الباب.. شهيد الرحيل وشاهد الإياب
جلال برجس
* الدستور الاردنيــة
كان شجرة تمرّ الريحُ بين تأملاتها وأحلامها الشجرية المسترسلة ، تسكب الشمسُ ذهبها على جبينها الأخضر ، يطبع الماء قبلته الكونية على ثغرها الشجري ، ينقش العاشق أمنياته على جذعها. الباب كان شجرة ، صار خشباً ، صار باباً. كان روح أنثى ، صار روح ذكر. والأخشاب وفية لجذورها ، للثغتها الأولى ، ولقبيلة الحقل. كان شجرة تمنح الحياة والظًّلال ، صار باباَ يمنح الحياة والذاكرة ، موَّزعاً في أرجاء العالم ، في امتداد الكلام ، في وله القصائد ، في رعشة العائد ، في ارتجافة الراحل ، في التفاتة العابر ، في همهمة العَطًش ، في أجنحة العصافير ، في ارتباك الخائف ، في حمى العاشق ، في صبر الحارس على قطرات الوقت ، وهي كصنبور ماء يُدلًف ، نقطة نقطة ، في يَد الألفة ، وفي زغب الحنين. كان شجرة ، واللحاء دمع الأشجار ، صار باباً ، ودمع الراحل والعائد لحاء الروح.
للبلاد باب ، على جبينه وردة يقطفها العائد ، ووردة يزرعها الراحل. للمدينة باب ، على زنده كلام العائدين بأول الحلم وآخر الأمنيات. للقرية باب ، على رسغه حَمَام القُرى ومناجل الحصّادين وأهازيجهم. للبيت باب ، في جًيْده قلادة الذكريات. للقلب باب ، على وجنتيه احمرار الهوى ، صكوك القلب ، بيانات العشق ، وقصائد الفراق. وللباب باب ، هو مفتاحه الذي يفضي إلى ما وراء الباب. والباب ذاكرة ماسية لا تصدأ ، ذاكرة تحفظ إيقاع الزمن وزمن الإيقاع ، عن ظهر وفاء. هو أوّل البيت ، ومبتدأ النبض في جسده ، هو الشاهد الذي لا ينسى ، ولا يتناسى. وللباب بابان ، باب العائد ، وباب الراحل.. هو نفسه الباب الذي ما زالت أغنية فيروز تطوف بخصره الشجري:
"على باب منوقف تنودع الأحباب نغمرهن وتولع ايدينا بالعذاب
و بواب بواب شي غرب شي صحاب شي مسكر وناطر تيرجعوا الغياب
أه البواب
وقت اللي بلوحلك و بسكر الباب بياخدني الحنين
بفكر رح اشتقلك بفكر عا هالباب رح انطر سنين
أه يا باب المحفور عمري فيك رح انطر و سميك باب العذاب
في باب غرقان بريحة الياسمين في باب مشتاق في باب حزين في باب مهجور أهلو منسيين
هالأرض كلا بيوت يا رب خليها مزيني ببواب و لا يحزن و لا بيت و لا يتسكر باب"
باب الراحل
يلملم حقائبه على عجل ، ويحوش نثار الذكريات. الكتاب الأول صاحب البرق الأول في فضاء القلب. الوردة الأولى ، المدفونة في دفتر تغفو على صفحاته ، كلمات أولى صادقة خُطّتتْ لتغيّر العالم بحالة حب. الصورة الأولى ، التي حملت ملامح بدائية ، من دون زيف ، قَصّة الشعر الطويل المسترسل على سجيته ، الذقن الذي كان قد فرّ آنذاك كفكرة طائشة. منديل الأم ، الذي علقت به رائحة الأمومة التي لا يمكن ابتكارها. كاسيت لأم كلثوم تشرح عبره سيرة قلب تَعْتمره قبعة من شًعْر. يلملم حقائبه الراحل.. يلملم حقائبه: يتصنع الهدوء ليطرد عصافير الحزن ، وهو يقف ، في قلب البيت ، يلقي نظرته الأخيرة على الذين وقفوا ، أمامه ، بنصف دائرة يكملها الغياب ويؤثثها الرحيل ، بينما الباب هناك.. في كواليس الغياب.. يبكي على مهل ، كأن لحاءه