتلة، والسماء ما زالت ملبّدة بالغيوم تبشّر بالمزيد من الأمطار.
لم يطل انتظاري؛ فقد لمحت سيارتك قادمة من بعيد..
كان يجلس بجوارك رجل سرعان ما ترجل من السيارة وجلس في المقعد الخلفي ليترك لي مكانه..
ابتسمت لي محيياً، وفتحت باب السيارة الخلفي لتضع حقيبتي فيها..
عند أحد المنعطفات ترجّل الرجل وودعك شاكراً.
(الحمد لله.. كنت أخشى أن يرافقنا طوال الطريق!).
وانطلقت السيارة بنا..
أنا وأنت.. لوحدنا.
شعرت بيدك تداعب وجنتي وأنت تسألني:
-كيف حالك؟
-بخير..
(وصمتّ.. لم أعد أرغب أن أطلب منك نسيان شيء لا أرغب أنا بنسيانه!).
-لا أعرف إلى أين أهرب بك يا كارمن.. كل العيون ترصدنا؛ فأين يهرب المرء بحبيبته في هذا البلد اللعين؟!
بقيت صامتة أبتسم لك.. فرحة بملامساتك الرقيقة.
ثم قلت لك:
-أتعرف؟.. لقد أوحيت لي بخاطرة كتبتها وجلبتها لك لتقرأها.
-اقرئيها لي.
-سأنفعل وأنا أقرأها.. اقرأها أنت.
-لا.. اقرئيها لي، فأنا أحتاج لنظارات من أجل ذلك.
-ها هي النظارات.. ضعها على عينيك واقرأ.
-يا لك من عنيدة.. هيا اقرئيها لي!
-نعم أنا عنيدة؛ ولكن لا بأس.. سأقرأها لك إن كنت مصراً على ذلك.
وقرأتها وأنا في غاية الانفعال.. صوتي مضطرب، والعرق يتصبب مني.. من جديد!
كنت تسمع وتبتسم وتلامسني بلطف.
غريب ولذيذ هذا الشعور بالأمان الذي يمنحني إياه الجلوس بقربك.. شعور لم أختبره من قبل، ولا أريد أن أفتقده.
كانت الشمس تغمر الأشجار على جانبي الطريق بأشعة الذهب، وقلبي تغمره مشاعر شتى.
كان يخفق بشدة، وكأنه يريد أن يخرج من صدري!.
مراهقة عدت أنا من جديد..
مراهقة كانت تجلس تحت شجيرة الياسمين لترسم وتكتب شعراً وتحلم..
كان يوم الغسيل هو أسعد أيامي!.
كنت أهرع إلى أمي أعرض عليها مساعدتي، وكانت أمي تتجاهل الأمر، وكأنها لا تعرف.
تتركني أصعد إلى السطح لأنشر الغسيل وأرى جاري الممشوق القامة يبتسم لي ويرشقني بزهرة فل ثّبتها بملقط الغسيل كي تصل السطح بسلام وترتمي عند قدمي؛ فالتقطها فرحة واحتفظ بها بين صفحات كتابي.
كان قلبي يخفق بشدة كلما رأيته، وكأنه سيخرج من صدري، وكنت يومها في السابعة عشر..
فما بالي اليوم تنتابني نفس المشاعر وقد بلغت الأربعين؟!!.
غربت الشمس وراء الأفق، واصطبغت السماء بلون أرجواني، ولاحت من بعيد سلسلة الجبال، وقد كستها طبقة رقيقة من الثلج، تلمع بلون فضي يعكسه بعض من ضوء النهار المتبقي قبل أن يحل الظلام.
كان الجو بارداً في الخارج، وقد دخلنا مدينة النبك.
قلت لي أننا سنتوقف هنا لنزور سريعاً أحد معارفك.
استقبلنا الرجل وابنته الجامعية بالترحاب، ودخلنا غرفة الضيوف وأنا أرتجف من البرد -وربما من الانفعال- في سترتي الصوفية الرقيقة، فخلعت سترتك ووضعتها على كتفي..
شعرت بالدفء وغمرتني السكينة، وأنا أجلس بقربك..
سترتك تلفني فأشتم منها بعضاً من رائحتك، وأتلذذ بالاستماع إليك وأنت تحاور صديقك.
كان الظلام قد أرخى سدوله، ونحن نتابع طريقنا.. قلت لي:
-خسارة.. لقد أوشكنا على الوصول وأنا لم أقبّلك بعد!
-لا بأس.. نؤجلها للمرة القادمة.. لقد تأخر الوقت ومنزل أمي ما زال بعيداً.
-وهل أنا حافلة نقل عام؟!
(فاجأتني عبارتك.. بل صدمتني.. ماذا كنت تقصد بقولك هذا؟!).
نظرت إليك باستغراب:
-طبعاً لا.. أنا آسفة.
والتزمت أنا بالصمت، وأنت تقود سيارتك حتى العيادة.
ترجلنا من السيارة وأنت تسرع في مشيتك.. تسبقني في السير..
تصعد الدرج وتفتح الباب، وأنا أتبعك صامتة وحقيبتي في يدي، وأنا أشعر أني لست أنا..
أحاور نفسي وأضع اللوم عليها.. كل اللوم:
"ماذا كنت تظنين إذن يا مجنونة؟!.. أنت وافقت على اللعبة، وعليك إتمامها".
أغلقت الباب دوننا، ثم احتضنتني بسرعة.
كنت مستعجلاً..
احتويتني بذراعيك القويتين، وغمرتني بقبلات محمومة.
عندما استعدت وعيي كنت تحضر لي فنجاناً من القهوة.. تساءلت:
-لمَ القهوة؟.. أنا لست من محبيها.
-كي تصحي!
-أنا صاحية من دون قهوة.. و..
قطع رنين الهاتف كلامي؛ فأردفت ساخرة:
-ألا تريد أن ترد على الهاتف؟.. هناك من يطلبك، وأنت مستعجل على أي حال.
كنت مدعواً للعشاء في إحدى السفارات، وتركتني أرتشف القهوة المرة وحدي، ودخلت إلى تلك الغرفة الداخلية ترتدي على عجل ثياباً أخرى تليق بالحفل!.
فتحت لي الباب بعد أن تأكدت من خلو الدرج من الجيران، وودعتني عنده:
Call me tomorrow!
-ربما.
وأسرعت أهبط الدرج.
طلبت سيارة أجرة لتقلني إلى حيث تقطن أمي، وتركت لدموعي أن تنساب في عتمة الطريق على خدّي دون حرج.





رد مع اقتباس