يااااا سلااااااام عليج الغاليه
اهااات وازمان عجائب ومتاهات
تسلمين على الابداع والتميز فالانتقاء
اسعدني ما شاهدته هنا من عجائب الابداع
كلمة شكر وعرفان اوجها لكي اختي الغاليه
دمتي ودام ابداعك القيم ...
|
|
البداوة.. مكان وزمان على أهبة الحل والترحال
جلال برجس
* الدستور الاردنيـة
أتذكرُ ، الآن ، والشتاء ينهرُ بي رذاذَ الذكريات ، يومَ كنتُ أعود من المدينة ـ بكل عوالمها وانشطاراتها ، جنونها وعقلها ، صخبها وهدوئها ، فرحها وكآبتها ـ حيث أدْرُس ، وحيث أتلقى أولى وصايا الشعراء لفتىً يعتمر طقوسَ أجداده في القصيد ، في الحب ، وفي الأغنيات: يومَ كنتُ أداري خجلي ، بالحديث في السياسة ، من نساء المدينة اللواتي يقتاد العقدُ البصرَ إلى حيث يتدلى في ملتقى النهدين. كان بيتنا القائم على نحْر المدينة (مادبا) وجهاً آخرَ من وجوه البيوت في أماكن البداوة ، في حلّها وترحالها: كان بيتاً يجاور بيتاً من الشَّعر. حضيرة أغنام ، حمار وحصان ، وعادات وتقاليد لا تصلح لمدينة باحثة عن ملامحهما. الفرق الوحيد أن بيتنا في البادية من شَعر وشًعر ، وبيتنا في المدينة من إسمنت يراه البدوي خانقاً ـ رغم نوافذه الواسعة ، وأبوابه المتعددة. مضى هذا المشهد في جعبة ولد الوقت الذي لا ينتظر أحداً ، وصار بين زمن المدينة وزمن البادية مسافة شاسعة ، لذا أعود ، الآن ، وقلبي يكرْكر كطفل تدغدغه فراشة.
كانت الشمس ارتقت مَطَلّها الثاني في السماء ، بعد أن غادرَت نافذة الشروق ومَطَلّه ، إذ شارفت الساعةَ التاسعةَ ، صباحاً ، عندما لاح لي تناثًر بيوت الشَّعر كما لو أنه انتشار شامات على ظاهر يد بدويةً. إشارة الإرسال والاستقبال في هاتفي النقال راحت تتضاءل ، شيئاً فشيئاً ، إلى أن تلاشت تماماً ، وتلاشى معها زمن المدينة وإيقاعها ، فحشرتُه في حقيبتي الصغيرة متحرراً من عبئه الحداثي ، ومن إيقاعه السريع الخاطف ، الذي لا يترك لآدميتنا مجالاً لتهدأ وتستريح ، بينما راح صوت يتناهي إلى مسامعي: "أنت في عقر النقاء ، فأشرع نوافذ روحك للشمس".
والشمسُ ، في تلك الأثناء ، كانت نثرتْ مدادها على جسد الرمال الصحراوية العطشى ، تنثرها بكل سخاء لا يشبهه إلا سخاء البدوي الراسخ في دمه الشمسي ، الذي ـ هو الآخر ـ يعمّد الرمال بالحب وبالحكايات. البدوي كائن حالم تسرى الأحلام في روحه كما يسري النمل في مكان أثثه السُّكَّر ، صحراؤه أفق واسع للأمنيات ، يحلم بالماء ، بالشجر ، بامرأة بيضاء مكتنزة ، بالغيم ، بالغمام ، بالأيائل ، بهدير الماء على حجر وجذع شجرة ، يحلم.. يحلم ، لذلك تصير مخيلته أوسع من الدنيا ذاتها ، ويصير الشعر أداته لاجتراح الحياة ، فنرى الحياة في قصيدة بدوية نمت تحت لواء القيظ والسراب والهاجرات التموزية ، وفي خضم الزوابع الرملية وجنون الطقس في الصحارى.. قصيدةْ تختلف عن قصيدة البدوي بحياتها ، عن حياة في قصيدة وُلدت في عقر الماء والشجر. موسيقى من لوعة البدوي وحنينه للماء كانت تصاحب خطوتي في الرمل وأنا أيمم صًحاباً تحتفظ الذاكرة ، لهم ، بحيز لا يمكن أن يتلاشى ، بينما صوت أجراس الشياه ـ وهي تنتشر على جسد البيداء بصوفها الأبيض كحليب القلب - يأتي كإيقاع حنين ، وكقطرة ماء تتدحرج على جبين البال.
