النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

  1. #1
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

     

    ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

    * الدستــور الأردنيـة






    جلال برجس

    "دعيني أكتشف ، طويلاً ، طويلاً ، رائحة شَعرك ، وأُغْرًق ، فيه ، وجهي كظامئ إلى ماء نبع ، وأداعبه ، بيديّ ، كمنديل عًطْر ، كي أهزّ الذكريات في الفضاء. في موقد شعرك الملتهب أتنشق رائحة التبغ ممزوجاً بالأفيون والسكّْر ، وفي ليل شَعرك أبصر تألق اللانهائية في السماء الاستوائية الصافية. وعلى ضفاف شعرك أنتشي بالروائح المضمخة بالقطران والمسك وجوز الهند".

    شارل بودلير شاعر فرنسي

    تغفو الذاكرة ، أحياناً ، على زند الوقت. وغَفْو الذاكرة استراحة طائر ، يتَّخذ كوّة في جبل بعيد ليرمي ، عن جناحيه ، وزن الريح. تغفو الذاكرة فيغفو نبض بعض الأشياء ، فينا ، لتهدأ وتستريح هي الأخرى. الذاكرة بنت الزمان وحارسة المكان. والأشياء ، كل الأشياء ، عصافير تحلّق في سماء "الزمكان" تجني ثمار حياتها هناك في تقاطعات لانهائية ، وعندما تموت تلك الأشياء ، من تقاطعات الملموس ، فإنها تحيا في تربة الذاكرة وقد ارْتَدَتْ بزهو عباءة المحسوس ، وصعدت كصفصافة نَهراً ، لتبقى تَرْتَدّ فينا على شكل صَدى يتقافز ، ككرة من هُلام ، بين عوالم ملموساتها وفضاءات المحسوس ، لنعيش التقاطع بكل توهجاته ، انشطاراته ، فرحه ، حزنه ، أسوده ، أبيضه. تغفو الذاكرة ويغفو نبض الأشياء فينا ، لكنها كمن يغفو وهو يدرك أن دبيب نملة يمكن له أن ينهر الصَحْوَ فيه ، تبقى الذاكرة عُرضة لصحْوًها المفاجئ ، كرائحة تجيء على شكل نوتة موسيقى تعزفها أناملُ خفية تُشْرًعُ أبوابَ خزانة الذكريات على مصراعيها ، فتنهال أشياؤها ، مرة واحده ، ليصير التذكّر إيقاع أغنية يُوَظّبها ولدُ "الزمكان" الذي نراه ولانراه.

    "رائحة الكتاب وذكريات المدرسة"

    عندما أمسكتُ بكتاب مدرسيّ جديد ، هجمتْ على رئتيّ رائحته التي تجيء ، بفعل عملية الطباعة ، ثم ضجَّتْ في رواق البال مقطوعة من قصيدة لشاعر لا أتذكر أسمه (طفولتي باقة روائح) أمسكتُ بالكتاب ، أرخيتُ صفحاته لحركتها الأثيرية ، جاءت الرائحة ، شَهَقْتُ بها وما زفَرْت ، فأشرعَتْ الذاكرةُ أبوابها:

    كنتُ أستعجل طلوع الشمس ، أراقب ، بين الفينة والأخرى ، الأشياء في الخارج ، عبر النافذة التي تطل على حوش البيت الذي نَمَتْ به ، و تمددت على جدرانه حشائش ونباتات ، أعود الى فراشي وأفكّر بأول أيام المدرسة ، ثم أنهض باتجاه النافذة ، إلى أن غفوت لأصحو ، من بعد ذلك ، على صوت أمي وهي توقظني بكلماتها الهلامية: "قوم يا وليدي ، ما ودك تروح عالمدرسة؟" على عجلة من أمري تناولت إفطاري ، زيتاً وزعتراً وبضع حبات زيتون إلى جانب شرائح من الجبن البلدي وكأس شاي مطعّم بالنعناع.

