الحداد يليق بهؤلاء!
خيري منصور
القدس العربي





رحلوا تباعا، وكأنهم على موعد مع قيامة مؤجلة، منهم الاشكالي والشاعر العصامي والرسام الذي أكمل بدمه ما تبقى من فراغ لوحته. د.الجابري و د. أركون تباعدا في اطروحات حول القضايا ذاتها من الناحية المنهجية رغم الجوار الجغرافي، فكلاهما من الشمال الافريقي العربي الذي تجرع لزمن طويل مرارة السطو والغزو مثلما تجرع بلسم العصيان حتى الحرية.
وفي الآونة ذاتها ودعت مصر حامد أبو زيد الذي دفع ثمن مواقفه وطورد وهدد بالطلاق القسري، ومحمد عفيفي مطر، الشاعر الذي ولد وفي فمه ملعقة من طمي لا من ذهب او حبر والذي اهتدى الى فلسفة الاستغناء مبكرا، فعفّ عن شهرة أقل قيمة وجدوى من غبار الذهب، وتشبّث بثمرة الشعر والموقف باللسان قبل الاصابع، والفنان عدلي رزق الله الذي فرّ من ضجيج السّجال الوهمي الى عزلته المضاءة في 'كبخ 'ومات في عزّ الرسم، لأن الرسم كان ظهيرته الساطعة لكن التي ترشح منها رائحة عتمة بيضاء في أقاصي الوحدة ..
هؤلاء جميعا يليق بهم وداع آخر، وحداد آخر، وهم رواد ومجترحو طرقات في الغابة العذراء، لكن اثنين منهم كان وداعهما عن بعد، وبتلويحة متعبة من يد هدها اعياء الكتابة وبمنديل مبلل لا يستجيب حريره الغارق في الدمع والدم معا للريح ...
* * * * * * * *
كان عفيفي مطر عائدا للتو من الخرطوم قبل خمسة وثلاثين عاما ، يتوكأ على عصا سوداء من الأبنوس، وشاء لنا تزامن النفي والاغتراب ان نمكث بضعة اعوام في غرفة واحدة في بغداد، وبالتحديد في مجلة 'الاقلام'، وكانت الهدية الاولى من عفيفي لي نكتة سوداء من رجل لم يتح لاحد ان يسرق شقاء طفولته، فعندما ناديته باسمه عفيفي قال انا لست عفيفك، اما الهدية الثانية فكانت على الفور تلك العصا السوداء، والتي قد أتوكأ عليها ذات يوم، فالقبضة الأبنوسية ممهورة ببصمات الصديق القديم، وحين أخبرته بعد ذلك بعشرين عاما انني احتفظ ايضا بعصا الجنرال حسين ارشاد عندما كان رئيسا لبنغلاديش طلب مني ضاحكا ان أباعد بين العصاتين لأنه لا يطيق الجنرالات حتى لو كتبوا شعرا مثلما فعل أرشاد! وأذكر ان عفيفي تحمل برواقية اصيلة سخرية محدثي النعمة في الكتابة والحياة معا، لأنه اصر على ان يبقى ريفيا فشيّد مكتبة في منزله في بغداد من الحجارة، وسقفها بخشب من جذوع الاشجار وحين زرنا ضريح الحلاج معا، لم اقاوم رغبتي المفاجئة باستئذان حارس الضريح لكتابة كلمات على الجدار هي من أشعار الحلاج:
اقتلوني يا ثقاتي
ان في موتي حياتي ...
وكتبنا اسمينا بشكل متشابك الحروف على الحائط الذي لا اعرف اذا كان قد انهار او اخترقته قنبلة لتعيد قتل الحلاج!
وأشهد بأن عفيفي مطر أخلص لعمله في أقصى العزلة وكان يقرأ ما لا تصل اليه أيدي معظم الشعراء بسبب شغفه بالفلسفة وشجونها المعرفية، ولم يكن عفيفي من المولعين بلعبة الطاووس الأدبي، ونأى عن كل القرائن والاكسسوارات التي لاذ بها ارباع الموهوبين وأعشار الشعراء، ومات عفيفي ملدوغا بذلك الطمي الذي امتزج به دما ودمعا وحبرا، لكأن الشاعر اوتي هذه المرة من مأمنه بل من الماء الذي توضأ به وغسل به قدميه الحافيتين اللتين قطعتا عمرا من اليباب. لم يتح لي ان اودع من اهدى ابني كتابه بعبارة حميمة، هي: الى أصيل الذي كنت اول من رآه ... وبالفعل كان عفيفي قد رأى طفلي قبلي في مستشفى الولادة لأنه سبقني الى حاضنة المواليد، بعد ان قاسمني السهر ليلتين متواليتين ، في مدينة كنا فيها غرباء سرا، وان كنا ندّرع بالسخرية والتماجن اللفظي كما وصفنا الشاعر الصديق سامي مهدي في قصيدته 'الحصار' من ديوان الاسئلة ...
* * * * * * *
لم يكن عدلي رزق الله ساخرا كعفيفي مطر، لهذا لم يقل لي مرة واحدة 'انا لست (عدلك)' كما قال عفيفي 'انا لست عفيفك'، لكن ملامح راسبوتين والوسامة النبيلة التي تخفي تحت قشرتها الصلبة لؤلوة سوداء، كانت تحجب احيانا عدلي الطفل، وكأن من يتظاهرون بالقسوة انما يحاولون الدفاع كالمحارات من اللؤلؤ الهاجع فيها!
كان لدينا مشروع مشترك، عدلي وانا قبيل رحيله، فقد اختار من أعمالي عشرين نصا وبدأ يرسمها، وهو ذو تجربة رائدة في هذا المجال، بدأها مع الراحل صلاح عبد الصبور، وكان عدلي شديد الزهو بما انجزه مع صلاح، لأن الرسام كما في حالة هذا الصديق يمسك القلم بيد والفرشاة باليد الاخرى، فهو قارىء للأدب بامتيازين، امتياز المثقف الذي يعي بأن العلاقة بين الفنون ليست مجرد جوار صامت، وامتياز الكاتب الذي عشق اللغة ! لهذا كانت عبارة سيمونيدس الشهيرة وهي الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت اثيرة لدى رزق الله، وكنا قد اتفقنا على ان نصدّر بها الكتاب المشترك، ولا أدري لماذا ذكرني رحيل هذا الفنان الصديق بإحدى قصص ادغار الن بو وهي تختصر كل ما يمكن قوله عن الرسم بالدم بدلا من الألوان فاللوحة أبقى من ساكنيها سواء كانوا بشرا او شجراً او حيوانا وهذا ما يهب الفن خلوده وأبديته في كون كل ما فيه عابر!

