أزمنــة الــوداع
( قصــة قصيــرة)
*قصة مشاركة في جائزة غانم غباش للقصة القصيرة للعام 2010
- ( لم تفز القصــة )،،







رحيل بدأ يستيقظ بغفوة، بدأ يندفع كثورة بركان هائج، غياب مر، وفراق صعب أتى بعمري، جدتي كانت الشجرة التي أستظل بها، رحلت ولم تقل وداعا، رحلت ولم تعلم بأنها سويعات الفراق والرحيل المر، قاس هو الزمن بدونك جدتي. كل شيء صامت في منزلك، غصّات حنجرتي تضيق بآهاتي المخنوقة، حياتي أصبحت جبالا من الكآبة، أصارع أيامي التعيسة، وأتنازل عن كل ما في الحياة.

كنت جدا طيبة ورحيمة، كنت شمعة أحرقت عمرها لتنير دربي ودرب إخوتي، طيفك مضى وجسدك غاب بلا رجعة، طمرك التراب بدلا من أن يطمرك حضني الذي يشتاق إلى حضنك الدافئ، أتعلمين ما أنا بعدك؟ جسد بلا روح.. طعام بلا نكهة بدونك، آه من الأيام تقسو على وحدتي.. تغرس أنيابها في ضلوعي، ولا تقاسمني أحزاني المستعرة في جوفي.

ساكنة أنا على وسادتي، أتذكر ما علق من ذكريات الماضي، أستعيد الفرح والهمسات الجميلة، والأحاديث الرائعة، غياب لا أتحمله.

فجأة: تذكرت أنك أهديتني شريطا دينيا قمت بتسجيله من الراديو بنفسك، وأعطيتني نسخة لي ونسختين لأخواتي. أسرعت للبحث عنه داخل صندوقي، أحضرت المسجل لأسمع المحاضرة الدينية وكان موضوعها الصلاة، كم كنت مؤمنة بالله وصابرة ومجاهدة في حياتك، ولكن أمواج الحياة حطمت أشرعتك البيضاء النقية كقلبك الطاهر.

فصول...فصول..هكذا بدأ زوجي بالنداء: طفلك يبكي. ذهبت مهرولة لحمل صغيري واحتضانه، ودموعي تنهمل على خديّ الساخنين من حرارة البكاء، وأقبل صغيري الجائع لأرضعه ثم ينام.






فصول، لم تعد فصول السعيدة، أصبحت منهكة من البكاء والحزن وخليط الذكريات الذي يعايشها.

حاولت بصعوبة التحلي برباطة الجأش: هل تعلم بأن الوداع صعب؟

عاجلني بنظرة حانية محاولا إعادة البسمة إلى شفتيّ : دعي الماضي يذهب بلا رجعة، الرحيل كتب على الجميع، لا نعلم متى تختم أعمارنا، ونودع هذه الحياة، تظنين أن الدنيا متاع؟ لا يا فصول، الآخرة أمتع وستلتقين جدتك في الجنة إذا أراد الله ذلك.

أنت تحاول تخفيف وجعي، وتضميد جرحي الغائر يا ثائر.

هكذا بدأت أنهض من صفحتي السوداء الحزينة، وأحاول ترميم جدار العمر لتبدأ حواراتي عن جدتي مع زوجي بسؤال: هل تذكر عندما كانت تتهيأ للسفر لإجراء العملية ونحن نودعها وهي حاملة ابنتي البكر غيداء ؟

ثائر: أدعي لها بالرحمة والمغفرة، فهي بالفعل إنسانة طيبة ورحيمة.

الله يرحمك يا جدتي منى، ويغفر لك ذنوبك، ويثبتك عند السؤال.

ذهبت للبحث في محطات التلفزة. صوت جميل وتلاوة عذبة، للقارئ ماهر المعيقلي عبر قناة ريحانة، أخذت أنصت إلى تلاوته..لا حول ولا قوة إلا بالله.
استغفر الله العظيم..استغفر الله العظيم..هكذا أتمتم بعد أن أغلقت التلفاز للخلود إلى النوم.

يوم آخر تشرق شمسه بلا جدتي أعايشه بحزن شديد. استيقظت غيداء باكية لتوقظ أخاها الصغير. ذهبت لإعداد الحليب لكليهما، ثم حممتهما وألهيتهما بقناة براعم للأطفال.

ذهبت أجرجر حزني لآخذ دش الصباح، ثم احتسيت قهوتي المرة وتصفحت جريدة الصباح.



