عبدالناصر والعقود الأربعة
مقال خيري منصور
دار الخليج


هناك من يرون ذكرى الزعيم في يوم رحيله مقابل من يصرون على أنها توأم مولده، والأمر أعقد من أن يكون نصفي زجاجة، أحدهما ممتلئ والآخر فارغ، فحياة الزعماء وصانعي التاريخ أشبه بالأواني المستطرقة، لأن التفاصيل مبثوثة في تضاعيف العمر منذ البداية حتى النهاية .
وتشاء المصادفة، أو لعلها أبعد من كونها مصادفة، أن يتحدث الأستاذ هيكل عن أطول يوم في تاريخ مصر قبيل أيام فقط من ذكرى رحيل عبدالناصر، مما أثار مجدداً السجال حول أسباب الموت المبكر التي دفعت زعيماً مثل “شو آن لاي” رئيس وزراء الصين الأسبق إلى أن يعاقب المصريين لأنهم سمحوا، كما قال، لعبدالناصر بالموت .
وإذا كان العرب قد اعتادوا على وقفة بعد أربعين يوماً من الموت قدر تعلق المسألة بالناس جميعاً، فإن هذه الوقفة تصبح أحياناً بعد أربعين عاماً، كما هي الحال مع عبدالناصر الذي تبدو الأحداث التي استغرقت عمره كما لو أنها بحاجة إلى قرن وليس نصف قرن ونيّف فقط، وهو العمر الذي عاشه عبدالناصر مفعماً بالأحزان والأشواق والانتصارات والإحباطات، ولو كان الرجل على قيد الحياة لتجاوز عمره التسعين، وبالتأكيد لن تكون صورته مطابقة لذلك النموذج من العنفوان، فالقامة المسرحية اللافتة، والكاريزما التي اعترف بها حتى الخصوم لعبتا دوراً في جعل الرجل مؤثراً في النطاقين القومي والدولي، ونادراً ما يظل زعيم سياسي موضوعاً أثيراً للسجال حول حياته ومماته بعد أربعة عقود، خصوصاً في عصر تتسارع فيه الأحداث وأحياناً تنسخ بعضها بعضاً، فنحن نعيش زمناً كما وصفه الشاعر ناظم حكمت فقدت فيه الذاكرة تماسكها ولا يتذكر الناس موتاهم أكثر من عام .
وناصر قائد إشكالي بكل المقاييس، لهذا يتعذر اختزاله في عبارة تقع بين هلالين، ليس فقط بسبب الاستثنائية التي ميزت شخصيته، بل لأن الأحداث التي أحاطت بحياته كانت أشبه بمتوالية درامية، فالعالم الثالث ومنه العالم العربي، كان يقطع المسافة الشاقة نحو استكمال استقلاله، والحرب الباردة كانت في ذروة الاحتدام .
وكما هي الحال مع كل زعيم أحاطت به مثل هذه الأحداث الجسام، ثمة منحازون يدافعون عن المعصومية السياسية والوطنية، وثمة خصوم لا يرون ولا يتذكرون غير ما يكرس آراءهم، لكن التاريخ لا يعبأ بمن يحاولون احتكاره وتسيير مجراه نحو المصب الذي يشتهون .
وقد تكون أربعة عقود كافية للإحاطة البانورامية بتلك الفترة الحرجة من حياتنا السياسية، بل من حياة العالم كله، فالثورة التي قادها عبدالناصر جاءت بعد سبع سنوات فقط من نهاية الحرب الكونية الثانية، التي أعادت تشكيل تضاريس سياسية لكوكبنا، وبعد أربع سنوات فقط من أكبر كارثة قومية حلت بالعرب في العصر الحديث وهي احتلال فلسطين وإعلان الدولة الصهيونية على أنقاضها .
مصطلحات ومفاهيم عديدة كانت في طور البكارة خلال تلك الأيام، ومنها كلمة جمهورية التي بدت طارئة على المعجم السياسي، إضافة إلى مصطلحات أخرى بدأ العرب يتداولونها لأول مرة، مما جعل الحراك في بعديه السياسي والاجتماعي في تلك المرحلة راعفاً بالحيوية، وإذا كان من حقنا جميعاً أن نختلف أو تأتلف حول قائد ما أو فكرة ما، فإن ما ليس من حق أحد هو إعادة انتاج التاريخ أو إجباره على أن يعترف بما لم يقترف .
والأربعة العقود العجاف التي تفصلنا عن ذلك المساء القاهري الحزين تكفي لأن نرى ما حدث كما هو وبلا إسقاطات أو تصفية حسابات .