ربي يوفقه
|
|
وليد الشحي: سينما الإمارات على موعد مع العالمية
لا تقتصر ميزة أعمال المخرج السينمائي الإماراتي، وليد الشحي، على كونها ابنة البيئة المحلية، فهو أبى إلا أن يطعم ويذخر غنى موضوعاتها المفعمة برائحة المكان والمستقية من مخزون ذكريات الطفولة وحكايات الفريج، بنهج شاعرية الصورة والمشهد، لخلق إسقاطات ودلالات رمزية تلتصق بمضمون الفكرة، فتعكس حالة تأثير جمالي يرسخ عميقا في عقل ونفس المتلقي.
هناك ملامح توجه فريد يميز ماهية إبداعك السينمائي. كيف تلخص جوهره؟ وما مكنون رؤاك في هذا الصدد؟لا شك أن إيماننا بدور وهدف أي مساق أو مجال إبداعي ننخرط ضمنه في الحياة، يرتكز دوما على فكرة توجه ومرمى معينين. وعلى هذا الأساس فان رؤيتي للسينما تنطوي على ما أجده فيها من دور محوري يؤهلها لتكون قادرة بجدارة على معالجة القضايا المجتمعية بمنحى جمالي ومؤثر، بفضل تسلحها بأدوات خطاب غير مباشر يحفر عميقا في وجدان المتلقي ليحقق الهدف المنشود.
فمنذ البداية، وفي مستهل الخطوات الأولى كنت حريصا على أن اذخر واطعم امتلاكي لأدوات الإبداع السينمائي، بروحية تنصب معها على القضايا المحلية في المجتمع الإماراتي، وهكذا فإنها مثلت وستبقى تمثل بالنسبة لي، هاجس التعبير وطموح التغيير باتجاه الأنجع والأفضل للمجتمع. أنا أرى أن السينما هي أقوم أشكال الإبداع في التأثير وإحداث التغيير المطلوب.
هي بتصوري، شغف بالالتزام المجتمعي والرؤية الجمالية معا. ومعها لا انفك دوما أجدد توظيف أفكار العمل السينمائي، لألبسها رونق ثوب عكس قضايا الناس بمعالم جديدة مشوقة، كي تقنعهم عميقا بما نستجدي من حبكة خطاب العمل السينمائي. إن السينما تمثل، من وجهة نظري، متنفسا رائعا وخلاقا لتقديم صورة جمالية مفعمة بالقيم عن المجتمع الإماراتي، في موروثه وحاضر تشابكات حياته وما يواجهه من قضايا معاصرة.
رمزية وفن
انطلاقا من تقيدك بمفهوم ومنهج محددين في هذا المجال. كيف تعرف السينمائي الحقيقي والمخرج تحديدا؟
السينمائي الحقيقي والمتمكن هو، في آن معا، ذلك المثقف والمبدع الذي يعي ويتملك مهارات فن ترجمة النص والسيناريو إلى حبكة صور ومشاهد وموسيقى، مفعمة بروحية التأثير الشعري والرموز والدلالات، دون أن يغفل عن شرط وموجه إعمال الفعل التشويقي الدرامي في مكنون عمله.
هذه هي فعلا أرضية وقاعدة شروط امتلاك ناصية الإبداع الخلاق في المجال السينمائي. هكذا أتصورها، فبدون الثقافة والإلمام المعرفي لا يمكن للمخرج والكاتب في السينما، إيجاد وتجسيد إسقاطات ذكية تلتزم وحي القضية التي تُعالج.
وكذلك بدون شاعرية الإحساس بقيمة ودور وتأثير الصورة، لا يمكن توليف منوال إبداع يشد المتلقي ويحفر عميقا في التأثير فيه، ولهذا طبعا شرط جوهري، وهو أن يتذوق ويدرك قوة تأثير اللون وتفاصيل رسم عمله، فهو بشكل أو بآخر، مطالب بأن يكون أيضا فنانا تشكيليا.
إنها عمليا شروط واقعية ضرورية ولا تشكل نوعا من الترف أو الإضافات الكمالية الى صفات السينمائي، ذلك لأنها أدواته الاشتراطية الحتمية، لتكفل قدرته على خلق قوة رمزية رسالة عمله، وفق دلالات غنية.
«باب»
ما أقرب أفلامك إلى قلبك؟ ولماذا؟
جميع أعمالي قريبة مني وتستمر لصيقة بقلبي وفكري، فأنا لا استرجع وأعايش أحداثها ومجرياتها بشكل دائم. ولكن هناك بالحقيقة فيلم «باب» أشعر انه ميز تجربتي بوهج خصوصية مغايرة، وهذا في ظل توجه وبنائية موضوعه، وكذلك ما بذلته من جهد فكري وعملي ميداني في انجازه. وطبعا إلى جانب تمثيله لصورة اختمار مرحلة تراكم تجارب إبداعية مهمة في مشواري السينمائي.
