صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 30

الموضوع: كتابات رذاذ عبدالله

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    كتابات رذاذ عبدالله

     

    كتــــــــابـــــــات

    رذاذ عبـــــــدالله






    هنا أنثر لكمــ حروفي من مداد محبرتي،،
    أسرد لكم من كتاباتي القصصية،،
    وأنثر لكم من حروف النثر والخاطــرة،،
    وأسطر لكم المقالات الادبية والاجتماعية،،



    أتمنى لكم رحلة شيقة في مداد محبرة


    رذاذ عبـــدالله



  2. #2
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    أرغفـة الصبـاح



    "يوجعني أن أسمع الأنباء في الصباح... يوجعني أن أسمع النباح".

    قهوة الصباح تجتاحها المرارة، ورذاذ الدم ينثر عليها بأنباء الصباح الأليمة، التي زرعت في بيروت مرارة الألم، ونهشت من لبنان ترابه العبق. موجعة هذه الصور التي تخرج من لبنان كذكرى لحروب مضت ومجازر لم تنسَ إلى اللحظة. تتقد ذكرى قانا الأليمة وصبرا وشاتيلا الأشد ألماً ووجعاً، وكل ركن وشبر وشارع من لبنان يستيقظ على هذه الذكرى، تذكره أصوات المدافع، تذكره الأدخنة المتصاعدة، ومشاهد الدم المستباح، والجثث الحمراء، المكومة منها والمتفحمة... كم هو مؤلم أن تعيش حاضراً بذكرى مؤلمة، وأن تختلط أوجاعنا في الصباح، لنسمع الصراخ والنباح من أرض لبنان الغالي، ونشاهد الزجاج المهشم على أرصفة لبنان الحبيب.


    "ما دخلَ اليهود من حدودنا... وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا".

    نريد أن نقف صفاً واحداً نجابه الأعداء، نوقف توغلهم وتهورهم، لنسترجع حدود وطننا، ونوقف الجروح النازفة... نريد موقفاً واحداً صلباً تتساقط عليه كافة الأوراق والوثائق والقرارات الجامدة التي لا حراك لها ولا حول ولا قوة. نريد موقفاً يهز العدو ويرجعه إلى أدراجه، لأننا بتكاتفنا وتضامننا سنسترجع أمجادنا وبطولاتنا ونتوّج بالنصر لا بالهزيمة. نريد شعوباً ثائرةً تصرخ وتتظاهر وتطالب، ولا نريد إدانةً شفويةً جامدةً.


    لننهض ونستفيق من هذا السبات! ولنجدد عروبتنا ونخوتنا! لأننا بمواقفنا المتغايرة نكون قد جزأنا وحدتنا وفتحنا ثغرات للأعداء يتسللوا منها إلينا.


    "لو أننا لم ندفن الوحدة في التراب... لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب... لو بقيت في داخل العيون والأهداب... لما استباحت لحمنا الكلاب".


    لو أننا بقينا على يد واحدة لما استبيح الجنوب والبقاع، ولما أُغير على مصيف صوفر، وظهر البيدر، وشتورة، وجسر النملية، وجسر المديرج القديم، وجسر المديرج الجديد، وجسر صفير، وجسر المطار القديم، وجسر الغبيري، وبلدة الجية، وصيدا...


    "قد صنعناه بالدم الحر، خضناه نضالاً، ولم نخضه كلاماً".


    تلك الحروب التي عصفت وصعقت بلبنان، واجهناها بالصمود، وبدمائنا العطشى للحرب في سبيل عزة هذا الوطن. خضنا ويلات الحروب، ونلنا لوعة الفراق، والرحيل لأهلنا وأحبابنا نساءً وأطفالاً وشيوخاً وشباباً.

    لم ترحمهم هذه الحرب الضروس، والتي كان شعارها: القضاء على كل كائن حي أياً كان. فناضلنا وصبرنا، واستشهد البعض، وكُتب على البعض الآخر أن يعيش بذكريات الحرب الأليمة المُرة التي وصلت مرارتها إلى حناجرنا المخنوقة. صنعنا مجد هذا الوطن بدمائنا وأرواحنا ونضالنا، ولم نصنعه بكلمات ومناشدات ومؤازرات شفوية طفح الكيل من سماعها وتكرارها.


    "أيامه، حياته، كفاح، تاريخه، عالمه... كفاح ينثره كي يولد الربيع والصباح".