**************
خسرت الثقافة العربية خلال الأعوام الأخيرة عددا من أهم رموزها وكان الموسم موسم حصاد وللموت في بعده السياسي مرادفات في مجالات أخرى وجو خريف رمزي يعصف بأبهى ما في الحياة من الأحياء، هذا رغم قناعتنا بأن الموت في بعده العضوي ليس نهاية لمن قطعوا أعمارهم ابداعا، فهم يفيضون عن مساحات قبورهم حتى لو كانت سعة كوكب، واحيانا تكون قيامتهم المؤجلة بمثابة انبعاث لأن ما أنجزوه يبقى ويتجدد، ويتعدد ايضا مع كل قراءة او تأويل! وما يشعرنا بالهلع بعد كل الأحوال كهذا هو الكيفية التي يتعامل بها الاحياء والورثة مع موتاهم، فهم احيانا يأكلون لحمهم، واحيانا يختطفونهم من التوابيت كي يلفقوا لهم نسبا سياسيا او ايديولوجيا، خصوصا في هذا الزمن الأعجف الذي انتصرت فيه فلسفة الاثرة والاحتكار على الايثار واصبحت في المفاضلة مراذلة، لهذا لا بأس أن نسمي هذه المدن الراذلة ديستوبيات مضادة لما نسميه لدى العالمية باليوتوبيات لأن المعيار تدنى واصبح الاقل سوءا بديلا للأفضل والأقل قصرا بديلا للأطول والأقل قبحا بديلا للأجمل.

*********************
لقد ودعناهم تباعا في عواصم منهمكة بأي شيء غير الاحتفاء بأبهى الأبناء لهذا قد يأتي يوم ليس بعيدا يموت فيه هولاء سرا لكن الوجه الاخر للحقيقة غير ذلك تماما، فما من جنازة لهولاء لم يسر فيها الشجر والحجر وان اشرقت شمس الغد فلأجلهم!!