واذكر أنني عندما كنت انكب على انجازه، حيث بقيت 3 سنوات أصور مشاهده، كنت أتمنى ألا انتهي منه لأبقى مستمتعا في العمل فيه. لان في جوهر تفاصيله تكمن لذة حرفية العمل وقيمة التجسيد الخلاق للفكرة. شعرت انه لامس بشفافية هموم الناس، وكنت أتمتع وأنا اعكس الفكرة بالكاميرا.
التزام
ما الذي حققته ولمسته من نجاحات اتساقا مع هذه الرؤية التي تتسلح بها؟
مؤكد أن المشوار ما زال في محطات البدايات بالنسبة لي، إذ لدي الكثير لأنجزه وأقدمه في هذا الشأن. ولكن ابرز النجاحات حتى الآن، أنني، ومع جميع زملائي من السينمائيين الإماراتيين، وفقنا وبجدارة في صقل وتأسيس نمط خط سينمائي عربي جديد مميز، يتمثل بالسينما الملتصقة تماما بقضايا وحياة المجتمع الإماراتي والخليجي، وهي بهذا جزء من مكون السينما الخليجية عموما.
فانا مثلا في الكثير من أفلامي، صورت روعة قيم المجتمع الإماراتي بإرثه وعلاقات الناس فيه. جهدت لان أعكس ملامح الحياة في الفريج، لأقول حكايات ذاكرة الطفولة وألفة الناس.
لأصور نمط الشخصيات التي ألهبت وألهمت وجداننا وحياتنا. ومن هذه الركيزة بنيت أكثر لانطلق في عقد مقارنات أبث معها هواجس وإشكالات الحاضر، وآلية الالتقاء المثالي بين الموروث وأجندة الحداثة. إن همي الدائم هنا التفتيش عن صيغة توليفية ملائمة تزاوج بين الاثنين بصيغة مثالية قويمة.
جذور
كيف تستقي فكرة موضوعات أعمالك؟ وما مراحل حبكة إنجاز مضمون العمل وآليات تجسيده كاملة؟
كما ذكرت. أنا ملتصق ببيئة المجتمع الإماراتي في هذا الخصوص. موضوعات أعمالي وأفكارها المختلفة هي ابنة الواقع المعاش، إنها عكس صادق للمشاهدات والمعايشات اليومية، تصوير صادق لحياة الناس.
هي ثمرة اختمار تفتيشي وبحثي الدائمين عن جذور أية ظواهر مجتمعية. ابنة شرعية لمراقبتي لعب أطفالنا في الاحياء، وطبيعة الاختلافات بين الحاضر والماضي، لصور الطبيعة، ومنظر البيوت القديمة والحديثة.
وهي أيضا متابعة لحال المرأة الإماراتية وطبيعة تغير اطر واتجاهات متنفس إبداعها وعطائها في المجتمع. كذلك رؤية الناس وتعاطيهم بين بعضهم، ومناخات التقارب الاجتماعي.
أعمالي كل متكامل تنسج صورة للمعاناة وأخرى للفرح، تحكي عن قضايا وطنية متنوعة تمثل هموم البلد ومخاوفه من الكثير من التهديدات والأخطار، ولكن بثوب خطاب جميل أداته الجمال ولسان حاله الرؤية الاجتماعية.
لا توقف
هل من معوقات وحواجز تعترض طريق السينمائيين الإماراتيين؟
أولا، نحن نعاني كثيرا من ضعف التمويل، كون السينمائيون لدينا، وبنسبة غالبة، تجدهم يصرفون من جيبهم أحيانا على مشروعات أفلامهم. ورغم ذلك فهم لا يأبهون، والمهم بالنسبة لهم تحقيق هذا الإنجاز وبلوغ الهدف.
ولكن هذا حقيقة أصبح يشكل عبئا يقيدنا جميعا، ويحدد قدرات وافق إبداعنا، ويجعلنا نغرق في طامة الديون، والانشغال للتفتيش عن مصادر تمويل، ويكلفنا ذلك عقل الفكرة وخنق رؤى الإبداع.
وهناك قضية أساسية هي ضعف توفر أطر وهيئات التعليم والتدريب التخصصي في مجال السينما، فحتى الآن لم يلتفت في الإمارات إلى ضرورة إيجاد معاهد وكليات تخرج كوادر وطنية متخصصة في السينما. معظم كوادرنا من أصحاب الخبرات في المسرح، وهذا لا يعني أنني انتقص من تميز إبداع هؤلاء، بالعكس فهم اثبتوا جدارة نوعية، ولكن المسرح شيء والسينما شيء آخر، لكل منهما مجال تخصصه وأدواته ومناهجه العلمية.
