طفولـــة عيـــد
مقال حبيب الصايغ
دار الخليج
نعم أعرف هذا العيد منذ أيام طفولتي الغابرة، فهل كبر معي، معنا، أم ترانا ابتعدنا عنه وعن صخبه ولعبه، وبالتالي، عن طفولته، بمقدار ما يبتعد بؤبؤ العين عن قوس المطر، فيعود إلى حياته الاعتيادية غير المحتملة؟ . . للعيد نبض العيد، وله خطواته، وهيئته وشكله وعافيته، لكن عيد الكهولة غير عيد الطفولة، وفي الذاكرة، أو في ظل الذاكرة، يبقى ذلك العيد الطفل ماثلاً أمام عيون الحيرة والحسرة . ها هو يركض بعيداً، ووراءه يركض الأطفال، وحولهم تتناغم طفولتهم بطفولة الزمان والمكان، وها هم يعودون آخر النهار بشموعه ومعانيه .
ها هم يكتبونه في دفاتر الرسم والحساب . ها هم يقولونه في الأحلام والأناشيد: من يساعد قلبي على جرحه واحتواء مواقف تشييعه منذ موتي إلى تعبي . منذ موتي إلى أبد العشق بيني وبين طفولتها . منذ موتي إليها؟
من يحاول قتلي غداً كي أراها
وأحيا على ظلها شجراً ومياها؟
من يحاول قتلي، ليدنو، أبعد من مطر داكن ومصابيح مغبرة، وشوارع منذورة للمساء
شوارع أولها يبدأ الآن . آخرها يبدأ الآن . آخرها يدخل القلب مستعجلاً ليرتب دقاته بين موج البداية، يأتي سريعاً . . وأسرع، أسرع، حتى تلاشيه فينا وفي نفينا . .
فهل يقصد العيد وهو يعود لنا، كل عام، بمواعيده المحددة سلفاً، أن يصنع الفرق، فيكون بين أيام حياتنا بمثابة العلامة أو المنعطف؟ . . بالتأكيد، فها نحن نقارن، بين الحيرة والحسرة، وبين ملامح عيدي الطفولة والكهولة، ونسجل في دفتر الهباء الفرق .
أهلاً بك يا عيد في كل زمان، ولن نقول مع المتنبي بأية حال عدت يا عيد . عد كما يحلو لك، وسنكون في انتظارك دائماً، وفي شوقنا واحتفائنا وفرحنا . عد إلى أيامنا، وكن العلامة، وكن فرحة العلاقة والحياة . كن الماء والأمنية وابتسامة عين الطفل . كن الاخضرار والنماء والدعاء .
لكنك، وأنت تصنع الفرق في الزمان والمكان، تذكر يا سيدي العيد هذه الحقيقة: الحنين إلى عيد الطفولة الطفل جارف، لكن هيهات: آه أيتها السنوات الذاهبة في لحمي كالخناجر . كم كنت واضحاً وهانئاً! كم كنت بريئاً وخالي البال!






رد مع اقتباس