أرْشَف عبر وميض عدسته تاريخ الدولة
"المصور الأميري"
نور علي راشد يترجل عن صهوة جواده
7/7
بعد رحلة مع مهنة التصوير الفوتوغرافي امتدت لأكثر من 60 عاماً، تسلّح بها “بكاميراته” الصغيرة، مسجلاً من خلال عدستها أبرز الأحداث والإنجازات التي شهدتها الدولة منذ بداية الاتحاد إلى عصر التمكين، ومؤرشفاً عبر وميضها مسيرة البناء والتطور، راصداً عملية النهوض منذ بداية الستينات عبر عشرات الآلاف من الصور، ترجل “المصور الملكي” أو “مصور الأمراء” أو “عميد مصوري الإمارات” نور علي راشد عن صهوة جواده عن عمر يناهز 81 سنة، تاركاً وراءه إرثاً يزيد على 3 ملايين صورة، جمعها بعدما أمضى نحو 50 عاماً مصوراً للأسر الحاكمة في الإمارات، وليكون بذلك من أوائل المصورين الصحافيين الذين عملوا في الدولة .
ولد الراحل نور علي راشد في ديسمبر عام 1929 في إقليم “قوادر” في ساحل سلطنة عمان آنذاك، التي هي باكستان في الوقت الحاضر، ومع بلوغه سن السابعة عشرة، بدأت ترتسم عليه مظاهر الولع بالتصوير الفوتوغرافي، عندما كان يرتاد مدرسة داخلية في إقليم “قوجارات” .
في العام 1958 اختار والد نور علي راشد أن تكون صحراء الإمارات هي محطتهم التالية، على أمل أن تلهي حرارة الصحراء ولع ابنه بالتصوير، مع توفير رأسمال كاف للبدء بعمل جديد آخر، فأرسله إلى دبي سنة ،1958 كعقاب له، بسبب هوسه بالتصوير الفوتوغرافي، وأيضاً على أمل أن تقوم البيئة الجديدة بتوجهه نحو مهنة مرموقة كما كان يطمح والده، ومع مرور العقود الخمسة، استطاع “عميد مصوري الإمارات” تأمين كنز وطني، جناه طيلة 50 سنة، لولعه وشغفه بالتصوير الفوتوغرافي .
تعتبر شخصية المغفور له بإذن الله نور علي راشد من الشخصيات الفنية البارزة على ساحة الفنون والصحافة في دولة الإمارات، فقد واكب “مصور الأمراء” كما أطلق عليه، التطور الإماراتي الإعلامي والثقافي، من خلال وجوده المستمر في المحافل والندوات والمؤتمرات المختلفة .
كما جمع الفقيد أرشيفاً ضخماً من الصور القديمة (أبيض وأسود وملون) تجاوز عددها 3 ملايين صورة فوتوغرافية، التقطها في الإمارات وخارجها، قديماً وحديثاً . وتمكن الراحل نور من تسجيل اللحظات الأولى لتولي صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، مقاليد حكم إمارة دبي، كما استطاع أن يجمع نحو ثلاثة ملايين صورة فوتوغرافية لمختلف الشخصيات في الدولة، من الأسر الحاكمة والشعب، والاحتفالات والمناسبات الخاصة، كما لقبه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بالمصور الملكي، حيث أصبح المصور الرسمي لأسرة آل نهيان الحاكمة في إمارة أبوظبي، ولباقي الأسر الحاكمة في مختلف إمارات الدولة .
روي عن الفقيد قوله إنه تعرف إلى الكاميرا مذ كان في المرحلة الثانوية في الهند، من خلال مصور التقط له صورة في حديقة عامة، فأعجب بصورته، وفرح بها كثيراً، ففكر أن يطلب من أخيه أن يشتري له كاميرا، حيث كان الوضع المادي لأسرته ميسوراً بحكم عملهم في التجارة، وهو ما تم بالفعل، حيث لم يبخل عليه أخوه بشراء الكاميرا، حتى إنه بات من وقتها يوفر من مصروفه لشراء الأفلام والطباعة، وتوطدت علاقته بصاحب الاستوديو الذي كان يعمل معه، وتعلم منه الكثير إلى أن امتهن فن التعامل مع الكاميرا .