    ستظل أيامنا هي أيامنا التي غمّسنا بها أرغفة الصباح بالدم المستباح في كل شارع ومنزل. ستظل حياتنا متوجة بكلمات الثورة والغضب، وسيسطر التاريخ أمجاد شعبنا المكافح المناضل الصامد الذي تحدى ويتحدى كل عدو لئيم يريد أن يسلب طعم الحرية والوطن من أنفاسنا الملتهبة التي تواجه من أجل الحرية والربيع الدائم والصباح اللبناني الجميل الذي نعشقه بحريته وبنسماته الهادئة.


    فلتشرق تلك الصباحات الرائعة، وتغرب شمس الحروب التي ألهبت لبنان وأفحمتها! فسلام إليك يا لبنان الحرية والأمل والعز والنضال والصمود... سلام إلى لبنان.

    * نشرت في الأزمنــة العربيــة


    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 21 - 7 - 2010 الساعة 05:17 PM

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    حنيـــن إلـــى الشـــام




    [align=center]

    "بين سوريا وقلبي صلة باتت غراماً":

    تائهاً في الشوارع والمقاهي الصاخبة، محدقاً في حذائي الأشعث، ومبسطاً يداي على شعري الأجعد، متنهداً من الغربة التي تغتال حريتي، متمنياً العودة إلى وطني الشام، متذكراً أبيات قصيدة شهيرة لأبي فراس الحمداني:

    أراك عصي الدمع شيمتك الصبر... أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟

    بلى أنا مشتاق وعندي لوعة... ولكن مثلي لا يذاع له سر.

    بعد غربة سرقت الكثير من الأيام الجميلة في ظل الشام الحلوة، سئمتُ من المكان والناس، والشقة الضيقة، واللكنة الغريبة. اشتقتُ إليك يا شام الحبيبة! اشتقتُ إلى عطرك الياسميني وورودك الندية المرشحة بندى الصباح! اشتقتُ إلى صياح الديك كل فجر جديد، وإلى غرفتي التي لا زلت أتذكر تفاصيلها. اشتقتُ إلى كتبي الجامعية وأوراق بحوثي. اشتقتُ إلى صحبتي وزملائي.

    اشتقتُ إلى كتب نزار وقصائده التي تملأ غرفتي، وإلى صفحات جريدة الثورة السورية كل صباح، والملحق الثقافي الرائع التي تصدره الجريدة، وفنجان القهوة الصباحي، والزعتر واللبنة بالزيتون... وإلى بقايا تدمر الحضارية، وكل شبر غالٍ من شامي.



    "هنا الترابات من طيب ومن طرب، وأين في غير شام يطرب الحجر؟":


    اشتقتُ إليكِ يا شام! فضميني في ربوعك! ولا تشتتيني مرة أخرى! اشتقتُ إلى مسلسلات الظهيرة، من "نهاية رجل شجاع، والعبابيد، والجوارح، والكواسر، والخوالي، وليالي الصالحية، والزير سالم، وورود في تربة مالحة، وأبناء القهر، وأشواك ناعمة، وذكريات الزمن القادم... والعديد من إبداعات الفنانين السوريين التي خلدتْ في ذاكرتي المهاجرة.


    اشتقتُ إلى القدود الحلبية، والأغاني الشامية الرائعة التي لا تنسى، من صباح فخري، وجورج وسوف، وميادة الحناوي، وأصالة نصري، وإلياس كرم، ونور مهنا، وعلي الديك...


    "ويا هوى من دمشق لا يفارقني... سكناك في القلب سكنى اللون في العلم":


    رماد ذاكرتي يتّقد ويزيد لهيبه شوقاً ويستعر وجعاً لتلك الأيام الشامية الرائعة. حنيني يقودني إلى متاهات الأشجان والتوق العاصف، وإلى حبي الجارف لبلدي، وهواي لكل تفاصيل وطني من الأزقة، والبيوت الشامية المتراصة، والصباحات الشامية، ونساء الحارة وتجمعاتهن، والدكاكين، والحلاق، والمخبز... آه يا شام! أنا تائق من أخمص قدماي إلى رأسي لأحضن هواءك وأغرسه في أنفاسي.


    "يا شام عاد الصيف متئداً وعاد بي الجناح... صرخ الحنين إليك بي: اقلع! ونادتني الرياح":


    نافضاً أثوابي وملقيها في تلك الحقيبة السوداء العتيقة، وملقياً بذلك شوقي ونحيبي إلى دياري وإلى شامي الجميلة، عائداً ومرفرفاً كعصفور صغير تائه تتلقفه بلاده التي هجرها. أقدمي يا لحظة اللقاء! تقدمي! ما هي إلا ساعات وأكون في ترابك يا شام! بين أهلك وناسك... أقبلي يا حبيبتي! فالحنين سيتوقف، وجروح الشوق ستندمل قريباً، وسأعود لأقطف من ورود خمائلك ومن ياسمينك الأبيض البراق. سأعود إلى تلك الألفة الشامية. أقبلي يا شام! فأنا عاري الصدر، مشتاق لاحتضان نسمات هوائك العليل... فأقبلي يا شام!.


