|
|
«مطر أيلول».. الموت عشقاً أو بـ « رصاصة طائشة »
* الامارات اليوم
«مطر أيلول».. عائلة تعيش الحب والجنون والموت حباً.
ستكون الأفلام التي نقدم لها في ما يلي محاولة للوصل بين ضفتين، كل ضفة على النقيض من الأخرى، وبما يتيح التأرجح بين الرقة والقسوة، بين السرد السينمائي الذي يتعقب الجمال والحب، وآخر يأتي ملاحقاً لكل مشوهات الجمال، وما يسود عالمنا من قبح، وليكون السينمائي تمحورا وتمركزا حول قضية اجتماعية أولاً وأخيراً. لكن وعند المسعى لإضافة ضفة ثالثة لها أن تكون مستحيلة، فإن الحرب الأهلية ستطل برأسها، ولن تكون المأساة إلا بتوقيع رصاصة طائشة تقتل من تجلس وحيدة على الشرفة.
تقديم يسعى الى ان يوجز سريعاً ثلاثة أفلام مشاركة في مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة في الدورة السابعة من مهرجان دبي السينمائي، نبدأ بجديد المخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد «مطر أيلول»، مروراً بفيلم المصري محمد دياب«ستة، سبعة، ثمانية»، وصولاً إلى فيلم اللبناني جورج هاشم «رصاصة طائشة».
جرعة حب وجمال وفرح كبيرة سيحملها فيلم «مطر أيلول»، وله أن يكون على اتصال وانفصال في آن معاً مع تجربة المخرج عبدالحميد الخاصة والطويلة، وله أن يوضع في سياق له أن يستكمل فيه سلسلة أفلام المدينية إن صح الوصف، وتحديدا «صعود المطر» وبشكل أكبر «نسيم الروح»، هذا إن كنا سنعتبر «ليالي ابن آوى» و«رسائل شفهية» و«ما يطلبه المستمعون» وغيرها، تمثل الشق القروي من تجربة عبدالحميد، لكن أسلوبه سيبقى حاضراً أيضاً في «مطر أيلول»، لكن بإضافات تستحق الإعجاب. في «نسيم الروح» لن تنجح الشخصية التي جسدها بسام كوسا في شرب الشاي أبداً، ذاك العاشق المتيم، والعاشق أيضاً لبليغ حمدي، كذلك الأمر مع «مطر أيلول»، لكن مع حالات عشقية متعددة ومتنوعة، وجرعات فنتازيا أشد تطرفاً في احتفائها بالحب في أعلى درجاته، وبين ثنايا الفيلم ما يقول لنا دمشق على ما هي عليه بوصفها مدينة للعشق، فعازف البزق الشهير محمد عبدالكريم الذي كان يمضي يومياً في أربعينات القرن الماضي إلى إذاعة دمشق ليعزف شارة بدء البث، سيعود رب العائلة العاشقة (أيمن زيدان) إلى سماعها مجدداً، لكن مع تغيير سيكون في أن النافذة أصبحت جداراً، والمرأة التي قالت «أحبك» سرعان ما تموت.
منطق الحب
يعقد فيلم «مطر أيلول» من البداية مع المشاهد اتفاقاً كاملاً بأنه في صدد مشاهدة فيلم منطقه الحب، الوله، الجنون، الموت حباً، ومن خلال عائلة مؤلفة من أب وستة أبناء، كلهم عشاق، سنقع على الأول وقد أغرق سيارة متوقفة بالصابون، إنه يغسلها ويغسلها إلى ما لا نهاية ويضع على زجاجها وروداً، بينما أهالي الحي يراقبونه كمشهد يومي، لتأتي امرأة وتستقل السيارة بعد أن تقول له «صباح الخير» تمسك بيده ثم تمضي، بينما نقع على الابن الثاني يركض مسافات هائلة في شوارع دمشق، ليصل إلى نافذة يرمي إليها بوردة، فتخرج فتاة جميلة ترمقه، يمسك بيدها ثم يمضي ركضاً، بينما الإخوة الأربعة الآخرون فإنهم يشكلون تختاً شرقيا موسيقياً، يرتدون الثياب نفسها، أربعة إخوة يحبون أربع أخوات، يلتقون بهن تحت رقابة أهلهن، يقدم الهدايا نفسها، يتبادلون النظرات معهن والأم جالسة بينهم، مع توظيف الأغاني الجميلة التي يعزفونها في سياق الفيلم، الأمر الذي ينجح دائماً عبدالحميد في استثماره، وهنا في رهان أكبر.
ثم يأتي دور الأب الأرمل الذي يحب الخادمة (سمر سامي) التي تأتي لتنظيف البيت. كل تلك القصص تقدم في سياق مأخوذ بالفكاهة التي تتناغم والفرح، وبجانب ذلك تأتي مجموعة مؤلفة من خمسة رجال يتجولون في كل مكان، لهم أن يكونوا على النقيض تماماً مما سبق، متجهمون، يرتدون ثياباً توحي بأنهم بيروقراطيون، لا يقومون بشيء إلا الكتابة في دفاتر كبيرة وهم يتحلقون حول جذوع أشجار مقطوعة، بحيث يتبدى تماما ما يريد أن يقوله عبدالحميد من خلالهم.
هذا عرض سريع للفيلم لي أن أعود إليه مجدداً وعرضه بما يستحقه، بوصفه أهم ما شاهدت للآن من أفلام ضمن المسابقة، ولعل مجاورة الضحك والطرافة كانت بمثابة التمهيد للمأساوي، والذي يأتي في سياق متسق، إلا حادث السيارة الذي سيكون بمثابة جرعة زائدة ومفاجئة خارج الاتفاق الذي أبرم بين المشاهد والفيلم.
تنويع طبقي
فيلم «ستة، سبعة، ثمانية» لمحمد دياب في أولى تجاربه الإخراجية، سيكون التمركز مطلقاً حول موضوع الفيلم المتمثل بقضية التحرش الجنسي في مصر، وعبر ثلاث حالات لها أن تكون تنويعاً طبقياً وبناء لقصص متعددة منفصلة، ومن ثم متصلة على طريقة ايناريتو في «بابل» أو كما في «كراش» فيلم بول هاغيس وآخرين، بما يجعل من دياب مطبقاً على خيوطه الدرامية، انطلاقاً من عنوان الفيلم الرقم الذي هو رقم الحافلة التي تأتي بمثابة بؤرة تتوزع منها تلك الخيوط. فيلم دياب مسبوق بموضوعه، السرد سيأتي ليؤكد فداحة ما تعيشه المرأة المصرية، وذلك من خلال فايزة المرأة الموظفة محدودة الدخل التي يمضي التحرش بها من قبل ركاب الباص بمثابة ثمن لوضعها الاجتماعي وذهابها يومياً إلى عملها، لكن يبقى هذا الفعل الذكوري الشاذ فعلاً لا يستثني أحداً، فصبا ايضا هي الثرية يطالها الأمر أثناء احتفال المشجعين بفوز المنتخب المصري، كذلك الأمر مع نيللي التي تحيلنا إلى من رفعت أول دعوى تحرش جنسي في مصر.
يمنح الفيلم تنويعات عدة لسرده، ويدخل محقق الشرطة الذي يحقق بقضية تعرض ثلاثة من الشبان لحالات طعن متماثلة تكون مرتكبتها فايزة التي تجد بصبا ودعواتها الى مكافحة التحرش دافعاً لأن تمسي أشد قوة.
الهيكل العام للفيلم يأتي في ذلك الإطار، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل تحلي المرأة بالقوة سيحل من المشكلة؟ لكن يبقى للفيلم - وإن كان يريد لنا أن نصفق في النهاية على الطريقة الهوليوودية حين تنجح نيللي بنيل حكم في قضيتها - ليس في وارد تقديم حلول لما نقله في أكبر قدر من مقاربة الواقع بكل فجاجته وقسوته وفي لقطات لها أن تكون مميزة مثلما هو التحرش الذي تتعرض له نيللي، ودون تغييب الوضع الاقتصادي المقرر الأكبر لكل ما يضغط بقسوة على الطبقات الدنيا فيشوهها ويدفعها إلى أفعال مشوهة تحاكي فيها كل ما هو مخرب حولها، لكن تبقى غواية البحث عن حل لهذا الفعل الدنيء اجتماعياً، والذي يتيح لنا فيلم دياب الخوض به، ألا وهو بناء علاقة طبيعية بين المرأة والرجل، خالية من الكبت الجنسي الذي يحول المرأة إلى كائن جنسي فقط لا غير، الأمر المتأتي من تردي الوضع الاقتصادي للانسان بوصفه المقرر الرئيس للأخلاق.
حب و حرب
الفيلم الأخير الذي نقدم له هنا هو فيلم اللبناني جورج هاشم «رصاصة طائشة»، ولنا أيضاً هنا أن نتحدث عن مشكلات العلاقات الانسانية وفق الظروف المحيطة. إنه فيلم عن الحب أثناء الحرب، والمساحة التاريخية التي يتحرك فيها الفيلم هي في عام 1976 وما يهمين عليه هو حرب المخيمات، الاقتتال المسيحي الفلسطيني، لكن في سياق قصة حب مأزومة، تأتي مع بداية لها أن تكون مرتبكة متنقلة بين الشخصيات في تدافع، ومن ثم تتضح حين تخرج علينا قصة نهى (نادين لبكي) التي تقف على أعتاب زواجها من رجل لا تحبه، بينما هي مازالت عالقة في حب رجل آخر، رجل سرعان ما سيتضح عجزه عن الاقتران بها لضعفه كما نفهم في الفيلم. فيلم هاشم يتحرك على مستويين لا ثالث لهما، المستوى العائلي، والمضي خلف ما يحيط بنهى من خلال علاقتها بأختها العانس، ومن ثم أخيها الذي يتكشف عن ذكورية مفرطة، وصولاً إلى الأم التي ستكون نقطة الانعطاف التراجيدية للفيلم، بعد تصعيد كل شيء. بينما يأتي المستوى الثاني من الحرب الأهلية، ومن تلك المرأة التي تراها نهى وهي تقتل أحدهم وهو موضوع في كيس، من الحوار الذي يدور في العشاء الذي يجمع نهى وعائلتها مع خطيبها وعائلته، ولتأتي الرصاصة الطائشة من الحرب أو من قتل الكلاب أثناء الحرب، لا فرق! طالما أن الفيلم موتور ومتحفز وعينه على تلك الرصاصة الطائشة التي كانت تتحرك في سياقات متباينة هيمنت على الفيلم.