سافر الفقيد إلى دبي وعمل تاجراً وأصبح مشهوراً بين التجار، لكنه أخل بالاتفاق الذي عقده مع والده إزاء عدم اصطحابه الكاميرا خلال سفره، فأخذ معه كاميرتين، ثم بدأ يلتقط الصور حينما كان يذهب إلى الجمارك لإنهاء معاملاته، فكان يرى المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم جالساً في مكتبه الذي كان يقع وقتها في الدور العلوي للدائرة، ويلتقط له الصور . ونقل عنه قوله في سرد قصة تعلقه بالكاميرا وولادة مهنة التصوير لديه، “في حفل عيد الجلوس عاودني الحنين إلى الكاميرا، فالتقطت صوراً تذكارية للجميع، ومن ثم طبعتها وسلمتها للديوان الأميري، ومنذ ذلك الحين صرت المصور المفوض لتصوير الأحداث الشعبية والرسمية، ليس هذا فحسب، فقد كنت أصور الزيارات المتكررة لحكام الإمارات لدبي، بعدما تعرفت إليهم جميعاً، وأقوم بإرسال صور الزيارات للجريدة الوحيدة في المنطقة التي تصدر من البحرين بمسمى “غلف ديلي تايمز”، وكانت أعداد الجريدة ترد بواسطة الطائرة إلى مطار الشارقة القديم في منطقة القاسمية، وأحياناً كنت أسافر إلى البحرين لإحضارها بنفسي، وأجدها مزينة باسمي وصوري، ثم بعد ذلك صدرت مجلة “تجارة الخليج العربي” في الفترة ما بين 1967-،1968 وكانت توزع في دبي وأبوظبي وتطبع في يبروت، بأمر من الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم” .
منحني الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عطفه وأبوته، وجعل مني شخصية مهمة، مما أهلني لأن أكون محبوباً من جميع الحكام، وقد دعاني مرة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في إحدى زياراته إلى دبي من أجل زيارة أبوظبي، ويومها كان الحاكم هو المغفور له بإذن الله الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، فسافرت إلى هناك، وتصادف أن كانت زيارة إدوارد هيث إلى المنطقة، فالتقطت عدة صور وأرسلتها إلى الجريدة في البحرين، ونشرت الصور، ومن ثم صرت أسافر مع الشيوخ في زياراتهم الرسمية، وطفت أرجاء العالم .
استلم المرحوم نور علي راشد 83 جائزة وشهادات تقدير على جهوده وإنجازاته في التوثيق المصور الذي قدمه طيلة العقود الخمسة من ضمنها تسميته ب”مصور الألفية”، بالإضافة إلى جائزة نور علي راشد للتصوير الوثائقي، برعاية جامعة زايد، وذلك لتكريم جهوده في التصوير الوثائقي .
وفاز الفقيد بجائزة سلطان بن علي العويس الأدبية في العام ،1997 تقديراً لإبداعه في كتابيه الأولين، من كتب المجموعة الملكية، اللذين نشرتهما دار موتيفيت، وحصل خلال حفل واحد في العام 2000 على 42 جائزة، بمعدل جائزة لقاء كل عام أمضاه في العمل في منطقة الخليج، حيث أقيم الحفل خصيصاً لتكريمه تقديراً لأعماله الفنية المتميزة، ومساهمته في توثيق تاريخ الإمارات، كما فاز بجائزة “مصور الألفية لدولة الإمارات العربية المتحدة” في العام 2006 .
أصدر نور علي راشد عدداً من الكتب نذكر منها:
* الشيخ زايد (ذكريات وإنجازات) (1918-2004)
* الشيخ خليفة (ذكريات وإنجازات)
* الشيخ سلطان (ذكريات وإنجازات)
* أبوظبي (حياة وأزمان)
* الإمارات (رؤى التغيير)
* الشيخ راشد (ذكريات وإنجازات)
* الشيخ مكتوم (ذكريات وإنجازات) (1943-2006)
* كتاب “الشيخ محمد ذكريات وإنجازات”، الذي يشتمل على مجموعة كبيرة من الصور النادرة المنوعة المتتبعة لمحطات بارزة في حياة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وهو سابع كتبه الصادرة عن دار موتيفيت للنشر .
جائزة نور علي راشد للتصوير الفوتوغرافي
طرحت كلية علوم الاتصال والإعلام في جامعة زايد، جائزة نور علي راشد للطلبة للتصوير الفوتوغرافي والفيلم الوثائقي، تأكيداً على التقدير والعرفان لنور علي راشد عميد مصوري الإمارات، الذي وثق ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعد مرجعاً وتشكيلة واسعة لصور ستة عقود في 48 سنة .
ووجه الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم رئيس جامعة زايد القائمين على الجامعة إلى إطلاق مسابقة نور علي راشد للتصوير الفوتوغرافي والفيديو بجامعة زايد، بحيث تشمل المؤسسات الجامعية كافة التابعة لوزارة التربية والتعليم في الدولة، على أن تتناول المسابقة الحياة في دولة الإمارات بمستوياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية .
وتعتبر الجائزة تعبيراً عن ما قدمه الفقيد نور علي راشد أثناء مصاحبته للمغفور له الشيخ زايد في رحلاته، وتسجيله تاريخ الإمارات سواء قبل الاتحاد أو بعد قيامه، وكشف وإظهار مواهب التصوير الفوتوغرافي والأفلام الوثائقية لدى طلبة دولة الإمارات وجامعاتها وكلياتها، وتكملة لميراث نور علي راشد، عن طريق حث طلاب وطالبات الدولة على تركيز موهبتهم، في تصوير أرض الدولة، وأهلها، وقادتها ومؤسساتها التعليمية .
واحد وثمانون عاماً أمضاها نور علي راشد في سجل الحياة، لكنها وفق ما قدم، تساوي قرنين . . لم يحفر دربه بأظفاره، ولكن بريشة عدسته التي لم تخنه مرة، ولم تربكه، حتى في لحظات الارتباك، التي تمليها وضعيته وقربه من أولي الأمر .
لم يكن يصور بحسه الراقي وشفافيته العالية الرائقة، إلا الذي يحمل قيمة، مهما ضؤلت، وبمضي الأيام يكتشف المتابع أن هذا المنظر كان لابد أن يوثق، بعد أن يكتشفه في خزانة نور العامرة بكل غريب ومفارق ومهم .
خمسون عاماً من التصوير، أو تزيد، وهو هو بذكائه الفطري وجرأته المقبولة من الجميع، وخفة ظله أيضاً، فإذا أحس أن لسعاته أصابت أحداً بتكدر، يميل عليه بكل حب ليمسح عنه ما كدره .
خمسون عاماً، أو تزيد ونور علي راشد يشد مئزره متحملاً كل المشاق في سبيل الوصول إلى الصورة قبل غيره، لم يفوت حدثاً أو حادثة، إلا كانت بصمته تمهره بإتقان قل مثيله، في هذا العالم الرجراج الذي تندر فيه المهارة والإخلاص والحذق .
ثلاثة ملايين صورة يضمها ألبوم كبير بمساحة بيت استأجره نور عندما ضاق عليه بيته، ليكون حجة لزمن عظائم الأحداث، وأعاظم الرجال أيضاً، وبينة على أن الكاميرا أصدق من الرواية في معظم الأحيان، لأنها لا تكذب، ولا تتحمل أو تحمل غير الصدق .
كان يتألم ويشكو كثيراً، لا من قلة الحظ، بل من تهجّم القاصرين المقصرين في المهنة، بعد أن اتسع حضور غير الأصلاء فيها .
قال لي منذ أيام، في زيارته الأخيرة ل”الخليج”، ما يعني شعراً: “تعبتُ . . أما آن لي أن أقفْ؟” . .
وكان له ما أراد، فقد توقف قلبه المرهق المرهف، بعد أن سجل في عمره المديد ما عجز الكثيرون عن اصطياده من لحظات تحوي كنزاً من الوقائع، كان الأسبق في رصدها، فطوبى لنور، وطوبى لخزائنه .
جمعية الصحافيين تنعى عميد مصوري الإمارات
دبي - “الخليج”:
نعت جمعية الصحافيين ببالغ الحزن والأسى الزميل نور علي راشد عميد مصوري الإمارات الذي وافته المنية، مساء الأربعاء الماضي، بعد صراع طويل مع المرض .
ويعد الزميل، نور علي راشد، من رواد العمل الصحافي بدولة الإمارات، وقد رافق مراحل مهمة في تاريخ الدولة الحديث عبر عدسته كمصور محترف .
وقد امتدت رحلة عطاء الفقيد لأكثر من نصف قرن تتلمذ على يديه العديد من الزملاء، وأثرى خلالها المكتبة الصحافية بأكثر من 3 ملايين صورة تضمنت العديد من الفعاليات والأحداث المؤثرة واللقطات النادرة في تاريخ الدولة .
وتم تكريم الفقيد خلال رحلة عطائه ب 83 جائزة وشهادات تقدير، وله العديد من المؤلفات التي تعد شاهدة على العصر منها “الشيخ زايد ذكريات وإنجازات 1918 - 2004” و”الشيخ خليفة ذكريات وإنجازات”، و”الإمارات رؤى التغيير” و”أبوظبى حياة وأزمان”، و”الشيخ راشد ذكريات وإنجازات” و”الشيخ مكتوم ذكريات وإنجازات”، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته ويلهم أسرته وذويه وزملاءه الصبر والسلوان .
72...2e157d68e.aspx
___________________________________________
لا حول و لا قوة الا بالله
انا لله و ان اليه راجعون
الله يرحمه و يغفر له
الله يجعل مثواه جنات الفردوس