    * نشرت في الأزمنــة العربيــة

    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 21 - 7 - 2010 الساعة 05:21 PM

  4. #4
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    فــي مثــل هــذا اليــوم



    في مثل هذا اليوم دخلت تلك الجحافل الزيتونية المدججة بالأسلحة، حيث بيوتنا وترابنا وطيننا الذي "نغمسه" بيدينا ليدوسوه بأحذيتهم الجلدية العفنة، متجمهرين بخوذهم المعدنية وبدلاتهم العسكرية الرقطاء، وتلك الأسلحة المتدلية خلف الظهور، والحزام المتلألئ حول الخصر من الرصاص، يقتلون كل شيء حي، يقتلعون الأخضر واليابس، ويغرسون الأحمر الرطب من الجثث المضرجة بالدماء.


    في مثل هذا اليوم لا مكان ولا وجود، أقف بدون وطن أو ديموغرافية لأرضي السابقة، تائهاً ومشتتاً ومعلقاً من حبل أفكاري الذي يخنقني. كل شيء مقتلعٌ من جذوره. كل شيء عدم. أعدموا البيوت والشوارع والأشجار. أين منزلي؟ وأين رحم وطني الذي استؤصل بهذه السهولة؟ لقد تحول إلى مقبرة للشهداء الذين ضحوا بأرواحهم مقابل هذا التبر الغالي الذي لا تعوضه كنوز الدنيا... احتضنهم رحم وطنهم وكأنهم لم يولدوا بعد، بل سيولدون من جديد.


    في مثل هذا اليوم لا تقوى دموعي على الصمود، ترقرقت بلا حياء أمام هذه البيوت المهشمة والأغصان والجذور المحطمة، وبين هذا المزيج مزيج إنساني نبض بالمكان، فكان لنبض المكان زلزالٌ احتلاليّ قذرٌ عاث فساداً ودماراً، ونثر بذلك الرصاص المتلألئ جثثاً أكثر تلألؤاً بالدم، يحترمها المكان ويقدرها ويحتضنها إلى الأبد في تراب شهي.


    في مثل هذا اليوم كُتبت لي الوحدة في دفتر عمري الذي تتساقط أوراقه وتذبل، كُتب لي هذا المصير الموحش، لأنه في مثل ذلك اليوم سقط وطني شهيداً وأبي شهيداً وأمي شهيدةً وأخي شهيداً وأختي شهيدةً وجدي شهيداً وجدتي شهيدةً وعمي شهيداً وعمتي شهيدةً وخالي شهيداً وخالتي شهيدةً وجاري شهيداً وابن جاري شهيداً وابنة جاري شهيدةً وزوجة جاري شهيدةً، وكل من سكنوا ذلك المكان الذي كان في مثل هذا اليوم مكاناً، وأصبح في مثل هذا اليوم ركاماً.

    * نشرت في الأزمنة العربية
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 21 - 7 - 2010 الساعة 05:27 PM

  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    يوميــات نـــوّارة



    (15/8)

    خارجة من غرفتها الزهرية، بضفائرها السوداء الطويلة، تتجه "نوارة" إلى المطبخ لتعدّ لنفسها فطوراً يليق بجسدها الرشيق: قطعة من التوست الأسمر مدهونة بزبدة، ونصف كوب "نسكافيه"، وحبة فراولة واحدة. تأخذ فطورها المتواضع إلى غرفتها، وفيروز تشدو بصوتها الصباحي، ونوافذ الغرفة مفتوحة لتغيير هواء الغرفة.


    تنتهي من فطورها، لتبدل كاسيت فيروز بـBack Street Boys، حتى تمارس تمارينها الرياضية بنشاط.


    (16/8)

    تلملم أوراق بحوثها وكتبها الجامعية. تركض لترتدي عباءتها و"شيلتها". تستعمل عوداً معطّراً، وترش عباءتها بشكل عشوائي من عطر "لوليتا". تتحجب تاركةً خصلةً من شعرها تتدلى على جبينها الأبيض. تضع محدد الشفاه الزهري، و"الليب كلوز" الزهري. تحمل كتبها وملفاتها. تضع هاتفها بداخل حقيبة يدها الزرقاء. تُخرج نظارتها الشمسية لتضعها على عينيها اللتين تعلوهما ظلال الشدو الأزرق. تطفئ مصابيح الغرفة وتتجه إلى كلّيتها.


