إنفصال جنوب السودان : تسريح بإحسان!
د. خالد الحروب ـ كامبردج
* الدستــور الاردنيـة
لينفصل جنوب السودان بالحسنى وليتم ذلك بالتوافق وحسن الجوار ، لا بالكراهية والعداء وتسطير مستقبل مسموم بين الشمال والجنوب. نتائج الإستفتاء المُقرر في شهر يناير القادم تكاد تكون معروفة من الآن ، والمزاج الجنوبي لا يحتاج إلى عبقرية متميزة لإستكناه توجهاته. فلماذا إذن لا يُصار إلى تسيير الولادة كي تتم بطريقة طبيعية وحتى لا يأتي الوليد مشوها وحاقدا على من وقفوا في وجه قدومه. الإتهامات الإنفعالية المُسبقة بأن جنوب السودان سوف يكون ضد العرب وحليفا لأعدائهم تصب زيت الغباء السياسي على نار العواطف المتهيجة التي ترى في كل حدث سياسي ما جزءا من مؤامرة كونية على الذات.
السودان ومن ورائه مصر وسوريا ودول الخليج والدول العربية كلها يجب أن تحتوي دولة جنوب السودان القادمة ولا تدفعها إلى احضان إسرائيل وغير إسرائيل. ستواجه الدولة القادمة في بداياتها ظرفاً بالغ الصعوبة سمته الأساسية الحاجة للوقوف معها ومساندتها ، وهو ظرف مداه الزمني قصير ويمثل فرصة ذهبية ووحيدة لتقديم المساعدة والوقوف مع الجنوبيين وليس ضدهم. على الجامعة العربية وعلى مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد تقديم العون بأقصى الإستطاعة ، وعدم ترك هذا الميدان لأوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل. عوض التصايح من الآن وإستدعاء عداوات غير مبررة مع الجنوبيين لتكن السياسة هي الإحتواء والتعاون وإبقاء الجنوب وشعبه اصدقاء في الدائرة الأوسع. إذا تغلب العقل والتفكير المنطقي على العاطفة والإنفعال وردود الفعل الصبيانية فإننا نتفادى تصنيع عدو جديد كان حتى الأمس القريب اخا وشقيقا وجزءا من دولة عربية.
إن تم تحويل جنوب السودان إلى كيان عدو واستحكمت سياسات الإنتقام وقصر النظر عند الحكومة في الشمال وانتظم نمط العلاقة بين الطرفين بالعداوة والمؤامرات والإتهامات ، فإن هذا ينقض كل نداءات الوحدة وشعارات ضرورة إبقاء الجنوب كجزء لا يتجزأ من البلد والشعب الواحد. إذا كان الجنوب والجنوبيون جزءا من الشعب الواحد ولو مع بعض الإختلافات فإن هذا يحمي العلاقة من الإنحدار إلى العداء. أما إذا تدهورت العلاقة حتما نحو ذلك الإتجاه فإن كل المقولات التي تُطرح الآن من قبل الشمال ستبدو كاذبة في المستقبل وبأثر إسترجاعي ، وبكونها كانت تستخدم لأغراض وقتية فقط من دون قناعة بمضمونها. الإفلات من ذلك المسار الممض والمظلم يتم عبر "التسريح بإحسان" ، وعلى أساسه تنبني علاقة جوار طيبة بدل العداء ، تقود ربما إلى علاقات مستقبلية أكثر متانة وربما تدور الأمور دورة كاملة بإتجاه فيدرالية متوافق عليها وليست مفروضة.
أحد قادة الجنوب السوداني وصف مؤخرا وحدة السودان القسرية والتخيلية بكونها تتمثل في إمتطاء اهل شمال السودان ظهر اهل الجنوب فيه ، مستنكرا إمكانية إستمرار وحدة يكون هذا شكلها العام ، وفيها يسيطر جانب على آخر قسرا وإمتهاناً. وفي هذا هو محق تماما ، ذلك أن عالم اليوم لم يعد يحتمل وحدات للدول والشعوب تتم بالحديد والنار ، فقد مضى زمن الأمبرطوريات والأباطرة الذين يضمون هذه الجغرافيا أو تلك وسكانها وما عليها بالقوة العسكرية. وحدات الشعوب والأمم صارت تقوم على قاعدة الخيار الحر وتقرير المصير والمفاضلة العامة بين أكلاف خياري الوحدة والإنفصال وأيهما يقود إلى معضلات وضحايا ومظالم ، وربما دماء ، اقل. عندما يصبح الإنفصال هو الأقل كلفة ، فإنه يرجح على وحدة قسرية قائمة على القهر والعداء والإستغلال. خلال سنوات طويلة ماضية فشل شمال السودان في إقناع جنوبه بغلبة ايجابيات البقاء في سودان موحد على سلبيات الإنفصال عنه. هذه حقيقة مرة يجب التعامل معها وعدم التظاهر بعدم وجودها او تجاوزها.
