أرغفـة الصبـاح
"يوجعني أن أسمع الأنباء في الصباح... يوجعني أن أسمع النباح".
قهوة الصباح تجتاحها المرارة، ورذاذ الدم ينثر عليها بأنباء الصباح الأليمة، التي زرعت في بيروت مرارة الألم، ونهشت من لبنان ترابه العبق. موجعة هذه الصور التي تخرج من لبنان كذكرى لحروب مضت ومجازر لم تنسَ إلى اللحظة. تتقد ذكرى قانا الأليمة وصبرا وشاتيلا الأشد ألماً ووجعاً، وكل ركن وشبر وشارع من لبنان يستيقظ على هذه الذكرى، تذكره أصوات المدافع، تذكره الأدخنة المتصاعدة، ومشاهد الدم المستباح، والجثث الحمراء، المكومة منها والمتفحمة... كم هو مؤلم أن تعيش حاضراً بذكرى مؤلمة، وأن تختلط أوجاعنا في الصباح، لنسمع الصراخ والنباح من أرض لبنان الغالي، ونشاهد الزجاج المهشم على أرصفة لبنان الحبيب.
"ما دخلَ اليهود من حدودنا... وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا".
نريد أن نقف صفاً واحداً نجابه الأعداء، نوقف توغلهم وتهورهم، لنسترجع حدود وطننا، ونوقف الجروح النازفة... نريد موقفاً واحداً صلباً تتساقط عليه كافة الأوراق والوثائق والقرارات الجامدة التي لا حراك لها ولا حول ولا قوة. نريد موقفاً يهز العدو ويرجعه إلى أدراجه، لأننا بتكاتفنا وتضامننا سنسترجع أمجادنا وبطولاتنا ونتوّج بالنصر لا بالهزيمة. نريد شعوباً ثائرةً تصرخ وتتظاهر وتطالب، ولا نريد إدانةً شفويةً جامدةً.
لننهض ونستفيق من هذا السبات! ولنجدد عروبتنا ونخوتنا! لأننا بمواقفنا المتغايرة نكون قد جزأنا وحدتنا وفتحنا ثغرات للأعداء يتسللوا منها إلينا.
"لو أننا لم ندفن الوحدة في التراب... لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب... لو بقيت في داخل العيون والأهداب... لما استباحت لحمنا الكلاب".
لو أننا بقينا على يد واحدة لما استبيح الجنوب والبقاع، ولما أُغير على مصيف صوفر، وظهر البيدر، وشتورة، وجسر النملية، وجسر المديرج القديم، وجسر المديرج الجديد، وجسر صفير، وجسر المطار القديم، وجسر الغبيري، وبلدة الجية، وصيدا...
"قد صنعناه بالدم الحر، خضناه نضالاً، ولم نخضه كلاماً".
تلك الحروب التي عصفت وصعقت بلبنان، واجهناها بالصمود، وبدمائنا العطشى للحرب في سبيل عزة هذا الوطن. خضنا ويلات الحروب، ونلنا لوعة الفراق، والرحيل لأهلنا وأحبابنا نساءً وأطفالاً وشيوخاً وشباباً.
لم ترحمهم هذه الحرب الضروس، والتي كان شعارها: القضاء على كل كائن حي أياً كان. فناضلنا وصبرنا، واستشهد البعض، وكُتب على البعض الآخر أن يعيش بذكريات الحرب الأليمة المُرة التي وصلت مرارتها إلى حناجرنا المخنوقة. صنعنا مجد هذا الوطن بدمائنا وأرواحنا ونضالنا، ولم نصنعه بكلمات ومناشدات ومؤازرات شفوية طفح الكيل من سماعها وتكرارها.
"أيامه، حياته، كفاح، تاريخه، عالمه... كفاح ينثره كي يولد الربيع والصباح".
ستظل أيامنا هي أيامنا التي غمّسنا بها أرغفة الصباح بالدم المستباح في كل شارع ومنزل. ستظل حياتنا متوجة بكلمات الثورة والغضب، وسيسطر التاريخ أمجاد شعبنا المكافح المناضل الصامد الذي تحدى ويتحدى كل عدو لئيم يريد أن يسلب طعم الحرية والوطن من أنفاسنا الملتهبة التي تواجه من أجل الحرية والربيع الدائم والصباح اللبناني الجميل الذي نعشقه بحريته وبنسماته الهادئة.
فلتشرق تلك الصباحات الرائعة، وتغرب شمس الحروب التي ألهبت لبنان وأفحمتها! فسلام إليك يا لبنان الحرية والأمل والعز والنضال والصمود... سلام إلى لبنان.
* نشرت في الأزمنــة العربيــة





رد مع اقتباس