    (17/8)


    تضع أوراق بحوثها فوق طاولة الكمبيوتر. تشغّل الجهاز ثم تخرج لإحضار كوب عصير. تضعه أمامها. تفتح المستندات، ثم الموسيقى لتستمع إلى "عبد الكريم عبد القادر" في أغنية "لا خطاوينا". ثم تعود إلى سطح المكتب لتتصل بشبكة الإنترنت. تفتح بريدها الإلكتروني الخاص. لا جديد سوى الإعلانات.


    تتجه إلى المفضلة لتختار جريدة الشرق الأوسط. تقرأ مقالة الأستاذ "أنيس منصور"، وتكتب تعليقاً على مقالته. ثم تتجه إلى المنتدى الذي تشارك فيه لتضيف بعضاً من المواضيع الجديدة.


    ثم تقطع اتصالها بالإنترنت وتعود لأوراق بحوثها المكدسة بقرب الكمبيوتر.


    (18/8)


    لا يتوقف ذلك الفم الصغير عن الصراخ. أخت "نوارة" الصغرى (بنان)، ذات الثلاثة أشهر، تصرخ في الواحدة ليلاً. لا حليب يسكتها، ولا موسيقى هادئة. تريد أحداً أن يحملها بين ذراعيه ويطوف بها في أرجاء المنزل. تشد "نوارة" شعرها غضباً، لأن صوت أختها يملأ المنزل ضجةً. تشرب كوباً من الماء البارد، ثم تغسل وجهها ورأسها بالماء البارد أيضاً، وتمسحه بفوطتها البيضاء. تتجه إلى سريرها الهادئ لتغط في نوم عميق.

    * نشرت في الأزمنة العربية
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 21 - 7 - 2010 الساعة 05:27 PM

  6. #6
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    أعـــــزاز
    أعزاز على أعمارنا إلى الأبد...
    وغوالي من الروح في الجسد...
    رائعة تلك النظرة الذابلة...
    وتلك العينان الهادئتان...
    كبحيرة زرقاء صافية...
    أعزاز يا من تملكون مفاتيح قلبنا...
    وتسكنون جوف أعماق قلبنا...
    وتسلبون حريتنا بقيود من ورد معطر...
    وتزرعون أيام أعمارنا بعود مبخر...
    تدركون حجم المأساة...
    التي تحرق صميم قلوبنا بلوعة الحب...
    وترعش كفوفنا...
    وتغزو نفوسنا...
    بسهام الحب...
    أعزاز كحمام أبيض محلقٍ بحرية...
    يحمل رسائل الشوق والحنين...
    يرميها بين راحة يدينا كالسكين...
    لنقرأها بجمر الأنين...
    ارحمونا وارحموا لوعتنا الثائرة!...
    وأنجدوا ذلك القلب الصغير!...
    الذي جرّحته سهامكم الجائرة...
    وأسكنته بكلمة "أعزاز"...
    إلى الأبد...
    بين ضلوع ممزقة بحراب الحب...

  7. #7
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    ندخل باكين ونخرج مشتاقين



    رياض الأطفال:

    ندخل إليها بالبكاء حتى نتعود فراق أهلنا، ثم نعتاد على بيئة الروضة ونتعرف على معلماتنا وأصدقائنا في الفصل. نحب اللعب بالصلصال والرمل والماء، والتزحلق واللعب في الأرجوحة، و"الشخبطة" على الأوراق لعدم الإدراك. نتعلم تدريجياً، نتعلم الحروف الجديدة والأرقام وحفظ الآيات القرآنية القصيرة. نذهب إلى حصة التربية الرياضية، ونعشق الكرة والتمارين الصباحية. نحب حصة الموسيقى وصوت الموسيقى، ونحفظ الأناشيد، ونتدرب على النشيد الوطني.


    المرحلة الابتدائية:

    مرحلة التكوين والتشويق بالدراسة، مرحلة الأخذ المبكر والنهل من علوم الدين واللغة العربية والرياضيات. صغار نفقه ولا نفقه الأشياء أحياناً. أيامنا الدراسية ممتعة. نتعرف على أناس كثر من طالبات ومعلمات. نرى وجوهاً جديدة وشخصيات كثيرة. نشترك في رقصات الحفلات. نحب أكل "سندويك" الفلافل والعصير البارد والشيبس والدوران والجري خلال الفرصة... نحب الرياضة والموسيقى والتربية الفنية. نحب اللعب بأطواق الرياضة الملونة، والمشي على الكرسي السويدي الخشبي والمرتبة الزرقاء التي نمارس عليها تمارين الرياضة. نحب اللعب بالآلات الموسيقية والطبل والأكورديون، ونحب تلوين الصفحات البيضاء بالألوان الجميلة، كالأحمر والأزرق والأخضر...