الشجري استشاط ، من جديد ، وهو يَعُدّ الذكريات ، واحدة تلو أخرى ، كشيخ وقور يُلْحًقُ حبات السبحة ، واحدة بأخرى.. على مهل يجترّ البابُ الذكريات ، حياة ، حياة. الراحل لوّح ، بعد العناق ، بيمناه ، وبكمّ القميص مسح دمع الغياب ، عند الباب جثَت روحه على ركبتيها ، تصلّي للذكريات ، وتطبع ، على جبين الباب ، قبلة أخيرة ، بينما الباب ، تماماً ، مثل أب طاعن ، في الأبوة ، أحتضن الراحل (بدَفَّتيه) ، وأجهش بشًعر:
"صراخ الوليد ، على مسْمَع الشمس ،
شُروقّ أوَّلْ:
ضوءّ يخضّب في فناء البيت حياةً بالوَدَق
كَبُر الوليدُ
على مرأى من الطين في نهنهاتهً
صار يمسحُ البابَ بشهوة لقرص الشمس
رآها برتقالة
رآها نُهد غزالةْ من فَراشْ
وهي تَلْبس عند الغروب عمامة من سديم
كبُر الوليد
صار يخربش الباب بالنايات
ينوي ابتكار صورة لأم تُرضع قصيدةُ
كبُر الوليد
صار يقبّل ثَغْر الباب
وهو يطير كالدوري يعْلف المدى بالأجنحة
كبُر الوليدُ
صار يلثم زندَ الباب وهو يحْمل في جيوب القلب وجهها
الحبيبة التي أرضعته الهيام ، وأطعمته خوخ الشفتين
كَبر الوليدُ
ولملم بانتباهْ حقائبه
ويمَّم على غفلة من عروق البيت
درب الغياب"
باب العائد
يتفقد حال الذاكرة ، والدرب خيط القلب نحو البيت. يوظًّب ذكرياته التي غابت ، معه ، عمراً من الرحيل ، يرّبت على أكتافها ويلامس وجناتها بأنامل قلبه. العائد يتوكأ على ذكرياته وعلى عوالمْ سردتها لها المكاتيب ، والآهات التي تعربشت في جسد الكلمات ، والإسفلت الذي يركض أمامه ، كأفعى سوداء أسطورية ، ويرافق توجسه. العائد يهْجس بالذكريات وينهره الحنين ، وقلبه يسبقه إلى البيت ، بيت الطفولة ، الذي شهد أحلامه والأمنيات: البيت الذي خبأ فيه ، كالعصافير ، أسراره الأولى ، فكان الشاهد الأول والأخير. العائد يلملم تفاصيله ، تماماً ، كما لملمها قبيل الرحيل. رويداً ، رويداً ، يقترب المشهد من العين: يقترب المشهد من عطَش القلب. رويداً ، رويداً يقترب البيت. العائد يخطو بتثاقل يرطبه الحنين نحو البيت ، يقف قبالة الباب ، والباب باب البارحة ، الذي ما زال يحفظ نبض حياةْ لا تغادر الباب ، باب الطفولة ، باب اليفاعة ، باب الرعونة ، هو الكلمة الأولى في كتاب البيت. عند الباب تتناثر الذكريات من جعبة العائد ، وتسبقه ، تمهّد له درب الحنين ، يقف أمام الباب ، بل يقف أمام نفسه ، يتلمس جسد الباب ، بل يتلمس ذاته ، وريشة البال تخطّ الكلام:
"كأن الغياب نيازكّ
تشْعل القلبَ ، فينداح الغناء
غناء حزين لجذع شجرةْ صار صندوق
أو صار باب
كأن الباب قلبي
لملم الذكريات ورَشّها في الريح
كأن قلبي الباب
كلامُ القصائد يقْرعه
فيجيء صدى من بعيد الدم صارخاً
بالحنين
كأن زند الباب شعْلة في الغياب
أنارت مخابئ الضحكات
أسرارَ الطفولة
الرعونات اللذيذة في مخزن الحبوب
تلصُّصنا من ثقوب النوافذ
على جارة تستحم بماء الشموس
على الصبايا اللواتي ازدهين بنهودهن
وقت الظهيرات التمّوزية
كأن زند الباب
حارس الباب ، أينع في يدي
وأنا أهم بالدخول إلى حيث كنتُ
فصار قوسَ ربابةْ
وصار الباب
غناء الغياب".





رد مع اقتباس