رائحة الشيح ، القيصوم ، البعيثران ، العطرفان ، وحشائش أخرى تداهم نافذة القلب وتشرعها على مصراعيها ، وتصلح من هيئة المشهد. المشهد راسخ في الروح وقائم في القلب: المشهد واسع ، روائي ، مجازي ، شعري ، يشي بوجه آخرَ للحياة. السماء حفلت بغيوم رمادية تؤشر إلى شتاء يقترب ، نسمة الهواء تبوح برائحة الماء وهو يرتطم ببطن الرمل ، رائحة الماء يعرفها البدوي جيداً ، والدنيا تحفظ البدوي ، بحله وترحاله ، عن ظهر قلب: تعرف غرائزه ، صيحاته ، شطحاته ، جنونه الرملي ، وتعرف سر الحنين الراسخ في نخاع القلب. رويداً رويداً راحت خطواتي تقرّبني من منازل أحبتي ، أولئك الذين زرعوا في البال حداءً ما زال يسري مسرى الدم في الوريد ، حيث صار بيني وبين بيت الشَعر رمشة عين ، وصار بيني وبين زغب القلب رَمشة شًعر: الشعر صديق الصحارى وحبيبها:
"شكراً لصحراءْ تُيَمًّم في الجنوب إلى الجنوب:
شكراً لها ، إذ تنحني ، فرحاً ، لًهَنْهنَاتً الماء في ترحال أغنيتي: شكراً لها ، كانت تذيب الرَّجْعَ في صوتي فتمتلئ المآقي
بالغيوم وبالمطر"
كعادته ، يشرع البدوي صدره لضيفه ، فتنمو على محياه حشائش لها عبق يقتاد القادمَ من بُنصر قلبه: كعادته ، يقف لتجلس ، يجوع لتأكل ، يكتم أنفاسه لتتنفس ، يرمي بأوجاعه وراء ظهره ليجلب لك الحياة على طبق من "هلا وهيل" ، فأرخيتُ أعصاب خطوتي واسترحتُ ، وعيناي لم تَوَقَّفْ عن استشراف المكان الذي أثثني ، منذ النظرة الأولى والنَّفَس الأول ، بدفء لا يمنحه أي مكان. طعم القهوة وعبقها أشهرا طيب العناق ، الهلا أثثها الهيل ، الهدوء غافله صهيل مهر حرون ، كركرة الصبية وهم يلعبون قبالة البيت أغدقت الذاكرة بالزعفران ، بيت الشَّعر شرفة واسعة تطل على المدى الذي طافت به طيور صحراوية تختفي ، ثم تلوح من وراء الغيوم بأبهتها الأثيرية وهي تحتفي برعونة أجنحتها على جسد الريح وشَعر الشمس. في بيت الشَّعر ثمة هدوء وسكينة لا تعرفها المدن المثخنة بالإسمنت والدخان: الكلام واضح كالمدى ، الوجوه نقية كالريح ، النوايا صادقة كنبْتة خزامى ، النساء يحتفين بحيائهن الأنثوي المميز ، العيون أقمار تهبط في شاطئ بحر ، الشًّعر ولدُ الغائب عن العين.