    نرسم بطفولة وبراءة، ولا نستوعب غير الشجر والأشخاص والبحر والسمك والسحاب. نركب الباص، ونجلس أعلى المقاعد، ونحب الوقوف في الباص. نعشق مشاهدة الرسوم الكرتونية الرائعة عصراً بعد العودة من المدرسة، والنوم ظهراً بعد الغداء.


    المرحلة الإعدادية:

    في هذه المرحلة نبدأ بالاهتمام بالمظهر الخارجي، ونبدأ بالهرب والتسلل من الحصص الدراسية، ووضع المقالب للمدرسات والضحك. وغالباً ما نحب معلمة ما، ننجذب إليها لولعنا بشخصيتها وطيبها، فنستذكر ونعتني بمادتها أكثر من باقي المواد. نحب التغيب في الأيام الدراسية، ونحب التجول قبل فترة الامتحانات للمشي في المدرسة مع الشلة وإحداث الفوضى في المدرسة. نقوم بأداء الأنشطة لكل مادة لرفع الدرجات. نعشق الشوكولا و"الشيبس" والعصير. لا نحب المذاكرة. نذهب إلى البيت للنوم حتى المغرب أو العشاء، ونستيقظ ليلاً متخمين من النعاس. نحب الثرثرة في الباص وأداء واجباتنا المدرسية التي لم نقم بأدائها في البيت. نعشق مشاهدة الأغاني والمسلسلات التلفزيونية.


    المرحلة الثانوية:

    مرحلة النضج والفهم والاستيعاب لأمور الحياة كافة. مرحلة الاهتمام بالدراسة والأنشطة والرحلات والامتحانات. نبتكر أياماً جميلة كيوم للإفطار قبل شهر رمضان الكريم بيوم وأيام طبق الخير ويوم الصحة. نحب العمل الجماعي. نحب الاهتمام أكثر بمظهرنا ودفاترنا وكتبنا. نستوعب كثيراً ونذاكر قليلاً. نحب الرحلات الجماعية مع مدرساتنا وزملائنا. وفي الثانوية العامة ننصبّ على الكتب ومذكرات الامتحانات والأسئلة. أيام جميلة ونحن ننتظر ونترقب الأسئلة وأوراق الامتحانات. وعندما ننتهي ونخرج من القاعة، نسأل بعضنا بعضاً عن إجابات الأسئلة. ننتظر أسماءنا لتذاع في الراديو مع أغنية عبد الحليم حافظ "الناجح يرفع إيده"، وأغنية أخرى "من الثانوية ع الكلية... والمجموع أقرب ع المية"... متلهفين للنسبة والمجموع.


    التعليم العالي:

    مرحلة الدخول إلى العالم الخارجي والثقة بالنفس والاعتماد عليها في كل صغيرة وكبيرة بعيداً عن الاعتماد على الآخرين. تطوير الذات، وصقل المواهب، وتحديث الفكر، والارتقاء بالعلم من درجة إلى درجة. نختار وجهة مستقبلنا بأنفسنا ومهنة سنواتنا القادمة التي ستتوج أعمال سنين الدراسة والتعب والسهر. نقوم بأداء البحوث التعليمية والتقارير و"البروجكتات" والعرض التقديمي والمقابلات لاجتياز الاختبارات والمهارات النطقية. نبتكر أساليب جديدة لعرض ما نقدمه من مواضيع مختلفة ومنوعة، وفترة التدريب الميدانية التي تكون الفترة النهائية للدراسة، حيث نبرز كل ما تعلمناه من مهارات ودراسات في هذه الفترة التي تحكم على أدائنا المهني المستقبلي وتفتح لنا أبواب المستقبل المهني. ويوم التخرج والحصول على الشهادة الجماعية هو ما يثلج صدورنا ويتوّج كل أعمالنا السنوية في هذه الشهادة الأكاديمية الرائعة، والتي ترقرق دموعنا فور الحصول عليها، وترسم ابتسامتنا على ثغورنا المبتهجة.


    هكذا هي أعوامنا الدراسية تتدرج من مرحلة إلى أخرى. مراحل من عمرنا قضيناها منذ طفولتنا إلى آخر يوم دراسي. أحببنا تلك الأعوام بشغبها وبرحلاتها وبامتحاناتها وبأوراقها ورسوماتها، وبكل حصة رائعة من اللغة العربية إلى التربية الإسلامية والجيولوجيا والرياضيات والرياضة والفنية والعلوم والتاريخ والجغرافيا والكيمياء الصعبة والفيزياء الأصعب واللغة الإنجليزية وكل مادة عشقناها أو استصعبناها. وداعاً يا أيامنا الجميلة! وداعاً يا مقاعد الدراسة التي نشتاق إليها كل لحظة!.

