|
|
على نحو ما، قد تبدو محاكمات قيادات النظام السابق في العراق، شبيهة بمحاكمات نورمبيرغ الشهيرة التي أجراها الحلفاء لقادة ومسؤولي النظام النازي في ألمانيا بعد الانتصار في الحرب العالمية الثانية.
لكن الشبه لا يذهب أبعد من هذا، فعلى أكثر من وجه، فإن إعدام مسؤولي النظام السابق في العراق ليس إلا سلسلة جديدة في خاصية عراقية صميمة حكمت تاريخ العراق الحديث.
على هذا النحو، لا يبدو حكم الإعدام الصادر بحق وزير الخارجية العراقي الأسبق طارق عزيز شبيها بحكم إعدام وزير خارجية النظام النازي فون ريبنتروب مثلاً. والفارق ليس في مقارنة سجل الرجلين مثلا وأدوارهما في الحكم، بل لفوارق جوهرية بين الوضع في ألمانيا غداة الحرب العالمية الثانية والعراق الذي يراد إنشاؤه من جديد على أنقاض نظام البعث.
في 27 يناير 2007، وفي هذا المكان، كنت أجادل في مقال بعنوان «الفخ العراقي»، بأن بناء العراق الحديث يستدعي من وجهة نظري التصدي لخاصية صميمة ملازمة للتاريخ العراقي الحديث؛ أي وقف دورة الدم التي طبعت تاريخ العراق الحديث منذ سقوط الملكية على الأقل في 1958.
أدرك تماماً أن هذه مهمة ليست عادية، بل استثنائية، وأدرك تماماً أنها تتطلب تضحيات لن يقررها سوى قادة يملكون رؤى بعيدة المدى وتبصراً حقيقياً وإحساساً عالياً بالمسؤولية حيال مستقبل العراق. أجادل مدفوعا بحقيقة أثبتها التاريخ دوما وهي أن بناء بلد وإعادة اللحمة إلى شعب يعيش حالة احتراب وتعرض لمثل ما تعرض له العراقيون، مهمة ستبقى على الدوام مهمة ليست عادية على الإطلاق. مهمة استثنائية تحتاج لقادة استثنائيين.
دورة الدم التي حكمت تاريخ العراق الحديث، بقيت مستمرة منذ 1958 على الأقل. فمن بين خمسة رؤساء للجمهورية، لم يتوف أي منهم بشكل طبيعي إلا اثنان:
عبدالرحمن عارف في الستينات، وأحمد حسن البكر الذي أزاحه صدام حسين عن الحكم عام 1979. أما الباقون، فقد ماتوا بشكل غير طبيعي، مقتولين في انقلابات وحملات ثأر. فمن قتل أفراد الأسرة الهاشمية وسحل نوري السعيد في الشوارع، مروراً بالتمثيل بجثة عبدالكريم قاسم واغتيال الرئيس الأسبق عبدالسلام عارف، وبكل ضحايا نظام البعث السابق، وصولاً إلى إعدام صدام حسين نفسه.
وتالياً عدد آخر من مسؤولي نظامه، يثبت حكام العراق الجدد أنهم ليسوا أفضل حالا من النظام الذي خلفوه. بل إنهم ينتمون لذهنية وثقافة واحدة، تجعلهم لا يستوعبون هذه الخاصية الملازمة للتاريخ العراقي التي يتعين وقفها، ودونها سيبقى تاريخ العراق سلسلة ثأر مستمرة.
تزامنت أحكام الإعدام الأخيرة التي شملت طارق عزيز وعدداً آخر من مسؤولين أو مقربين من الرئيس الراحل صدام حسين، مع فضيحة وثائق البنتاغون السرية التي كشفها موقع «ويكيليكس». وهي فضيحة نموذجية للحكومتين الأميركية والبريطانية اللتين شنتا الحرب والحكومة العراقية. إنها فضيحة جديرة بأن تدفع للتساؤل عن الكيفية التي يفكر بها خلفاء صدام حسين وتصورهم للعراق الذي ينوون بناءه.
