رمضان في ذاكرة الكتّاب الإماراتيين

لحظات من الهدوء والصفاء الذهني والروحي






حياة اجتماعية خاص يبهر الأطفال في أوائل حياتهم، ويعلق في أذهانهم، فما الذي يبقى في أذهان الأدباء من رمضان؟



يقول الروائي علي أبو الريش: لا شك في أن رمضان له مسحته الخاصة، وطابعه الذي يبقى في ذهن الإنسان، خصوصا الطفل، فالاستعداد يختلف عن الشهور الأخرى .



يضيف أبوالريش أنه كانت تعقد فيه الكثير من المجالس بعد صلاة التراويح، وكنا نحن الأطفال نفرح حين يسمح لنا بحضور تلك المجالس التي هي من اختصاص الرجال الكبار عادة، فكنا نتعلم منها الكثير من الأخلاق والعادات وطرق الحديث، ونستمع إلى القصص التي يرويها الرجال، وهي بالطبع قصص فيها ما هو واقعي وفيها ما هو خرافي وكل ذلك كان يعلق بأذهاننا .




ويتابع أبو الريش: كان من مشاهد رمضان التي لا تنسى تلك الحركة التي تبدأ قبيل الفطور، حين ينشط الأطفال في حركة دائبة مع الأزقة يحملون أواني الطعام والشراب من بيت إلى بيت، وفي كل اتجاه، حيث كانت الدور متقاربة مفتوح بعضها على بعض والناس على تواصل مستمر، وتربطهم علاقات وثيقة تسفر عن وجهها الجميل أكثر فأكثر في رمضان .




ومن المؤسف أن هذه العلاقات الجميلة قد تقطعت اليوم، رغم أن المنازل اتسعت وكبرت فإن مساحة العلاقات الإنسانية ضاقت وكادت تتلاشى، وهذا ما يجعلنا نحن الجيل الذي أدرك ذلك الماضي بعلاقاته الإنسانية نعيش في غربة، وتلك مأساة كل جيل يعيش فترات الانتقال، ويتوسط بين جيلين متناقضين، فحين ننظر إلى الأجيال الفتية اليوم لا نجد لديها هذا الإحساس بالغربة الذي نعيشه نحن والذي تولد من مشاهدتنا لتلك القيم النبيلة وهي تتلاشى .




وفي ما يتعلق بتسرب تلك الذكريات الرمضانية البهيجة والحميمية إلى كتاباتي فقد أدخلتها في شكل شذرات هنا وهناك، ووظفتها في أماكن كثيرة ما دامت الذاكرة مخزناً يودع فيه الكاتب كل ما يمر به من ما هو جيد ورديء ليخرجه حسب الحاجة .




ويقول الكاتب ماجد بوشليبي: إن رمضان يختلف تماماً عن غيره من الأشهر الأخرى من السنة، فالإنسان يتجرد فيه من الماديات ويحاول أن يرتقي بجوانبه الروحية، يستعيد فيه كيانه الروحي، وقد تعلمنا من آبائنا، وشاهدنا من ممارساتهم أن لرمضان جانبين مهمين، الأول ذاتي يعود فيه الفرد إلى نفسه ليرمم بقايا الإيمان فيها ويبنيها من جديد، وترتقي بخلقها .



والثاني يتواصل فيه مع الآخرين ويكسر الهموم الذاتية التي تشغلنا عنهم طيلة الأشهر الأخرى، لكي تستعيد العلاقات الإنسانية دفئها وحرارتها، وتتقوى الروابط من جديد، وبتلك الرؤية يصبح مناخ رمضان ألطف، وهذا هو رمضان كما عرفه آباؤنا وورثوه عن آبائهم .




هذه الصورة بدأت اليوم تتصدع بفعل عوامل كثيرة، فلم يعد الوقت كافياً لأي نشاط رمضاني ولم تعد تلك الصلات موجودة .



أما بالنسبة لتناول رمضان وذكرياته الأولى بالنسبة للكتّاب فأشعر أنهم لم ينظروا إليه بذلك المفهوم الذي قدمناه سابقا، بل تناولوه فقط كمظاهر الفطور والمجالس والحكايات واللقاءات، وهو تناول جيد، لكنني لا أجد المعالجة العميقة التي تعكس المفهوم الحقيقي لرمضان، بوصفه تجربة إيمانية وارتقاء روحيا للإنسان .




وتقول الكاتبة نجيبة الرفاعي: رمضان بالنسبة لي هو شهر توقف عن الكتابة، لأنه محطة يجدد فيها الإنسان الصفاء الروحي ويأخذ فيها شحنة نفسية وذهنية تعطيه قوة دافعة للعمل في ما بعد رمضان . أتذكر رمضان عندما كنا صغاراً كان شيئاً مختلفاً، يستعد له الناس قبل مجيئه بكل الوسائل المادية وبروحانية عالية، وتتزين لياليه بأصوات القراء الذين يصلون التراويح، وبالمجالس المتعددة التي يعقدها الرجال، ويتميز بتلك اللحظات الجميلة، لحظات اجتماع العائلة والترقب قبل أذان المغرب، فكل شيء ساكن هادئ في انتظار التكبير، وحين يعلن المؤذن الإفطار يتحرك كل شيء، واليوم أجد هناك تغيراً كبيراً في تلك الصورة، حيث أصبح التلفزيون يجذب اهتمام الأطفال، فتمر لحظات الفطور من دون أي اهتمام منهم، ولا تجد لاجتماع الأسرة وتحلقها حول مائدة الإفطار تلك النكهة التي كنا نجدها في الماضي، كأن رمضان فقد لدى الأجيال الحاضرة معناه الحقيقي، ذلك المعنى القدسي التعبدي، وأصبح كأنه مناسبة للترفيه .




في كتاباتي لم أتناول صورة رمضان مباشرة، لكن المسحة القدسية لرمضان والمعاني الجميلة المرتبطة به سواء تلك المعاني المرتبطة بالفرد ورقيه الروحاني أو المعاني المرتبطة بالجماعة وعلاقات الترابط والتواصل والمحبة والتسامح، تلك المعاني حاضرة في كتاباتي بقوة .