    * نشرت في الأزمنــة العربية،

  8. #8
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    روح الثــورة
    ( قصــة قصيــرة)


    كفاح، ونضال، ونصّار، أصدقاء ولدوا في عصر النكبة، تفجرت أيامهم بالحرب والتهجير والذل والاضطهاد، تجرعوا روح الثورة منذ الصغر، أحبوا الدفاع عن الوطن، وعشقوا حجارة أرضهم التي تبقى لهم السلاح المنيع للمقاومة. يرفضون الخضوع والخنوع للعدو، يرمونهم بالحجارة، ويلاحقون دباباتهم، ويحرقون إطارات السيارات في الشوارع، مرتدين كوفياتهم التي تمثل رمزاً للكفاح ورمزاً للوطن المسلوب.


    نضال يجلس في الغرفة ويستذكر أيام الامتحانات، ليكمل عامه الأخير في جامعة بير زيت، وبجانبه كفاح الذي يستمع إلى أناشيد الثورة والوطن، حيث تنشد جوليا بطرس: "وين... وين... وين...؟ وين الملايين...؟ الشعب العربي وين؟ الغضب العربي وين؟ الدم العربي وين؟ الشرف العربي وين؟ وين الملايين؟ وين...؟ وين...؟ الله معانا أقوى وأكبر من بني صهيون... يشنق يقتل يدفن يقبر أرضي ما بتهون... دمنا الأحمر والأخضر في طعم الليمون... نار الثورة تقوى تسعر.. نحنا المنتصرين... وين...؟".


    نضال: كفاح! أريد أن أذاكر لاختبارات آخر العام... هل من الممكن أن تطفئ أو تخفض صوت المسجل؟.


    كفاح: الله يا نضال! دمي يغلي وأنا أسمع هذا النشيد الذي يزرع في عروقي الحماس والثورة. متى ستُكتبُ لنا الشهادة؟.


    نضال: أنا أعرفك ستدخل في مواضيع متشعبة وتريدني بأن أسهر معك.


    كفاح: اسمع يا نضال هذا المقطع: "أقوى من الجبال... أكثر من الرمال... داخل لاعتقال نغني شهداءنا حيين... خارج الاعتقال نقاتل لا نركع لا نلين... وين...؟ اللي في وسط الضلوع أقوى من الدروع... في صدري مخزن رشاشة ونقول قوتي وين...؟".


    كفاح: أحس بأني أفجر الاحتلال بيدي وأعصرهم...


    نضال: سأخلد إلى النوم، وغداً الله يستر من الامتحان، ومنك يا مزعج!.


    يذهب نضال إلى النوم، ويجلس كفاح يستمع إلى الأناشيد الثورية التي تلهب حماسه وتزيد من معنوياته. صور الشهداء معلقة على جدران الغرفة.


    يستيقظ نضال الرابعة والنصف لأداء صلاة الفجر، ثم يوقظ كفاح ونصار. يذهبون إلى المسجد لأداء صلاة الفجر. بعد عودتهم، في الطريق يشكي نضال إزعاج كفاح له مساء أمس بالأناشيد الثورية.


    يردّ نصار: أنت عايش ع الأناشيد، ما بنشوفك وقت الشدة يا كفاح...


    يضحك نضال ويردّ: خليني بس أرسب بالاختبارات اليوم!.


    يشرق الصباح ويذهب نصار لإعداد القهوة والفطور، لأن اليوم دوره في إعداد وجبة الفطور. يجلسون لتناول الفطور.


    نصار: الشاب إللي استشهد من غزة صورته في الجريدة.


    نضال: أي جريدة؟.


    نصار: جريدة القدس.


    يقوم كفاح بقص الصورة وتعليقها على الجدار مع باقي الصور. يستأذن نضال للذهاب إلى الجامعة. يدخل إلى الجامعة ويؤدي الاختبارات التي كانت متوسطة ولم يجد صعوبة في حلها.

    يخرج مبتهجاً عائداً الساعة العاشرة والنصف.

    يسمع وابلاً من التفجيرات. يذهب مسرعاً إلى البيت. يرمي الكتب والأوراق. يلتحق بالشباب لمقاومة الإسرائيليين. يرمون الحجارة إلى العدو الصهيوني داخل الدبابات والسيارات المصفحة.


    كفاح: نضال... ارجع للخلف! إنهم مسرعون...


    نضال: أولاد الكلب...


