عندما رحلوا
* نشر في الأزمنـة العربية
أنديرا غاندي:
عندما رحلت أنديرا غاندي كنت طفلة في المدرسة. شدتني تلك الصورة عند إحراقها وحولها الخشب. وأذكر بأني وإخوتي قمنا بتمثيل المشهد، ولحسن الحظ لم نمثل دور إحراق الجثمان، ولكن رحيلها جعلنا متجمهرين أمام تلك الشاشة، نتساءل ببراءة: لماذا أحرقوها وهي ميتة؟ ورمادها لماذا نثروه؟.
عمر المختار:
ما كنا نشاهده ليس الحقيقة، بل فيلماً يحكي عن الاستعمار الإيطالي لليبيا، وفيه سيرة عن الشهيد الشيخ عمر المختار، وكيف أمسكه المحتلون الإيطاليون بعد تعثر حصانه، والمشهد المبكي لإعدام شيخ كبير. كنا نترقب كل ما في الصورة، وكيف تم إعدامه، وذلك الطفل الصغير الذي حمل نظارة عمر المختار، ونحن نتمنى لو كنا نحن في مكانه، ونتساءل: لماذا أعدم وهو في هذا العمر؟.
نزار قباني:
كنت طالبة في الثانوية العامة عندما سمعت برحيل شاعر المرأة العملاق نزار قباني. ولشدة حزني عليه كتبتُ قصيدة عمودية من أبيات رثاء طويلة تقارب الخمسة عشرة صفحة، وأرسلتها إلى معلمة اللغة العربية مع زميلتي. وعندما تحدثتْ المعلمة مع المعلمات بموضوع رحيل نزار، صدم بعضهن، وسألن: نزار مات؟.
الليدي ديانا:
كنت نائمة، وأتت أختي الصغرى في الصباح الباكر: "الليدي ديانا عملت حادث في نفق بفرنسا، وكان عندها دودي الفايد ومات، وهيه بعدها بالمستشفى". ركضت أختي الوسطى لحبها وولعها بهذه الشخصية الإنسانية، فتابعت أخبار قناة دبي، وصُعقت عندما أذيع خبر وفاتها بعد قليل بذلك النفق، والسبب الباباراتزي الذين يلاحقون الأميرة الجميلة. وانتشرت شائعات حول من السبب في رحيلها. وأذكر الجنازة وإكليل الورد الذي وضعه ابنها هاري، والذي كتب عليه "I love you Mummy"، وأغنية Good bye England Rose (وداعاً يا وردة انجلترا)، التي لاقت رواجاً واسعاً، وتلك الأكوام من الزهور والبطاقات والشموع والصور أمام القصر الملكي. ونحن نتساءل لماذا رحلت تلك الأميرة الجميلة؟.
الملك حسين:
كنت قد أنهيت دراستي الثانوية، وفي ذلك العام لم ألتحق بالتعليم العالي، وكنت عبيدة للبرامج الإخبارية ولقناة الجزيرة وللجريدة اليومية. كنت أترقب الأردنيين في ذلك الشتاء البارد عندما كان ملكهم يرقد في مدينة الحسين الطبية، وكيف كانت النساء والرجال يرفعون أياديهم تضرعاً لله بأن يشفي ملكهم، وكيف أذيع لهم نبأ الرحيل، وكيف كانت نوبات الصراخ في الشوارع الأردنية مشهداً تراجيدياً حياً، ومشهد الوداع الأخير والشوارع مكتظة بالأردنيين الذين جاؤوا من كل بلدة وقرية ومدينة لوداع ملكهم الراحل، وتلك الأردنية البدوية التي تصرخ: "وين رحت وخليتنا يا شيخ؟ وين وين؟"، وذلك الشاب الضئيل الذي يصرخ: "لا ما بصدق... لا... لا...". وأنا أتساءل: هل ستدوم حالة الحزن لهذا الشعب؟.
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان:
كنت أتحدث بالهاتف مع زوجي خلال فترة عقد القران، وذلك في شهر رمضان الكريم، وهو في طريقه إلى العمل مساءً. دخلتْ أمي وقالتْ كلاماً لم أستوعبه، وهو: كم رقم قناة دبي أو أبوظبي؟ قناة الجزيرة تبث خبر وفاة الشيخ زايد. ثم دخلتْ أختي وأنا أسأل زوجي: من الذي مات؟ لحظة... أذهب إلى غرفة أمي وأقرأ الخبر، وزوجي لا يصدقني... يتصل بخاله الذي أخذته نوبة البكاء والصمت الرهيب ليتأكد من الخبر. جميعنا مذهولون، لا نصدق النبأ الحزين. وأذكر كيف كانت الصلاة عليه، وكيف كان ابنه الشيخ محمد ينظر إلى أبيه بحسرة ويضم شفتيه والدمع ينهمر من عينيه، وتلك المساجد التي أذاعت القرآن لمدة ثلاثة أيام من رحيله. كانت أياماً رمضانية حزينة. ونحن نتساءل: أي عيد بعد رحيل شيخنا ووالدنا؟.
رفيق الحريري:
صديقتي وصفت لي منظر بيروت في ظهيرة عيد الحب الحزين، وكيف هز انفجارٌ موكب الحريري. فهرعتُ إلى شاشة التلفاز لأرى هول المصيبة التي أصابت الشعب اللبناني والعربي، والجثث المتفحمة للراحل الحريري ورفاقه. صدمة عميقة لهذه الانفجارات التي تهز الوطن العربي، والتي تستهدف شخصيات ثقيلة بوزن الراحل الحريري الذي أسس الدولة اللبنانية ونسج تقدمها وتطورها بعرق جبينه، ولم يبخل لها لا بماله ولا بجهده ولا بوقته، أعطاها فأعطته الحب واحتضنته بعد أن رحل بمرارة وألم في عيد الحب. فكيف لعيد الحب أن يصبح عيدا للحزن؟.
رحلوا وبقيت صورهم وكلماتهم تسكن فينا. رحلوا ونحن في شتات عميق وإعصار يجرفنا إلى وادٍ سحيق. هذه هي لوحة الرحيل السوداء البائسة التي وقف فيها صفير القطار، وهدأت فيها العواصف والتيارات، وفتحت فيها المقابر الموحشة أبوابها لاستقبال تلك النعوش الباردة.