مضادات حيوية للعُنف
مقال المبدع خيري منصــور
دار الخليج
لم تكن الحياة ذات يوم على سطح هذا الكوكب سلاماً خالصاً محرراً من شوائب العنف وشتى أصناف الشرور، فالأسطورة مهدت للتاريخ كي يتولى الرواية، بدءاً من هابيل وقابيل حتى آخر الحروب، لكن البشرية سعت عبر مختلف الأساليب إلى تدجين العنف، مثلما سعت إلى الحدّ من كل المصائب من خلال الاستباق، وقد يكون التاريخ بمجمله هو ملف هذه المحاولات رغم أن مؤرخاً بارزاً مثل ويل ديورانت يقول إن السلم هو الطارئ، أما الحروب فهي الشيء المقيم، وحين قدم إحصائية بعدد الحروب التي عاشتها الإنسانية وجد أن استراحات المحاربين كانت مجرد هدنة لاعادة شحذ السلاح، بدءاً من السيف مروراً بالمنجنيق وحتى الصواريخ الذكية في حروب أيامنا .
وإذا كانت هناك شرور لا سبيل إلى استئصالها من الجذور، فإن أضعف الإيمان هو محاولة فهم دوافعها وبالتالي الاتقاء منها سواء من خلال تلقيح الناس بمضادات ثقافية لها أو استدراك ما أمكن من عواقبها .
وما يقال منذ عشر سنوات عن العنف أو الارهاب رغم غموض هذه المصطلحات ومرونتها المطاطية هو أضعاف ما قيل أو كتب عن هذه الظاهرة في القرون الثلاثة الماضية .
ليس فقط بسبب وفرة المنابر ووسائل الاتصال، بل لأن هناك مصالح واستراتيجيات سياسية تسعى أحياناً لجعل الحبة قبة كما يقال، وذلك لتسويغ قرارات منها ما يسمى في أدبيات عصرنا الهجوم الوقائي وهو المرادف العسكري للحروب الاستباقية .
حاول العلماء في مجالي علم النفس والاجتماع البحث عن مجالات لتنفيس فائض العنف الغريزي لدى الإنسان، واعتبرت الرياضة بكل أنماطها المجال الحيوي الأول لهذا التنفيس لكنها سرعان ما وقعت فريسة عدوى العنف وتحولت إلى حروب رمزية أو بديلة تستخدم أسلحة مختلفة لكنها تغرف من القاموس ذاته .
وما يجري الآن على امتداد عالمنا هو بث ثقافة العنف وليس تقديم مضادات حيوية وثقافية لهذا العنف المتصاعد والذي أصبح هو الآخر مُعَوْلماً، لا جنسية له ولا هوية ولا تحول أي حدود من دون تسربه .
وثمة تناقض حاسم الآن بين ما يقترحه عالم النفس والمثقف وبين ما يراه الجنرال، فالجنرال لا يعترف بغير الكيّ بالنار حتى لو كان العضو يعاني من وعكة: عابرة، ولا يريد الجنرالات فهم أسباب العنف والعوامل التي تؤججه في مرحلة ما كالتباين الكارثي في مستويات العيش والوعي أو الاحساس بالظلم وعدم القدرة على صده أو انتظار الانصاف والعدل، وأسوأ ما وقع فيه فقهاء توصيف العنف ومن تعهدوا بمقاومته هو رسم خرائط وتضاريس معينة لهذا العنف، وكأنه وقف على ديانة أو جنسية أو لون . والحقيقة أنه وجد بقوة لدى الرجل الأبيض أولاً، سواء في مراحل الاستيطان الدموي أو في الحروب التي كانت دوافعها المناجم والأسواق رغم كل ما حملته من أسماء مستعارة ومُضَلّلة .
ويخطئ الأقوياء إذا تبنوا استراتيجية “داوِها بالتي كانت هي الداء” عندما يتعلق الأمر بالعنف وأسمائه المختلفة، فالبشر لا يولدون وبأيديهم سكاكين أو متفجرات، بل يصبحون قتلة وتائهين بلا بوصلة أخلاقية بسبب تدني الوعي، أو تحول العمى إلى وباء سواء كان عمىً ايديولوجياً أو عرقياً .
لقد اتضح ميدانياً وبالتجريب المباشر أن منسوب الجريمة ينحسر في مجتمعات أقل جهلاً وتعصباً، وأكثر قدرة على الحلم، ويقول علماء الاجتماع إن المجتمعات تستحق ما تفرزه سواء كان من القضاة أو القتلة .
لهذا ما من سبيل آخر لتحقيق الانتصار الإنساني على العنف غير المضادات الحيوية الثقافية .