    كفاح ونصار يذهبان لإرجاع نضال. كفاح يرمي بالحجارة إلى الدبابات التي تقترب منهم شيئاً فشيئاً.


    نصار: الله أكبر... الشهادة يا شباب!...


    يضرب بوابل من الحجارة تلك الدبابات التي تقف تارة وتتحرك بسرعة اتجاههم تارة أخرى، والتي أتت لتعيث فساداً وتدمر وتفجر وتقتل. يلحقه كفاح ونضال وباقي الشباب إلى هناك.


    تنطلق قذيفة صوبهم من إحدى السيارات العسكرية، وتتلوها الرصاصات التي تخترق جسد كفاح ونصار ليسقطا، ونضال يجلس أمامهما ليتأكد من عدم استشهادهما، ويبكي حرقة رحيل رفيقيّ دربه.


    نضال: كفاح راح شهيد، ولحقه نصار...


    يأتي الشباب ليحملوهما، وتهرع سيارات الإسعاف لحملهما. وبعد صلاة الظهر والصلاة على الشهيدان، يشيع الفلسطينيون الشهيدين أسفل حرقة الشمس، وتصرخ أمهاتهم وأخواتهم لفقدان أبنائهم...


    يذهب نضال للعزاء، ويقدم وصية كل من كفاح ونصار إلى والديهما. كان في وصية كفاح: "لا تبكي عليّ يمه لما أنوي فراقك... أوعي الغربة تبكيك يمه، أنا راجع لترابك... الشهيد كفاح".


    أما وصية نصار: "من رحم الثورة ولدنا، وكتبت~ لنا الشهادة منذ ولدنا، فتقبلوني شهيداً يحمل راية الشرف للدفاع عن تراب وطنه الغالي المسلوب... ابنكم الشهيد: نصار".


    وفي ثاني يوم عزاء يستيقظ نضال في لوعة ويذهب للصلاة بمفرده، ويحتسي قهوته المرة بمرارة، ويبكي الصمت الموحش الذي يحيط به، ويتمنى لو رحل شهيداً مع رفيقيه وصديقيه اللذين تركاه وحيداً.


    يتصفح جريدة القدس ويرى صورتهما وهما مسجيان على الأرض مخضبان بالدماء، ويذكر كفاح نشيد وين الملايين: "دم الأحمرنا والأخضر في طعم الليمون...".


    ويبكي لوعة غيابهما محتضناً الجريدة بين أنفاسه المذبوحة ليقصقص صورتهما ويعلقها على الجدار الذي اعتاد كفاح تعليق صور الشهداء عليه، ويكتب تاريخ الشهادة واليوم الذي فقد فيه أحبته ورفاق دربه الطويل.

    * نشرت في الأزمنــة العربيــة

  9. #9
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    من لا يريد أن يكون زوربا؟



    تلك الشخصية التي ابتدعها الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي، والتي دغدغت به حب الحياة والتصرف بحرية بعيداً عن معطيات التملق والازدراء والاصطناع، تركت بصماته على سيرته الذاتية التي عطرها زوربا بالأحداث الحيوية وبرقصة زوربا تحت المطر غير عابئ بأفكار البعض بالاختباء عن المطر خوفاً من المرض. فكان زوربا يعشق الحياة ويعشق الشجر والصخر والمرأة والنار، ويعطي كل شيء في الحياة عذريته، وكأنها أشياءً جديدةً وجدت الآن لم يمل منها أو يتأفف من وجودها الدائم.



    وزوربا التي ابتدعها الكاتب في مذكراته "تقرير إلى جريكو"، ينحدر من قرية على جانب جبل الأولمب، وتعارف عليه كازنتزاكي خلال مشاركته له في مقلع للغرانيت، وتوجه كازنتزاكي إلى صربيا بعد فشل المشروع بحثاً عن المنغنيز. ولكن زوربا ظل يراسل صديقه بالبرقيات ويطلب منه العودة، ولكن صديقه لم يعد. وبعد رحيل زوربا وصلت برقية إلى صديقه تفيده بوفاته. وخيم الحزن على كازنتزاكي، وتذكر حيوية زوربا ورقصته على شواطئ البحر المتوسط، وعشقه للهواء والبحر والتراب، وعرف بأن زوربا لن يعود مرة أخرى.