وهكذا فإننا بحاجة ماسة إلى توفر ممثلين سينمائيين متخصصين. إن السينما عالم خاص متكامل ولا بد لمن يشتغل بها أن يكون معدا ومدربا بوجهة أكاديمية متقنة ودقيقة، ما يعني ضرورة إيجاد المعاهد والكليات المعنية بتدريس مجال العمل السينمائي في الإمارات. وأخيرا هناك قضية جبن الاستثمار في السينما من قبل القطاع الخاص.
فنحن لا نجد أي اندفاع من قبل رجال الأعمال للاستثمار في السينما. ومازالوا متخوفين ولا يؤمنون بقدرة هذا القطاع على النجاح التام، ربما هم معذورون إلى حد ما، ولكن هذا لا يعني الامتناع التام وإيقاف أية أوجه مبادرات.
لا بد من أن يؤمن رجال الأعمال لدينا بان هذا القطاع حقق انجازات كبيرة، ويجب أن نراهن على الاستثمار فيه، لا مفر من العمل على توفير قاعدة إمداد ودعم مادي ومعنوي للمبدعين السينمائيين الشباب، غاية جعل ازدهار هذا القطاع الفكري، حقيقة وواقعا ملموسين، وذلك بالتعاضد بين مختلف شرائح المجتمع.
صناعة عالمية
كيف ترى مستقبل السينما الإماراتية في المدى المنظور؟
قطعنا أشواطا مهمة كسينمائيين في الإمارات، إذ أصبحت تلمس بشفافية تقدم وارتقاء الذائقة والثقافة الفنية السينمائية لدى الناس في مجتمعنا. وبات الجميع يتابع جديد الأفلام الإماراتية، مترقبا ومحللا ومفككا لمضمونها بمتعة حقيقية، فأخذ كل فرد يبحث في منحى ما تطرحه من قضايا ورؤى. وأبرز برهان على ذلك الجماهيرية الكبيرة حاليا للفيلم الإماراتي، محليا وخليجيا وعربيا.
وأيضا توجه الكثير من المبدعين الشباب الإماراتيين إلى هذا المجال. حقا بتنا ننمي ونربي ذائقة جمالية سينمائية لدى الناس في المجتمع الإماراتي، ونربطها في الوقت نفسه بحس الالتزام بهموم وقضايا وحاجات المجتمع. رسالتنا أصبحت مؤثرة بعمق، ولنا هنا أن نعرف أن السينما الإماراتية، ورغم كونها فتية، حققت انجازات مهمة، فها هم سينمائيو الإمارات ينالون الجوائز في ارفع مهرجانات السينما بأوروبا وأميركا وآسيا والعالم العربي.
كثير من الجهات والمهرجانات المتخصصة بالسينما في العالم أخذت تحرص على مشاركة تجارب سينمائية إماراتية فيها. وهذا بفضل نوعية هذا النتاج وشفافية وقوة عكسه لقضايا المجتمع بصيغة مميزة.
لننظر إلى ازدياد عدد المهرجانات لدينا، هناك أربعة مهرجانات سينمائية أو أكثر في بلد هو في طور البدايات في هذا المجال. إنه إنجاز نوعي. ولكن للإنصاف أريد الإشارة إلى أن هذا لا يعني أنها مسيرة تامة متكاملة تخلو من أية شوائب أو عقبات، إلا أنها، ومع ذلك، تجاوزت أية حواجز، فتموضعت في مواقع مهمة في مشهد النتاج السينمائي العالمي.
مؤكد أن المستقبل مشرق ويعدنا بالكثير من الازدهار والنجاحات المضاعفة في الإبداع السينمائي بالإمارات، شرط أن نبني على ما حققناه ونطوره دوما، والمهم ألا نتوقف عند حدود معينة نكتفي بها، فلدينا إمكانات وخامات نوعية، وهناك طموح وإرادة فريدان لدى سينمائيينا، ما ينقصنا فقط هو بعض التوسع في تنوع جهات وشبكات الدعم، وهذا حتما لن يعيقنا أو يكبلنا.
أنا لا أغالي إذا قلت إننا وضعنا رجلنا على الطريق الصحيح في اتجاه الحضور القوي ضمن مجال صناعة السينما عالميا، ولكن المشوار طويل ولا بد من الانتظار والخطو بتمهل وبنهج علمي، لنكلل ما انجزناه حتى الآن.
ربي يوفقه
شاكـرة ارتشافاتك السينمائية،،
دمت برقي،،
الامزيد من الابداع والتميز ان شاء الله بالتوفيق
والى الامام ,,,
شاكره لج النقل المميز
دمتـــي بخير وسعادهــ...
لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..
أسعدني تحليقك بين الحوار السينمائي للمبدع وليد الشحــي،،
دمت بود،