بين سؤال ، من هنا ، ومرحباُ ، من هناك ، راح كل منا يستطلع أخبار الآخر ـ نجاحاته وكبواته ، أفراحه وأحزانه ، من مات ومن بقي ، من عاد ومن رحل ـ إلى أن بدأت الشمس تهْجس بشفقها الأرجواني ، وهي تميل باتجاه الغروب ، كإبرة تَنسلُّ ، شيئاً فشيئاً ، من كومة من عهن ، فعادت قطعان الأغنام والماعز من بعيد ، بعد يوم كانت أمضته في المراعي التي أثثتها الحشائش البرية وعزْف النايات ، بأجراسها التي جاء قرعها كحفل أوركسترا صحراوية ، إذ يتقاطع ذلك الصوت مع حداء الرعاة المُطَعَّم بالحب والحنين للنماء ، وهم يركبون بهائمهم ، والشياه ـ بخط واحد ـ تغذ خُطاها باتجاه المبيت. أمام ساحات بيوت الشعر أُشْعًلَت النيران وقد ارتقى دخانها الذي لاح كخيوط مستقيمة تطاول السماء ، واختلط أصوات الصبية بأصوات النساء اللواتي رحن يتحضرن لحلْب الشياه والماعز ، بأصوات الرجال الذين راحوا يهيئون مهاجع الماشية. تعالت أصوات الصبية وهم يندحرون في بيوتهم بعد يوم كامل من اللعب في الهواء الطلق ، وما هي إلا لحظات حتى عمّ المساء ، ودبَّ الليل في جسد الصحارى الممتدة امتدادَ الظن في البصر ، ساد السكون الذي يتخلله نباح الكلاب وصوت اجترار الماشية ، وذئب على جبل بعيد يجوح.
وفي الليل البدوي تأتي الحكاية كما لو أنها لم تأت من قبل ، تجلس جنباً إلى جنب مع الجُلاس وتتقمص أرواحهم ، تقف كشجرة نخيل وحيدة في قلوبهم التي بطعم الرمل وشكل الشموس ، حيث الحكايات عن البطولات ، وعن فارس استل سيفه تقرباً من قلب امرأة لها عيون كعيون المها ، حيث الحكايات عن الراحلين ، عن الغيب ، عن القادم ، عن الفرح ، وعن الوجع ، والقهوة العربية خمر الليل ، بينما شاعر "يجرُّ" على ربابته ويغني بصوته الشجي قصيدة رجل راح للصيد من دون أن يعلم أن ولده المقرّب لقلبه ، هناك ، يتقفى الحباري ، فاصطاد طائراً منها واعتمره كمظلة عن شمس الهاجره ، فصوب الأب بندقيته لذاك الطائر ليصطاده فاصطاد ولده الوحيد:
"يانمر وين اللي بنى قصر جدي وين الصحابه يا نمر وين اهل كاف
وين السليم من النيا والتعدي والبين ما لطم اخدوده ولا شاف
من قبل منك مرود العين صدي والعين تذرف دمعها جواز وارداف
على جنين بأول العمر مدي هو مهجتي يا نمر من ورى القاف
صيدة حباري والحر زايدن بشدي وناثر من الجنحان على الراس رفراف
كن لا حلي بالزول مثل المهدّي مشعل فتيله وناهظه بين الكتاف
علمي امغيظه ما تغالط بيدي ثار الطلق من ثوعته والقلب خاف
يومن حظنته وهدب عينه مندي يخبط حمر من جوة القلب نساف
شلته بيدي والتقيته بزندي ودمعي نزل من مقلة العين رشاف
ناديت بجنح الليل على أم فهدي هييلي لقدر ما نشى البين باطراف
راحت وارجعت وما بُهْ تحدي وتقول عزراييل ماظن حدا عاف
الموت ما ينحاه كثر التفدي يرميك لاوًنْك على راس مشراف"
اعتلى القمرعلّيته ، فاستحالت الصحراء برمالها حقولاً من الفضة والقصيد ، الذي بقي الجلاس ـ إلى آخر الليل ـ يتجاذبونه ، إلى أن انسحبوا إلى بيوتهم ، والذئب على جبل بعيد يرفع رأسه باتجاه القمر ، ويجوح ، كعادته الأبدية ، التي لا يعرف سرها غير من خبر الرمال وعهد هاجرات الصحارى.
يااااا سلااااااام عليج الغاليه
اهااات وازمان عجائب ومتاهات
تسلمين على الابداع والتميز فالانتقاء
اسعدني ما شاهدته هنا من عجائب الابداع
كلمة شكر وعرفان اوجها لكي اختي الغاليه
دمتي ودام ابداعك القيم ...
لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..