    كلنا نعشق أن نكون لو بنصف زوربا، مفعمين بالحياة، رافضين أحكام الغير بالتمرد لروعة الحياة وطبيعتها الأروع، مرفرفين بحرية ولو برقصة كرقصة زوربا التي تحمل معانٍ كثيرة تتوجها جمالية ونقاوة الحياة، بعيداً عن الرتوش المحكمة والجامدة. كلنا نأمل بأن تسكن تلك الضحكات المجلجلة ثغورنا إلى الأبد. كلنا نتمنى أن نرقص للحرية، ونكتشف الأشياء كما لو كانت جديدة، لا نملها ولا نتجاهلها، بل نعشقها، لأنها من هذه الحياة خلقت. الصخر والشجر والخبز والنار والنساء، كلها كانت مفاهيم جديدة ومتجددة معاً.



    مَن منا لا يريد أن يكون كزوربا، متفائلاً دائماً بالحياة، متقبلاً لكل صغيرة وكبيرة، مجدداً كل الأشياء، يرقص بلا خوف تحت المطر، يداعب الحياة ونسمات الهواء في الغسق، يحوّل الموت إلى رقصة؟.



    رحل زوربا مرحلاً بذلك ضحكته، والأغنية، ومحطماً بذلك السانتير الذي يعزف إليه. وتوقفت لوحة الرقص على حصى الشاطئ، ورحلت تلك اليد التي كانت تلاطف الحجارة والبحر والخبز والنساء. رحل زوربا الذي أمتع كازنتزاكي بالحياة، وكازنتزاكي أخذ يصرخ: "أرواح كهذه يجب ألا تموت. هل في وسع الأرض والماء والنار والحظ أن تعيد تشكيل زوربا آخر؟".

    * نشرت في الأزمنــة العربيـة

  10. #10
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: كتابات رذاذ عبدالله

    بائعــة الياسميــن
    ( قصــة قصيــرة)



    لم تدرك زمزم أن رحيل والديها وهي في الخامسة من عمرها قد يجعلها طفلة وحيدة بلا رعاية، ولكن حضن جدتها صفية كان قاعدة الحنان لكسر العزلة الاجتماعية التي عانتها خلال فترات عمرها.



    فكل صباح تستيقظ زمزم على رائحة الخبز الشهي الذي تقوم جدتها بإعداده في تنور صغير يقبع خلف جدار عتيق في فناء المنزل، حيث الخشب المكوم والصحون المرصوصة في خزانة خشبية صغيرة، والحليب الساخن المعد منذ ساعات الفجر الأولى في إبريق معدني.



    زمزم: صباح الخير جدتي...


    الجدة: أهلاً بحلوتي وصغيرتي زمزم. فطورك جاهز.


    تذهب زمزم ذات الخمسة عشر ربيعاً لتستحم، ثم تنطلق للإفطار، وإذا بها تشاهد جدتها ذات الشعر الأحمر، والذي تسبح فيه خصلات شائبة، جالسة أسفل شجرة الياسمين وورودها البيضاء التي تبعث الأمل بالحياة وتشرح النفس الكئيبة وتمحو الأحزان ومرارتها من القلب.


    كل يوم تقوم الجدة صفية بخياطة زهور الياسمين على شكل طوق، وتبيعه بنفسها لسكان الحي، هي وزمزم حفيدتها أمام رصيف قرب مكتبة صغيرة لبيع الكتب والمجلات والصحف اليومية.


    وفي لحظة مرة خانت فيها الأقدار الجدة، عصفت الأمراض بجسدها الذي أنهكته الحياة الصعبة، فجعتلها حبيسة الفراش والأمراض، فلم تقوَ على خياطة وبيع الياسمين، فقامت زمزم بذلك، وخرجت بنفسها إلى الشارع تذرف الدموع وتتوسل حتى يشتري الناس كل ما لديها من ياسمين، وذلك لسد حاجتها وشراء الدواء لجدتها المريضة.


    تجلس زمزم بالقرب من جدتها النائمة ودموعها منهمرة على خديها الزهريين، تبكي جدتها المريضة التي فقدت قواها ولم تعد قادرة على النهوض. فزمزم باشرت بكل أعمال المنزل، من غسيل وطبخ، لتعوض تعب جدتها التي خدمتها طوال الأعوام الماضية.


    وظلت الجدة على هذه الحال إلى أن أسلمت الروح إلى بارئها، وودعت دنياها وحفيدتها الصغيرة التي خيم الحزن على وجهها وغرقت عيناها بالدموع، وتركت زمزم وحيدة تحت رعاية الله عز وجل، تسقي شجرة الياسمين وتخيط زهورها البيضاء وتبيعها وتتصدق بنصف الربح، وتصرف النصف الآخر عليها، وذكرى جدتها تراودها في كل زهرة ياسمين بيضاء.

    * نشرت في الأزمنــة العربية،،
    التعديل الأخير تم بواسطة رذاذ عبدالله ; 30 - 7 - 2010 الساعة 09:54 PM

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •