حُمولة العربي المُهاجِر

خيــري منصــور

دار الخليــــج




تعددت أسباب الهجرات العربية لكن الشجن واحد، فالعرب ككل عباد الله هاجروا بحثاً عن عمل أو مال أو فراراً من ضيق، ومنهم من هاجر ليبني أندلساً من مرمر وياسمين وموشحات، كما فعل الصّقر، وهو الاسم الذي أطلق على عبدالرحمن الداخل . وينفرد تاريخنا بأنه يبدأ من عام الهجرة، لكنها الهجرة الأخرى التي غالباً ما تعقبها عودة ظافرة، فالرسول الكريم هاجر من مكة لكي يعود إليها، وليس ليفارقها إلى الأبد، وحين يتحدث الباحثون اليوم عما يسمى هجرة الأدمغة العربية تأخذهم الحواسيب والإحصاءات بعيداً عن أسباب وجذور هذه الهجرة، فهي ليست كلّها فراراً من واقع خانق، فالمشتغلون في العلوم بحاجة إلى مجالات حيوية لتحقيق الهاجع والكامن من إمكاناتهم .

لكن ما يهمنا الآن هو أمر يتجاوز أسباب الهجرة إلى ما ترتب عليها، فثمة من هجّروا ولم يهاجروا، كما حدث للفلسطينيين عام ،1948 وما أعقبه في عام ،1967 ومن يتابع الحراك الاجتماعي والسياسي إلى حد ما لهؤلاء المهاجرين العرب في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة، إضافة إلى من سبقوهم إلى أمريكا اللاتينية، يجد أن الحمولات التي أبهظت ذاكرتهم وهم يرحلون بحاجة إلى فحص، فهي ليست من أعشاب هذه الأرض أو ثمار أشجارها، بقدر ما هي موروث نفسي، فمن تربى على الحذر والمشي بمحاذاة الجدران حمل معه هذا الخوف أينما ذهب، ومن فضّل العزلة والاكتفاء راضياً بالحدّ الأدنى من متطلبات العيش حمل على كاهله هذه التربية التي أفرزت بمرور الوقت وتراكم حالات الإحباط أشباحاً في الذاكرة، وفوبيات عديدة بدءاً من فوبيا الحراك السياسي وحق الانتخاب . إن ما يقوله العرب المهاجرون إلى الغرب في مختلف المناسبات هو أن حالة التهميش التي وجدوا أنفسهم محاصرين بها كان لهم دور فيها، فهي ليست حصاراً مضروباً عليهم في السياقات الحضارية والسياسية للبلدان التي يقيمون فيها، خصوصاً وأن أعداداً غفيرة منهم أصبحوا في عداد المواطنين في تلك البلدان، لهم حق الترشح والانتخاب، فلماذا يعزفون عن هذا النشاط؟ ولماذا تقل نسبة من يمارسون حق الانتخاب عن عشرين في المئة في معظم الأحيان؟

ولو صحَّ أن ما يحول بينهم وبين النشاط السياسي، وبالتحديد الانتخابي، هو ما تعجّ به ذاكرتهم من أشباح وفوبيات مزمنة، فماذا نقول عن الأجيال الجديدة التي ولدت في تلك البلدان ولم تحمل أي ذكريات شخصية عن السجون والمطاردة والتهميش؟ قد تكون الإجابة المتسرعة هي أن هؤلاء تشربوا ورضعوا ثقافة العزلة والانكفاء عن أهلهم، لكن هذه الذريعة لا تصمد أمام واقع بالغ الحيوية في عواصم الغرب المعاصر .

فمن ينعم بكل منجزات المدنية والحرّيات في ذلك العالم لن يستطيع شطر ذاته إلى اثنين، أحدهما يتذكر والآخر يعيش .

لقد كان أمام العرب المهاجرين إلى شتى بقاع الأرض أن يحولوا وجودهم المتفرق إلى لوبيات فاعلة، ومضادة للوبي الصهيوني الذي يلعب دوراً بالغ النفوذ على صانعي القرار في ذلك العالم، بحيث تحولت بعض العواصم الكبرى إلى رهائن اقتصادية وإعلامية، وأخيراً سياسية للوبي الصهيوني، بالرغم من أن هناك مفارقة صادمة لنا جميعاً وهي أن العرب المهاجرين حملوا معهم فيروس الأمراض المحلية في المجتمعات التي غادروها، وكان أمامهم أن يعثروا على القاسم القومي المشترك لغة وثقافة وتاريخاً وموقفاً .

أما الإلحاح على أن الهجرة وحدها أتاحت لمن اختاروها أن يحققوا أنفسهم، فهو أمر مبالغ فيه، إذ لا يمكن أن يحرف العرب المعاصرون مقولة الفيلسوف ديكارت الشهيرة “أنا أفكر إذن أنا موجود”، بحيث تصبح أنا أهاجر إذن أنا مولود، مادام المقيم في وطنه حسب هذا المنطق هو المفقود .