    لم يكن إفطاراً باذخاً ، إنما كان احتفاء بيومي الأول. عَبَرْتُ بوابة الحوش أحمل حقيبتي المدرسية ، التي خَلَتْ إلا من دفاتر وأقلام ومسطرة وممحاة ومبراة. كنتُ أراقبني بلباسي الجديد ، قصّة الشَّعر الجديدة ، ومصروفي المدرسي الباذخ ، أنذاك (قرشان ونصف) كمن يزدهي بالأرض وهي تدور حول قلبه ، كنت أزدهي بي ، نظرتُ ورائي ، كان أبي يلوّح لي بيديه ، وكانت أمي تجفف دموعها بطرف ثوبها ، مررت ببيت جدّي ، كانوا يجلسون كعادتهم الصباحية أمام البيت حول نار اعتلاها إبريق شاي إلى جانب حليب الماعز ودلّة القهوة ، لوّح جدي بكوفيته وهو يحثني على المضيّ قدماً نحو جهاتي ، وانطلقت العبارات من الأعمام كما لو أنها أجنحة أهدتني فعل التحليق. في باحة المدرسة كنا نصطفّ ، واحداً تلو الآخر ، رحنا نردد النشيد الصباحي بمعية من سبقونا في المدرسة. كنت أردد النشيد كما لو أنني أحفظه عن ظهر قلب ، وصوتي يعلو شيئاً فشيئاً. في قاعة الدرس كل منا اتخذ له مقعداً ، كانت ذاكرتي ككاميرا تسجل كل شيء بلهفةْ بكر: رائحة المقاعد الخشبية ، رائحة الطبشور ، رائحة الكتب التي عهدوا لنا بها ، جديدة برّاقة ، رائحة عطر الأستاذ وهو يحثنا على المحافظة على الكتب. كل شيء كان له طعم ووقع استثنائييْن. كانت حقيبتي المدرسية ، في طريق العودة ، ثقيلة جعلتني أتثاقل في خطواتي ، وأنا أنظر ورائي إلى المدرسة تارة ، وإلى أمي وهي تقف أمام البيت تنتظرني ، تارة أخرى. احتضنتني وهي تغالب دمعها السخي ، وحملت حقيبتي عني ، وراحت تشهق ، بعبقها ، ولم تزفر.أغلقت الكتاب فصحوت ، وما زال وقع الذكريات يدب خُطاه بمعية نبض قلبي ، نبضة نبضة ، ذكرى تلو ذكرى ، فَرُحتُ أخطّ في رأس الصفحة شيئاً من شعر:

    "وكأنَّ بي صحواً جديداً ، لدنيايَ

    أستفيقُ ، الآن.

    يا رائحة الكتاب ، خذيني ، من جديد ، نحو الطفولة:

    أعيديني ولداً يفهم لغةَ الحَمام ، الطيور ، الشموس ، الجبال ، باب البيت ، مقاعد الدرْس.. يا رائحة الكتاب ، خذيني هناك ، للحوش: حوش المدرسة ، حيث رَمت أمي سُرّتي للغمام"

    "رائحة الميرمية ، وحكايات حول مدفأة الحطب "

    عندما يُقبل الشتاء تتهيأ دواخلنا لطقوسه: يدّ ما تنْفُض غبار الصيف ، عن أثاثنا الداخلي ، هناك في أغوار النفس: يدُ ما ترتب فينا الورقَ ودواة الحبر. الشتاء ولد شاعر ، الشاعر ولد شتائي ، هكذا كنتُ أهجس ، وأنا أمرّ بمحل الخضار ، إذ استقبلتني رائحة الميرمية كبيان ، من مطر ، نَهَرَ الذاكرة فاستشاطت حنيناً وذكرى:

    كأنَّ عًرقاً من بطن السماء على حدّ تعبير جّدتي قد انقطع. مطر غزير غزير ، كأنه صهيل السماء ، كأن السماء حصان كوني. كُنت تسللتُ من بيتنا باتجاه بيت جَدّي ، من دون علم أمي ، صَعَدْتُ الدرجات التي اقتادتني إلى (البرندة) التي ، من بوابتها ، عليَّ أن أنحني إلى اليمين ، حيث (الديوان) الذي يتجمع الأعمام به بمعية جدّي حول مدفئة الحطب. إلى جانب الديوان اصطفّت غرفتان تتجهان إلى اليمين من نهايتهما غرفة المطبخ والخزين ، هكذا كان الطراز المعماري لمن يعيشون البداوة والريف في آن واحد. من سطح كل غرفة كان يهبط مزراب ينشج بالماء. أربعة مزاريب رأيتها في تلك اللحظات مثل نَايات كبيرة تعزف لحناً مائياً ، والصهيل ، بي ، كفراشة ينهرها الضوء فتحلّق ، إذ رأيتني أركض تحت المزاريب ، واحداً واحداً ، أزمًّلني بالماء ، ثم أقف في منتصف (البرندة) التي التفّ حولها صور من حجارة قديمة ، أفتح فمي أتذوق طعم المطر وأشهق بموسيقى من ماء. يقولون إن المطر الغزير يصيبُ بدوخة ، وكأنني أصبت بها ، ربما بدوخة موسيقى من نوع آخر ، فوجدتني قرب المدفئة مزمّلاً بفَرْوَة جدّي ، وقد نَزَعت عني جدتي ملابسي التي أبتلّت بالماء ، إبريق شاي من الحجم الكبير اعتلى مدفأة الحطب ، سكبتْ جدتي بضع كاسات ، حيث فاحت رائحة الميرمية التي توحي بالدفء. أتى صوت الرعد من الخارج مُدَوًّياً بعد أن شَجَّ السماء برقّ بحجم الوقت. من صَحن قرب المدفأة أعطتني جدتي حبة (مَدوق) ، وهو عجين الزبيب بالجوز ، مضمخماً بالسمن البلدي ، قدَّمَتها لي استجلاباً للدفء ، شَرَع جَدّي يقص حكاية بدوية:

    (تزوّج أحد رجال البادية من امرأة ثانية ، وبعد مضي سنوات بدأ الشك يحز قلبه بأن زوجته الثانية لا تحبه ، وقلبها مرهون لرجل آخر ، فلجأ إلى عجوز طاعنة في الحكمة ، فارشدَته إلى أن يجيء بأفعى ويضعها في منامه حتى يوهم زوجته بأنه ميت. وقام ذلك الرجل بما أرشدت إليه العجوز ، فجاءت زوجته تستفيقة من النوم ، فرفعت الغطاء بعد أن شكّت في الأمر وهو لا يجيبها. صرخت وهي ترى الأفعى معتقدة أن زوجها قد فارق الحياة ، فقيل إنها في أثناء صراخها ، وندائها على ابنه من زوجته الأولى ، واسمه زيد.. قالت هذه القصيدة:



    "يا زيد.. رد الزمل باهل عبرتي على أبوك عيني مايبطل هميلها

    أعليت كم من سابق قد عثرتها بعود القنا والخيل عجل جفيلها

    واعليت كم من هجمه قد شعيتها صباح والا شعتها من مقيلها

    واعليت كم من خفره في غيا الصبا تمناك ، يا وافي الخصايل ، حليلها

    سقاي ذود الجار لا غاب جارد واخو جارته لا غاب عنها حليلها

    لا مرخى عينه يطالع لزولها ولا سايل عنها ولا مستسيلها"

    فتأكد الزوج من محبة زوجته ، إذ كشف لها عما أراد ، لكنها غضبت بعد أن كشفت عن مشاعرها ذلك الكشف الذي كان غير مستساغ ، في تلك الأيام ، فحلفت أن لا تعود له إلا عندما "يكلّم الحجرُ الحجرَ والعودُ العودَ" ، فلجأ إلى العجوز نفسها ، التي أشارت عليه أن يأتي لها بالرحى التي بها يكلم الحجرُ الحجرَ ، أثناء طحن الحبوب ، والربابة التي ، أثناء العزف عليها ، يكلمُ العودُ العودَ ، فعادت إليه.

    "عطر رومانس ، ومكان اللقاء الأول"

    وأنا أنهمك بكومة أوراق على طاولة العمل ، في مكتبي ، تسللتْ إلى شرْفة القلب مسحة من عطر أثيري ، فانتبهتُ ، انتبه القلب ، جفلَ واستشاط. إنه عطر رومانس ، فأرخيت رأسي على طاولتي ، ورحت أتذكر:

    كانت تنتظرني ، في موقف الحافلات ، اقتربت منها ، مددتُ يدي فصافحتُ القصيدة. في عينيها رأيتُ بحراً بلا نهايات ، فشهقتُ بالريح وناديتُ في سرّي أن استشيطي ، ففي جعبة القلب شراعي الذي جهزْته منذ لثغتي الأولى. همستُ لها: "هل نذهب؟" فأومأت برأسها ، وكلماتها تتناثر كحبات لؤلؤ: "نعم نذهب". في المقهي كانت فيروز تغني ، وكان الصيف يَلبس قميص المساء. قالت: "قهوة ، حلوة قليلا". فطلبت فنجانين. فيروز وصَيف يلبس قميص المساء ، وقهوة حلوة ، وهي. أووووووووه ، كم كان الله يحبني، قالت: "أريد سيجارة" ، فأشعلت لها واحدة ، ورأيتها تدندن ، بمعية فيروز ، كأن نادل المقهى كان يعرف أن المساء ، بيني وبينها ، صباح.. أن الظهيرة ، بيني وبينها ، صباح.. أن الصباح ، بيني وبينها ، صباح. لم نكن نرى إلانا ، وكأن بقعة ضوء سقطت على طاولتنا ، فقط ، وكأنه اختزال زمني استثنائي. قلت لها: أفتش عن مفردة تختصر شمس حبي لك أكثر من كلمة أحبكً". قالت: "أنت أناي". قلتُ: "نحن الأنا ، أنا واحدة فقط". مددت يدي ، أمسكت يدها ، شَهَقتُ. شَهَقَتْ وبقعة الضوء ما زالت تضيء طاولتنا ، تضيء استثنائنا الزمني ذاك. رأيتنا فقدنا حبل الكلام ، فرحْتُ أعزف على أناملها ، كما لو أنها أصابع بيانو ، قطعة موسيقى نَمَتْ ، آنذاك ، في تربة قلبي. كنا نسير في الشارع بعد أن غادرنا المقهى ، وكفّي يحتضن كفها ، وإيقاع عمان ، في الليل ، يصلح لعاشقين يودان لو يقف ولد الزمن عند لحظتهما الاستثنائية. عند باب البيت ، عندما ودعتها ، رأيت شجرة صفصاف صغيرة تتمايل ، رغم أن الريح خانسة في مهدها.

    رفعت رأسي التي كان سكنت وجه الطاولة ، وعطر الرومانس يطوف بقلبي كحمام يطوف بشجرة خضراء ، برأس الصفحة كتبتُ:



    "أيها العطر ، كيف امتشقْتَ قامة الذكريات؟

    تجيء ، الآن ، لي كاملة ، كاملة ، من دون نقصان:

    وجهها الأبدي في مرايا القصيدة ، أناملها التي استحالت إلى بيانو قال موسيقاي.

    أيها العطر ، قم ، الآن ، واخرجني من مداري:

    قم ، الآن ، وأعطني ما تبقى من عَرَق اليدين ، وكلاماً على شفتيها لم يُقَل." شاعر وكاتب أردني

  2. #2
    عضو ذهبى الصورة الرمزية فضائي
    تاريخ التسجيل
    27 - 9 - 2008
    المشاركات
    2,122
    معدل تقييم المستوى
    107

    رد: ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

    أود ان أضع توقيعي على زمكان هالسطور

    حلقت في الأجواء بتذكرة مجانية هي دخولي هذه الصفحة

  3. #3
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

    عزيزي فضائي
    عطرت الأمكنة بوجودكـ،،،
    غرفت من الوجود أجمله،،
    دمت برقي،،

  4. #4
    مشرفة سابقة
    تاريخ التسجيل
    9 - 7 - 2009
    الدولة
    دار القواسم=
    المشاركات
    13,119
    معدل تقييم المستوى
    279

    رد: ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

    اسعدني التحليق هنا وهناكــ فرايت مايسر ناظري


    لكي مني فائــــق الـــود....
    لا تحاصر نفسك بالسلبيات ولا تحطم روحك بالحزن والاسى ..
    استفد من فشلك وعزز به تجربتك ..
    توقع دوما الخير ولو صادفت الفشل ..

  5. #5
    مشرفة المجلس الأدبي والثقافي الصورة الرمزية رذاذ عبدالله
    تاريخ التسجيل
    8 - 6 - 2008
    المشاركات
    21,741
    معدل تقييم المستوى
    476

    رد: ثلاث روائح وثلاثة أمكنة

    أشرقت شمس الأمكنـة،،
    جمال يفيض بوجوده،،
    دمت بسعادة،،

ضوابط المشاركة

  • تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • تستطيع الرد على المواضيع
  • تستطيع إرفاق ملفات
  • تستطيع تعديل مشاركاتك
  •