الجَهْل بالذات والآخر
مقال الكاتب / خيري منصــور
* دار الخليج




في الصحوة القومية التي أعقبت حرب يونيو/ حزيران عام ،1967 كان العزف السياسي والإعلامي الأكثر صخباً يستخدم ثلاثة أوتار، هي معرفة النفس أولاً، ثم معرفة العدو، ومعرفة الوطن العربي شبه المجهول للكثير من أبنائه، إضافة إلى معرفة الآخر بصورة عامة وليس بصفته عدواً فقط، وفي تلك الفترة صدرت سلاسل من الكتب تحمل شعار هذه المعارف المتعددة، فكان النقد الذاتي لأول مرة منذ زمن طويل قد بدأ يمهّد للعربي طريق معرفة النفس، لهذا اتخذت موعظة سقراط الشهيرة “اعرف نفسك” نبراساً ودليلاً، أما معرفة العدو فقد تولاها واحد من أهم مراكز البحث في الوطن العربي، فأصدر سلاسل من الكتب عن أوضاع ومشاهد الحياة في الدولة الصهيونية، لهذا كان هذا المركز من أوائل ضحايا اجتياح لبنان عام ،1982 حيث صودرت مخطوطات ووثائق، منها أوراق عارف العارف وأحمد الشقيري وقتلت زوجة مدير المركز، ومنذ ذلك الاجتياح لم تعد معرفة العدو شرطاً للوعي التاريخي بهذا الصراع بل حلّ مكانها نوع آخر من المعرفة السلبية وهو التطبيع بأبعاده الثقافية والاقتصادية والسياحية .

ونذكر أن هناك مئات الكتب المزودة بالخرائط المفصلة كانت تصدر تحت عنوان “اعرف بلادك”، وفيها كل ما يستحق المعرفة من أقطار العالم العربي من خليجه إلى محيطه، ورغم أن وسائل الاتصال والتواصل لم تكن متيسرة كما هي الآن، وكذلك السفر وسرعة التنقل، إلا أن تلك المعارف كانت تضيء للأجيال العربية مساحات واسعة طالما عمّها الظلام، فلماذا توقفت هذه المعارف وأصبحت من مقتنيات الأرشيف في وقت تضاعفت فيه أسباب ودوافع المعرفة، سواء للذات شبه المجهولة أو الجريحة كما يسميها عالم النفس علي زيعور أو للعدو الذي قال الراحل د . شاكر مصطفى، إن نصف أسباب الهزيمة كانت بسبب جهله .

هل وصلنا إلى حدّ التخمة من هذه المعارف ،أم أن انقطاعها كانت له أسباب أخرى، بحيث أصبح التجهيل المنهجي والمبرمج بديلاً لها، لأن هواجس العزلة والانخلاع من السّياق القومي برمته أصبحت معلنة، وكذلك رهان الغزاة على اختلاف هوياتهم، لأنهم جميعاً تلامذة تلك النصيحة الأنجلوساكسونية، وهي “فرّق تَسُدْ”، وبقدر ما تحققت الفُرقة تحققت السّيادة لأصحاب ذلك الرهان الذي كلما أوشك أن يفقد صلاحيته يَتَجدّد .

إنها مفارقة تستحق التأمل، وهي انخفاض منسوب الوعي القومي مقابل هذا الارتفاع الملحوظ في منسوب المطبوعات والمرئيات، وإذا كان هناك علم لا يُنتفع به حسب التّصنيف الرسولي الكريم، فهو العلم المفارق للواقع والذي يجهد أصحابه في تهريب الحقائق واستبدالها، بحيث يقدم الكرام للمتسول الذي يطرق أبوابهم قائمة بأشهى الأطعمة التي لم يسمع بها بدلاً من الرغيف الذي يحتاج إليه .

ولا أدري إذا كانت العقود الثلاثة التي أعقبت يونيو/ حزيران 1967 كافية لأن نجيب من يسألنا: هل عرفت نفسك وعدوك ووطنك والآخرين أم لا؟

الأرجح أن هذه المعارف في تناقض، بل هي في مهب رياح النّسيان والحذف، فأي غفران نرتجي بعد تلك المعرفة؟