المذبحة والديموقراطية والديكتاتور!


الياس خوري


* القدس العــربي





مذبحة كنيسة سيدة النجاة في بغداد، ليست الا جزءا من حقل الموت الذي افتتحه الغزو الأمريكي للعراق. وحقل الموت العراقي شاسع ومبقّع بالدم والأسى والخراب. مذبحة الكنيسة اشارة اضافية الى مصير المجتمع العراقي، فحين تباد الأقليات، ويُدفع المسيحيون الى الخيار بين الموت والهجرة، فإن هذا يؤشر الى موت المجتمع المدني وانهياره، وخضوعه المطلق لمنطق التفكك والتآكل.


والتفكك لا يدمّر الأقليات فقط كالمسيحيين والصابئة والازيديين، لكنه يدّمر الأكثريات ايضاً، فيصير الكل خائفا ومجرما، قاتلا وضحية، وتسود الخرافة، ويقاد المجتمع الى الانحطاط الكامل.


لم تبدأ الكارثة بالغزو الامريكي الذي لم يترك جريمة اخلاقية لم يرتكبها، الغزو كان نهاية المنزلق الذي صنعته الديكتاتورية. لكن الغزو، وهو يحدد اطار مشروعه عبر الدعوة الى اعادة العراق الى العصر الحجري، نجح في اثارة كل العصبيات العشائرية والطائفية والمذهبية التي تصاحب تفكيك الدولة، جاعلا من بلاد الرافدين ارضا للموت والقحط والخراب.


ابادة الأقليات اوالتلويح بابادتها تحمل في طياتها معنى وحيدا، هو انهاء الفكرة العربية، وتحطيم القضية الوطنية. وحين تنتهي الفكرة العربية، تفتح ابواب جحيم الصراعات الطائفية والجهوية والاقليمية، التي لا نهاية لها.


ماذا يجري في عراق اليوم؟


لا يكفي ان نحصي المذابح والتفجيرات والدم الذي يسيل بلا توقف. بل يجب ان ننظر في البؤس الأخلاقي والسياسي، الذي يحتل المستوى السياسي العراقي جاعلا من تشكيل الحكومة مسألة متعذرة، ومحولا القوتين الطائفيتين الكبريين، اي السنة والشيعة، الى وكيلين للقوى الاقليمية.


شيء يشبه السيناريو اللبناني المفتوح على احتمالات الرعب، وفي الحالين العراقي واللبناني هناك مفارقة ضعف الديموقراطية وارتهانها للأنظمة الديكتاتورية.


في لبنان ديموقراطية وانتخابات برلمانية وصحافة شبه حرة والى آخره... لكن ما هو حصاد الديموقراطية اللبنانية؟ انه الحرب الأهلية التي يتم ضبطها في معادلة السين سين السحرية، بحسب تعبير نبيه بري.


السين سين اي سورية - السعودية، هي الضابط، وهي حامي السلم الأهلي، وفي حال ارتفع الخلاف بين السينين سوف ينفجر لبنان، ويدخل في معادلة جديدة هي الألف ألف، اي اسرائيل- ايران...


اذا تأملنا السينين فسوف نكتشف ان حماية لبنان، وهو بلد قائم دستوريا على تداول السلطة ومرجعية الانتخابات، منوطة ببلدين لا ديموقراطيين. ففي السعودية لا انتخابات ولا من ينتخبون، وفي سورية حكم الحزب الواحد الذي يجعل من الانتخابات اشبه بالتعيين، ومن الجمهورية حكما وراثيا.


ما يسمى بالديموقراطية اللبنانية هو اليوم تحت رحمة الديكتاتوريات، وهذا يعود الى كون 'البيت بمنازل كثيرة'، كي نستخدم عبارة المؤرخ كمال الصليبي، لم يكن يوما بيتا، بل كان صفقة تتغير عناصرها بتغير المعادلة الاقليمية.

فالطوائف الدينية حين تتحول الى قوى سياسية تتحكم بالمستوى السياسي برمته، هي قوى ما دون وطنية، وهي مستعدة تاليا كي تكون في خدمة قوى خارجية تعتقد انها تدعمها في مشروع هيمنتها على الحياة السياسية.


هكذا تصير ديموقراطية الطوائف تحت احذية الأنظمة الديكتاتورية، وتصير وقودا للعنف الأعمى المدمّر، حين تستعر الصراعات الاقليمية.


والعراق صار ديموقراطيا، او هكذا يقال، 'بفضل' حذاء الاحتلال الامريكي ووحشيته المفرطة. لكن ما سمي ديموقراطية عراقية سقط على الفور في اسر الطوائف بعد انهيار الدولة العراقية وحل الجيش العراقي بقرار امريكي.


وجاءت عدالة الطوائف اشبه بالانتقام الثأري، ولعل الحكم على طارق عزيز بالاعدام، ليس الا نموذجا اخيرا لانهيار مفهوم العدالة.


غير ان الديموقراطية العراقية، والعملية الانتخابية، وقعتا في قبضة المفاوضات الاقليمية بين ثلاثة اطراف هي السين سين وايران. والأنظمة الثلاثة لا علاقة لها بالديموقراطية، بل هي انظمة ديكتاتورية وثيوقراطية. اي ان مصير الديموقراطية العراقية ومصير السلم الأهلي العراقي صارا رهيني الأنظمة الاقليمية الثلاثة التي تتنازع على النفوذ والهيمنة.


العراق مثل لبنان اسير عجز القوى الطائفية عن بناء الدولة، في وصفها قوة تتعالى على الانتماءات الضيقة، وتؤسس لانتماء وطني. لذا تصير الديموقراطية في البلدين مسخرة، وتصير السياسة فيهما ممسحة تحت احذية الديكتاتوريات.


انظمة معادية للحريات العامة والديموقراطية، تتوافق او تختصم على بلدين يدعيان الديموقراطية، ويمارسانها؟
هذه هي المفارقة الكبرى، وهي مفارقة تقتضي اعادة نظر جذرية في معنى المفاهيم السياسية، وفي وصف هذه المرحلة العربية السوداء التي تسود فيها سياسة 'ملوك الطوائف'، في زمن النكبة.


ربما يجب ان نعيد النظر في معاني هذا النظام العربي انطلاقا مما يجب اطلاق اسم زمن النكبة عليه. فالنموذج الوحشي الذي قدمته الصهيونية، ودولة اليهود التي يطالبون الفلسطينيين بالاعتراف بها، ليسا سوى الوجه الآخر للعجز العربي، الذي يتخذ اليوم شكل تقليد احمق للدولة الطائفية الأولى في المشرق.


هنا يبدأ السؤال، الذي منه يجب ان يعاد النظر في كل عناصر هذا الهيكل العربي المتداعي.