مَحْمود دَرْويش : أرْضُ القَصيدَة
* د. إبراهيم خليل
الدستور الاردنيــة




للناقد عادل الأسطة كتابّ يتناولُ فيه قَصيدةَ محْمود دَرْويش "الجداريّة" من جهَةً العَلاقة بيْنها وبيْن أشْعارًهً الأخْرى. في الكتاب الذي وَسَمَهُ بعنوان "أرْضُ القصيدة" مقالاتّ أنجزتْ في بحْر شهْرَيْن من الزمن ، يلقى بها الأضْواءَ على هذهً الجداريّة ، مُؤكّدًا من خلال الأمثلة ، والإحالاتً المَرْجعيّة ، أنَّ بذور هذهً الشجرة نثرت مسبقًا في حقولً تجاربهً المُبَكّرة. ابتداءً من"أوراق الزيتون"، ومرورًا بعاشقْ منْ فًلَسْطين ، وانتهاءً بـ"لماذا تركْتَ الحصانَ وحيدًا ".

والكتابُ ، الذي يُفصحُ عن حجْم الجُهْد الذي بَذلهُ المؤلفُ في قراءَة الشعْر ، بحثًا عنْ ما يثبت صًحّة مَقولاتًه ، لا يَخْلو من بعْضً المَلاحظ التي تذكًّرُنا بأزْمَة النقد الشعْريّ في وَضْعهً الراهًن. فالمؤلف ينطلقُ من وقفةْ غير قصيرة إزاءَ ما يُعرفُ بالعتبة ، معترفًا باقتباسًهً هذا الاسْتهلال منْ حسن خضر. وهذا التوقف ، غير القصير ، إزاء ألوان الغلاف ، والخطوط ، والصورة ، من اللغْو الذي إذا مرّ به الجاهلون ، قالوا: سلاما. فالجداريّة أعيدتْ طباعتها مرارًا ، بألوان أخرى ، وبأغلفة مُغايرَةْ ، فهلْ تغيَّرتْ القصيدة بتغيُّر الغلاف ، أم بقيتْ على ما هي عليهً ، شكلاً وفحوىً؟

ومع أنّ المؤلفَ كثيرُ التدقيق ، إلا أنه - انسجامًا مع القول المأثور" جَلّ منْ لا يسْهو" - يذْكُرُ في ص 51 ، مقارناً بين جَبْرا ودَرْويش ، أنّ الأوّل تركَ مدينته طائعًا ، مُختارًا ، فيما تركها درْويشُ مجبرًا عام ,1948 وإذا صَحَّ هذا عن الشقّ الثاني منَ المُعادلة ، فليس بصحيحْ عن الشق الأول ، لأنَّ جبرا هو الآخرُ تركَ مدينتهُ مُكرَهًا ، فالمعروفُ أنَّ عائلة جَبْرا كانتْ قد ترَكَتْ بيْتَ لحْم واتّخَذتْ منْ أحَدً المَنازلً في جورة العنّاب في القُدْس بيْتاً لها ، وقدْ جرى هدْمُهُ في الحرْبً عام 1948 ، أما وجودُه ببغدادَ فكان بموْجًبً عقدً عمَل ، كأيًّ شخْصْ آخَرَ يعْمَلُ في غيْر بلاده.

وفي ص 54 يؤكد أنَّ درويشًا يسْترجًعُ في قصيدة"إلى آخري.. وإلى آخره.." حوارًا حقيقيًا مع أبيه ، وهذا في تقديرنا غيْرُ دقيق ، ولعلَّ الحوار غير حقيقيّ ، والشخصية هي شخصيّة الجدّ ، أو العمّ ، لا الأب. ثم ما قيمة أنْ يذكرَ المؤلفُ إنْ كانَ الحوارُ حقيقيًا ، أو غيْرَ حقيقيّ؟ وهل كانَ حوارُ أبي فراس والحمامة في"من روميّات أبي فراس"حقيقيًا؟ وما صلة ذلكَ بقيمةً الشعْر؟ ثم إنّ المؤلفَ ، خلافًا لعادتهً في تفسير الشعْر ، يعتمدُ على الانطباع الأوَّل ، في:"عاش درويش طفولته يومَ كانَ جنودُ يهوشع بن نون يبنون قلعتهم من حجارة بيْتهما" فمن يقرأ هذا التفسير ، لا سيما إذا لمْ يكنْ بصيرًا بشعر درويش ، يظنُّ الشاعر عاش زمن احتلال العبرانيّين أريحا. وأنه عاش أيضًا زمنَ حًصار نابليون عكّا. ومثل هذا التفسير يحتاجُ إلى عبارةْ تخلو من اللَّبْس ، مما يذكّرُنا بخلْطهً بيْنَ الجًدار و"الجداريّة".

واللافت أنّ المؤلفَ ، في تناوله للنموذجً التراثيّ في شًعْر درويش ، يُلقي الضوءَ على الصّلةً بيْن كتاب "الرموز التراثيّة في الشعْر العربيّ الحَديث" 1989 وكتاب علي عشْري زايد" استدعاءُ الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر" 1977 وكادَ أنْ يفصحَ عمّا في الكتاب الأوَّل من نقولْ حرْفيّة عن الكتاب الثاني ، بلا إحالات. على أنّنا نختلفُ معَه في مقابلتهً بيْنَ موْقفيْ درْويش وامْرئ القيْس ، فتفسيرُه لقوْل دَرْويش:

فلا تبكً يا صاحبي حائطًا يَتهاوى

وصدّقْ رحيلي القصيرَ إلى قُرْطُبَة

تفسيرّ يزْعُمُ أنّ الشاعريْن يتشابَهَانً في قبولً الهزيمة ، وطلبً النجْدَةً منَ الأجْنبيّ ، وهو زَعْمّ غير مُقْنع ، فعلى فرَضً أنّ امْرَأ القيس استعانَ بقيصر الروم لاسْتعادَةً عَرْش أبيه ، فإنّ قرْطبة ، في شًعْر درويش ، ترْمزُ ، على الدوام ، للفرْدَوْس الضائًعً ، لا للاسْتعانَةً بالأجْنبيّ.

أمّا ما لمْ نكنْ نتوقّعُه منَ المؤلًّف ، فهْوَ وَضْعُه الشعْرَ والسياسَةَ على طَرَفيْ نقيضْ. يقولُ:"وكما توزَّعَ امرؤُ القيس بيْن قافيةْ وقيْصَر ، توزَّع درويشُ بين الشعْر وَالسّياسَةً."وهذه - فيما نظنّ ونَحْسَبُ - هفوةّ عًلّتها التسَرّعُ ، أوْ السهْوُ ، لأنّ عادلَ الأسْطة ليْس ممّن يفرًّقون بين الشعْرً والسياسَةً على أساسً أنَّ أحدَهُما ندّّ للآخَرَ. ومع ذلكَ لا نُنْكرُ ما في الكتابً من فُصولْ مُمْتًعة ، ومن فًقَرْ شيّقة ، قلّ نظيرُها فيما كُتبَ ، وُنشر ، عنْ محْمود درْويش ، وشًعْرهً.