تفجرت دموعي بعد أن أخذت غيداء تسأل عن جدتها.

وأنا أجاوبها بأنها فوق مع الله.

للأسف رحلت ولم تشهد ولادة طفلي الثاني حمزة.

سقطت ورقة عمرها الرائع معنا، أنا وإخوتي وأمي نفتقدها جميعا بشدة في جلساتنا كل جمعة .

كانت رحمها الله تعرف أني أحب السمك، لذلك تعده لي كل جمعة، حين أزوهم وأقضي وقتي الجميل معهم.

تهشم زجاج الحياة برحيلها، وقلبي يعتصر كذلك المنديل المعلق على نافذة الغرفة، وقد وضعته بنفسها عندما كانت بصحة. سرقها المرض مني ومن أحفادها جميعا.

فصول متعبة منهارة بدونك يا جدتي.

هل تعلمين بأن صورتك لا تفارق خيالاتي، وصوتك الشجي مسكون في ذاكرتي؟
أتذكرك حين تجلسين وتمشطين شعرك الأحمر، وحين تتكلمين عبر الهاتف، وحين كنا نتمشى معا في دروب جبلية، وحين كنا نذهب إلى منزلنا القديم بالقرب من البحر وحين ..وحين.

البحر بعرضه وطوله لا يغسل أحزاني، فدفتر العمر انطوى لكنه محفوظ.

مشتتة أنا بكاملي، غارقة في محيط بعيد، أجد نفسي هادئة تارة وثائرة تارة أخرى.

أسكب وجعي في هذه الحياة، وأحاول الابتعاد عن ألبوم الماضي وصوره الرائعة. معذبة أنا إلى حد الموت، حافته تقترب مني، آه ،،آه

كم هي صعبة أزمنة الوداع!




أعيش يومي بانهيار ذاتي..أتقبله بصبر وإيمان. تتكرر لحظة يوم رحيلك فجرا، ولحظة رؤية جسدك باردا ممدا، ولحظة تغسيلك وتكفينك، ولحظة النظرة الأخيرة والوداع الأخير والقبلة الأخيرة مني ومن أخي، وصوت النحيب الذي كان في المكان، والبكاء والسلام، ولحظة تفرّق النساء لصلاة الجمعة بعد أن صلي عليك في جامع كبير، ودفنوك في مقبرة أسفل جبل كبير حيث الظل الوارف والهدوء.

كم هي مؤلمة ساعات البعد؟ مناجاة ليلية دائمة، وشريط ذكريات لا يتوقف.

غصّات الألم لا تفارقني، وأمواج الليل الساكن لا تتوقف عن الثورة.

ثائر: أطفئي مصابيح الغرفة فالوقت متأخر جدا.

حسنا.. حسنا

ذهبت أجر خلفي ثوب الحزن، وأغلق مصابيح الغرفة وأكمام التعاسة تضمني. غرقت في نوم عميق لأستيقظ على صوت هاتفي المحمول: اليوم سنرسل ثياب جدتي المرحومة إلى الهلال الأحمر..هكذا دعتني أختي إلى تجمع حزين يعيد فصول الحياة وسنين الماضي بأفراحها وأتراحها.

لا..لا..لا أستطيع أن أشهد هذا التجمع..هكذا قلت لها ودموعي تنهار على خديّ ورائحة الذكريات ستنتشل من خزانات ملابسها. عبق جميل يضمني في غرفتيها.. كيف لي أن أحضر مأتما آخر..مأتم وداع ملابسها...!

لا أستطيع أن أتمالك نفسي ..مهزوزة..غائرة عيناي..وقد نحل جسدي بعد فراق الغالية.

كنت أظن أن كل شيء سيبقى على ما هو عليه من ملابس وأغراض خاصة.حتى ألبوم الصور تم تقاسمه بين إخوتي! فجعت لهذه الفاجعة الأخرى.

لوحة العمر تتآكل وتنهشها ضباع الصحراء..العمر يفني بصاحبه..رحيل أشد مرارة من مذاقاته الأولى. تذكرت صورك عندي كنت تضمينني وأنا طفلة مشاكسة. ذهبت



لأفتح خزانتي وأبحث عن صورتك.. ملامح وجهك الرحيم وتقاسيم خدشها الدهر..تبللت الصورة بدموع مآقي حفيدتك فصول.

وظللت ساكنة..حائرة ..أفتش عن وجهك بين سراب الواقع..وبين مرايا الوجود..