ما أجملهم حين يرحلون
حسام ميرو
ما أجملهم حين يرحلون!
حين يخرجون من شجر الأرض إلى ترابها .
هم الذين قرأنا على أيديهم أن الثمرة في أصلها بويضة لقحتها نطفة الحب، وأن الإقامة موت، وأن الرحيل بداية، فظلوا يرحلون إلى أنفسهم، حتى كادوا أن يختفوا عنا .
هم الذين لم يتركوا سوى كتبهم على أرفف الوقت .
لم يسألوا الوقت إن كان الوقت مناسباً للرحيل .
سلاماً إلى غازي القصيبي، والطاهر وطار، الأول دق الأجراس فأصابه البرق، لكنه غامر إلى نهايات الشرر، والآخر نبش في الأرض ذاكرتها زارعاً لها شجرة أخرى اسمها البدايات .
حقاً “الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا!” هذا ما قاله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلينا نحن السائرون من دون هدى، ومن دون دليل، فإذا ما ضرب الرعد في أوصالنا فتحنا أفواهنا تعجباً .
على أحدهم أن يذكر أن مأساة العرب في الربع الأخير من القرن العشرين لا تكمن في غياب القدرة على الإبداع، أو عدم وجود مبدعين كبار، وإنما في غياب الوعي بالأهمية النوعية للمبدعين العرب، وهم ممتدون على مساحة الخريطة العربية كما تمتد القافية في صوت المغني، فلماذا خرج الإخوة على يوسف متباهين بدهائهم، غير مدركين أن في يوسف نجاتهم، أليس الحب قارب إنقاذ من قسوة الجفاف؟
بين “الهنا وهناك” محنة أن تعترف النفس بنفسها، ألم يقرر الفرنسيون تسمية ساحة في عاصمتهم باسم محمود درويش، وقد عز على العرب أن يجتمعوا على إقامة ليلة باسمه كي يكون قمرها، يقرأ الشعراء قصائده، ويغني المغنون أشعاره، في طقس يذكرنا بأنه كان هنا، وهو هنا بيننا، لأننا نحن يمكن أن نكون نحن، إذاً، أليس من حق أحد ما أن يستعير صوت شكسبير: “فإما أن تكون أو لا تكون” .
لماذا نغيب حين يجب أن نحضر؟
لقد قدمت مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الفائت نخبة من أهم مبدعي ومثقفي الوطن العربي الذي يحتاج كل واحد منهم إلى برنامج تعريفي خاص به يقدمه للأجيال الجديدة، هذه الأجيال التي لا يعرف الكثير من خريجيها الجامعيين في ما إذا كان نجيب محفوظ روائياً أو طبيباً أو موظفاً، ولا يعرفون من هو حنا مينة أو قاسم محمد أو أمل دنقل وغيرهم، فما بالنا إذاً بمفكرين مثل عبد الله العروي، أو الياس مرقص، أو ناصيف نصار وغيرهم، وقد كان لإحدى الفضائيات الفضل في أن استطلعت الموضوع ذاته في الحرم الجامعي فلم تتجاوز نسبة من تعرفوا إلى الهوية الإبداعية لقامات عربية كبيرة أكثر من 10% من العينة، وهو رقم يشير إلى ذاكرة تتأسس على النسيان .
حقاً ما أجملهم حين يرحلون، يذكرون بأنهم كانوا بيننا، ولم نكن بينهم، ولم نكن بين أنفسنا . حقاً ما الذي يسرقنا منا، أو منهم، وما الذي يسرق الهواء من الهواء؟





رد مع اقتباس