في اسكتلندا هناك حزب قوي ، الحزب الأسكتلندي القومي ، يقود الحكومة المحلية ويتبنى دعوات للإنفصال عن بريطانيا منذ سنوات طويلة ، ومع ذلك لم ينجح في تعبئة أغلبية سكانية تؤيده في مطلب الإنفصال. والسبب في ذلك أن الأسكتلنديين انفسهم يرون فوائد الوحدة والبقاء في الإتحاد البريطاني اكثر وأنفع من عوائد الإنفصال. وفي ويلز أيضا هناك نزعات انفصالية قومية شبيهة وإن كانت اضعف بكثير من تلك الأسكتلندية ، بيد أنها الاخرى لا تلقى شعبية واسعة. وفي قلب القارة الاوروبية يقدم المثال البلجيكي والسويسري حالات غنية بالدروس ، إذ تقوم على وحدات بين قوميات وإثنيات مختلفة ، تتفق في اغلبها على افضلية البقاء معا على الإنفصال. في المقابل كان رأي التشيك والسلوفاك بعد انتهاء الحرب الباردة ان الإنفصال الودي افضل للطرفين من التوحد المُفتعل فإنقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى بلدين يتمتعان بعلاقات طيبة وتكاملية مع بعضهما البعض. بخلاف ذلك قدمت يوغسلافيا السابقة درسا فادحا يجب أن لا يغيب عن حصيف في دموية الإنفصال الذي تم على مدار سنين وأسقط ضحايا بمئات الألوف من قتلى وجرحى ومهجرين. أهم ما في ذلك الدرس هو تجذير العداء لأجيال قادمة في مستقبل يكون السواد لونه الوحيد.
على ذلك ، لا يحتاج شماليو السودان ولا جنوبيوه مستقبلا سياسيا يسيطر عليه الحقد والعداء والتنافس والتآمر. بإمكانهم إختصار الكثير من المرارة والقسوة واختيار طريق اسهل. ما هو مطلوب سودانيا وعربيا يتمثل في "التمنيات" الآتية:
أولاً: مواصلة إعلان الحكومة في الشمال بأنها سوف تحترم رأي الجنوبيين في الإستفتاء القادم أيا كان. ومؤكدة أنه في حال اختار الجنوبيون الإنفصال فإن الشمال سوف يساعدهم على الوقوف على أقدامهم ويكون إلى جانبهم ، ولن يعيق بروز كيانهم.
ثانيا: تصدر الحكومة وقادة الجنوب بيانا مشتركا يقول: إن مستقبل العلاقة بين الطرفين في حال اختار الجنوبيون الإنفصالَ سوف تحكمه علاقات الصداقة والتعاون ، وأن اول واهم جوانب تلك العلاقات يتمثل في سياسة الأمن المشترك والحدود المفتوحة والتي تعني إمكانية التنقل للأشخاص والتجارة من دون إعاقات ضريبية أو تأشيراتية. كما أن اي مقترحات مستقبلية حول علاقات فيدرالية او كونفدرالية مع الجنوب سوف تتم على قدم المساواة والندية والإحترام وبعد أن يستقر وضع الجنوب وكيانه.
ثالثا: تصدر الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي بيانات تؤكد فيه احترام قرار الجنوبيين مهما كان ، وتتعهد تقديم العون للجنوب والجنوبيين سواء بقوا جزءا من السودان او استقلوا عنه.
رابعا (وهو اصعب التمنيات): أن يتحلى كثير من القوميين والإسلامويين ومناصري الوحدات القسرية بالصمت أو على الأقل تخفيف نبرة الخطابات الرنانة التي تلصق بالجنوبيين تُهماً طولا وعرضا. خطابات التخوين والإتهام تؤسس لعلاقة مستقبلية عدائية وتزيد من تعقيد قدوم الوليد: دعوه يخرج إلى هذا العالم محايدا وغير حاقد ، يعمل على تشكيل نظرته للجميع ويتعاون معهم وفق تعاملهم معه ، وليس وفق محاولاتهم إعاقته وتشويهه. خيار التسريح بإحسان صعب لأنه يتطلب برنامج عمل وتسييسا ومساعدة وتعاونا ، أما خيار العداء فهو الأسهل لأنه يستجيب للغضبات الإنفعالية والهيجان السياسي وكل ذلك لا يترك وراءه سوى حاضر مدمر ومستقبل مظلم ... ورطانة ترغي وتزبد.