وفيما بدأت الفضيحة تهز الحكومتين الأميركية والبريطانية، فإن رد فعل الحكومة العراقية لم يزد على النفي والإنكار. رد فعل لا علاقة له بأي حكومة ديمقراطية، بل وبأي مفهوم من المفاهيم التي تتصف بها الحكومات الديمقراطية. فعلى الأقل لم تصدر الحكومة العراقية بياناً مقتضباً تقول فيه إنها بصدد التحقيق مثلاً في ما جاء في الوثائق، بل الإنكار.
وإذا استذكرنا الحكومة العراقية المؤجل إعلانها منذ شهور وحتى اليوم، فإن حكام العراق الجدد يبرهنون مجددا أنهم أخفقوا من جديد في إقناع العراقيين والعالم بأنهم يرسون أسس عراق ديمقراطي، وأنهم يتمثلون الديمقراطية أبعد من الذهاب المتكرر إلى صناديق الاقتراع.
فمأزق تشكيل الحكومة العراقية إن كان يثبت شيئاً، فهو يثبت أن الطبقة السياسية التي تسود العراق اليوم، لم تتخلص بعد من ميراث الاستبداد المتأصل في العراق، وأن السلسلة التاريخية للثأر هي القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع العراقيين.
تستوقفني ردات فعل «الإنكار» و«النفي» ونبرة التشكيك في صدقية وثائق البنتاغون السرية هذه، فالذاكرة ما تزال حية، والتاريخ قريب، والأميركيون أثبتوا منذ اليوم الأول أن التجاوزات والانتهاكات تم ارتكابها منذ اليوم الأول لاحتلالهم للعراق، وتكاد أن تكون الأصل، وليس الاستثناء. هل نسيتم فضيحة «ابوغريب»؟
إن ردة فعل الحكومة العراقية تجاه هذه الفضيحة الجديدة، تثبت مجدداً أن الإحساس بالمسؤولية تجاه شعب وبلد بأكلمه ما يزال يقاس بالأشخاص وما يمثلونه، وليس بالمبادئ التي يتعين إرساؤها في العراق الجديد.
فالتلكؤ في الاستجابة لما قررته صناديق الاقتراع، يبقى أمراً خاضعاً للنظر والمساومات الشاقة، فقط لضمان ان يكون رئيس الوزراء شيعيا بمنطق المحاصصة الرائج منذ الاحتلال.
بمثل هذا التلكؤ تتم التضحية بقيمة جوهرية للديمقراطية هي احترام صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، لحساب منطق يختزل العراق إلى شيعة وسنة فحسب. منطق لا يفعل سوى أن يباعد بين العراقيين وبين الإيمان بالديمقراطية نفسها؛ إذ يحولها إلى بضاعة للمساومة على أحقية الطوائف في الحكم.
لم أكن في يوم ممن يكنون ذرة إعجاب بالنظام السابق، وقبيل غزو العراق، كنت أجادل معارضا الغزو بأن مصير النظام يقرره العراقيون أنفسهم، وليس قوة خارجية، أياً كانت المبررات.
وكان آخرون يجادلون بأن العراقيين اضعف من أن يقرروا ذلك ولابد من قوة اكبر تنهي المحنة العراقية وتوقف تردي البلد. الآن فإن ما يجري منذ الغزو وحتى اليوم، يثبت أن جزءاً من حجة هؤلاء صحيح على سبيل النقاش فحسب، فيما جزؤها الآخر يثبت بشكل لا جدال فيه أن ذلك لم يكن سوى وهم.
بقلم :محمد فاضل
ما بال بعض الناس صاروا أبحرًا
يخفون تحت الحب حقد الحاقدين
يتقابلون بأذرع مفتوحة
والكره فيهم قد أطل من العيون
يا ليت بين يدي مرآة ترى
ما في قلوب الناس من أمر دفين
يا رب إن ضاقت الناس عما فيا من خير
فـ عفوك لا يضيق
(((( راشد ))))