ملوحة وحلاوة
مقال يوسف أبو لوز/ دار الخليج
حتى لو كانت الذاكرة الثقافية لشعب أوروبي عريق مثل الفرنسيين تبدو مشوّشة وغير مفهومة لأن السياسة أحياناً مثل الملح إذا كثر في الطعام يفسده، بل السُكّر على كل حلاوته إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضده، فإن هذه الذاكرة تبدو في الضوء الساطع لمرجعياتها وركائزها الأولى أقوى بكثير من السياسة التي تتلوّن عبر الأمكنة والأزمنة مثل الحرباء .
الفرنسيون بالنسبة إلى العرب من زاوية ثقافية خصوصاً في الفترة التي عرفوا فيها فيكتور هوغو، وسارتر، وسان جون بيرس، وجاك بريفير، وروجيه دوبريه . . وإلى آخر هذه الأسماء المضيئة في الثقافة العالمية . . شكّلوا قواماً معرفياً بل سياسياً يتداخل في مفرداته الحرّة مع الشوق العربي الذي يلتقط بسرعة أي خطاب إبداعي وثقافي وفكري هو في صميمه قريب من العربي الذي يبحث عن إمكانية الاعتراف به في العالم ككائن له صفات هذا العالم . لذلك، وخلال السبعينيات من القرن الماضي، وعندما انهالت على العرب ترجمات شعرية مقتطفة من كتابات شاعر فرنسي علم مثل أراغون، راح الكثير من الكتّاب العرب يعتبرون هذه الروح الفرنسية أقرب في تكوينها المعرفي والثقافي إلى الروح العربية من حيث التوق إلى التحرر والإقامة الدائمة في الحياة .
النخب الثقافية والسياسية العربية احترمت الوجه الفرنسي في تلك المرحلة التي كانت فيها فرنسا مركزاً فعلياً للثقافة الأوروبية، وكان من مظاهر هذه المركزية ذلك الاقتراب الشديد بين الثقافي والسياسي في باريس المدينة المقيمة في النور كما يقول الشعراء الذين عشقوا هذه العاصمة الأوروبية حتى العظم كما يقولون، ومنهم شعراء عرب كتبوا بالفرنسية أعمق وأجمل مما كتب بعض الشعراء الفرنسيين أنفسهم أصحاب اللغة وأصحاب البلد، بلد جيسكار ديستان وديغول وغيرهما من إشارات ثقافية سياسية مبنية بقوة في المعمار المعرفي العالمي .
لكن، وهذه لكن كالشوكة في الحلق أو كأنها جملة معترضة أو كأنها نتوء لغوي أحياناً أو أنها مفردة استدراكية، تستجمع بسرعة السياسي الفرنسي الذي ينهال بالضرب على الثقافي الفرنسي بعيداً كلياً عن ملوحة رجل مثل ديغول .
وهذا ما يفعله الآن، مثلاً، ساركوزي الحلو والسكّري جداً بتلك الخفة السياسية وبهذا الشغف السريع بالحياة .
الكاريزما السياسية والثقافية في أوروبا على وجه التحديد مرّت في تاريخ طويل من التجارب ومن المعاناة واستعادتها هكذا على وجه السرعة في صورة رجل خفيف الظل هي محو لصورة قارة بيضاء الوجه . . ومتلوّنة القلب .





رد مع اقتباس